كيرا… حين حوّل حملة اعتقالات إلى “مؤتمر إفريقي”

الحلقة التاسعة من سلسلة: أسطورة النكتة في الحي المحمدي

بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب

ليس كل من يصنع الضحك مهرجا، وليس كل من يروي النكتة رجلا عابرا في ذاكرة الناس. فثمة شخصيات تتحول، بمرور الزمن، إلى جزء من الذاكرة الجماعية، لأنها امتلكت قدرة نادرة على انتزاع الابتسامة من قلب المعاناة، وجعلت من السخرية وسيلة لمقاومة قسوة الحياة. ومن بين هذه الشخصيات الخالدة في الذاكرة الشعبية للحي المحمدي بالدار البيضاء، يبرز اسم المرحوم كيرا، الذي لم يكن مجرد صانع نكتة، بل ظاهرة اجتماعية وإنسانية استثنائية. عاش كيرا حياة بسيطة، بعيدة عن الأضواء والمظاهر، لكنه احتل مكانة سامقة في وجدان أبناء الحي المحمدي، الذين رأوا فيه رجلًا يمتلك ذكاء فطريا خارقا، وسرعة بديهة قلّ نظيرها، وقدرة عجيبة على قراءة الواقع وتحويل أكثر المواقف تعقيدا إلى مادة للسخرية والضحك.

ولو أن هذا الذكاء الاستثنائي وجّه إلى مجال آخر، لربما أصبح كيرا واحدا من أبرز الأسماء التي أنجبتها المنطقة في ميادين الفكر أو السياسة أو الإدارة. غير أن الرجل اختار أن يجعل من الفكاهة رسالته، ومن النكتة لغته، ومن البساطة فلسفة للحياة، فكان سعيدا بالدور الذي رسمه لنفسه، حتى وإن ظل بعيدا عن كل مظاهر الشهرة الرسمية. ومن النوادر التي ما تزال تتردد على ألسنة قدماء الحي المحمدي، تلك الحادثة التي وقعت في إحدى صباحات سبعينيات القرن الماضي، عندما استفاق سكان الحي على وقع جريمة قتل مروعة، بعد العثور على جثة رجل قرب ممر السكة الحديدية بدرب مولاي الشريف.

وسرعان ما طوقت السلطات الأمنية مسرح الجريمة، وشرعت في مباشرة تحقيقاتها، بعدما توصلت إلى معطيات أولية تشير إلى أن المشتبه فيه رجل أسمر البشرة. وعلى إثر ذلك، أطلقت حملة أمنية واسعة شملت مختلف أحياء المنطقة، وأوقفت كل من تنطبق عليه تلك المواصفات، في إجراء كان يعكس طبيعة التحريات في تلك المرحلة. وكان من بين الموقوفين كيرا نفسه، ليس لوجود شبهة حقيقية تحوم حوله، وإنّما لأن بشرته السمراء جعلته واحدا من المشمولين بالحملة. وهكذا وجد نفسه، رفقة عشرات الأشخاص، داخل إحدى مقاطعات الشرطة بالحي المحمدي، في انتظار الاستماع إليهم والتحقق من هوياتهم.

وبينما كان القلق يخيّم على وجوه الموقوفين، والخوف ينهش نفوسهم وهم يتساءلون عن مصيرهم، ظل كيرا على طبيعته، هادئا، مطمئنا، واثقا من براءته، مدركا أن الأمر لا يعدو أن يكون إجراء احترازيا لن يطول. وكعادته، لم يستطع أن يقاوم إغراء السخرية، حتى في ذلك الظرف العصيب. نظر حوله إلى عشرات الرجال ذوي البشرة السمراء المحتشدين في المكان، ثم أطلق العنان لصوته مرددا، وسط ذهول الجميع وضحكات من عرفوا طبعه: “آش هاد الشي؟ المؤتمر الإفريقي غادي يبدا… وفين الرئيس موبوتو سيسي سيكو؟!” كانت إشارة ساخرة إلى الرئيس الزائيري آنذاك، موبوتو سيسي سيكو، الذي ارتبط اسمه في المخيال الشعبي بصورة الزعيم الإفريقي الأشهر في تلك الحقبة، وإلى كثرة أصحاب البشرة السمراء المجتمعين في مكان واحد، حتى بدا المشهد، في نظر كيرا، أشبه بقمة إفريقية مصغرة.

ولم يكن ذلك التعليق مجرد نكتة عابرة، بل كان تجسيدًا لشخصية استثنائية لا تستسلم لرهبة المواقف، بل تواجهها بابتسامة، وتحول الخوف إلى لحظة ضاحكة. وهي خصلة جعلت كيرا يحظى بمحبة الجميع، حتى أولئك الذين كانوا يسهرون على حفظ الأمن، فقد كانوا يعرفونه عن قرب، ويدركون أنه رجل مسالم، لا يحمل سوى سلاح الدعابة. ولذلك، لم يطل احتجازه، إذ أُطلق سراحه بعد انتهاء الإجراءات، ليعود إلى فضائه الطبيعي بين أزقة الحي المحمدي، حيث كانت المجالس لا تكتمل إلا بحضوره، ولا يكتمل السمر إلاّ إذا صدح صوته بنكتة جديدة، أو حكاية ساخرة، أو تعليق يختزل الواقع في عبارة واحدة. هكذا عاش كيرا… لم يترك مالا ولا منصبا ولا مؤلفات، لكنّه ترك ما هو أبقى: ذاكرة شعبية تحفظ اسمه بمحبة، وتستعيد مواقفه بابتسامة، وتؤكد أنّ بعض الناس يخلّدهم التاريخ الرسمي، بينما يخلّد آخرين وجدان الناس، وكيرا كان من هؤلاء الذين كتبوا أسماءهم في سجل الذاكرة الشعبية بحبر الضحكة الصادقة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *