ضمن سلسلة: ويخلق من الشبه أربعين
بقلم عبد الله شوكا, كاتب وصحافي- المغرب
للطبيعة أسرارها التي تعجز عن تفسيرها أدق العلوم، ومن بين أكثرها إثارة ذلك التشابه المدهش الذي قد يجمع بين أشخاص لا تربطهم صلة قرابة، ولا يجمعهم وطن، ولا مهنة، ولا مسار حياة. حتى ليخال الناظر، للوهلة الأولى، أنه أمام شخص واحد يؤدي أدوارا مختلفة، بينما الحقيقة أن الأمر لا يعدو أن يكون إحدى عجائب الخلق التي اختص الله بها الإنسان. ومن هنا جاءت المقولة الشعبية الخالدة: «ويخلق من الشبه أربعين»، وهي عبارة تختزل حقيقة إنسانية تتكرر عبر الأجيال، حيث تتقاطع الملامح وتتقارب التعابير، رغم تباعد الأمكنة والثقافات واختلاف المشارب.
وبين الفن والسياسة مسافات شاسعة، فلكل منهما رسالته وأدواته وجمهوره. فالممثل يعتلي خشبة المسرح أو يقف أمام عدسة الكاميرا ليجسد شخصية كتبها مؤلف، بينما يقف السياسي على المنصة مخاطبا الجماهير، حاملا مشروعا أو موقفا أو رؤية. ومع ذلك، قد يجمع القدر بينهما في شيء لا سلطان لهما عليه، هو ملامح الوجه التي صاغها الخالق سبحانه وتعالى قبل أن تنبض الأرواح في الأجساد. وفي هذه الحلقة من سلسلة «ويخلق من الشبه أربعين»، نتوقف عند واحد من أكثر أوجه التشابه إثارة للانتباه، بين الفنان والممثل المغربي الراحل محمد الرزين، أحد الوجوه التي طبعت الدراما والسينما المغربية بحضورها الهادئ وأدائها الرصين، وبين القيادي الفلسطيني الراحل إسماعيل هنية، الذي عرف بحضوره السياسي وخطاباته خلال مسيرته على رأس حركة حماس.
فكل من تابع الرجلين، ولو من حين إلى آخر، لا بد أنه انتبه إلى ذلك التقارب اللافت في ملامح الوجه. استدارة الرأس، وتقاسيم الجبهة، ونظرة العينين، وهيئة اللحية في مراحل معينة، بل وحتى بعض تعابير الوجه أثناء الحديث، كلها عناصر تجعل المقارنة تتبادر إلى الذهن بصورة تلقائية، دون أي عناء. ولعل هذا التشابه كان يدفع بعض المتابعين، في لحظة عابرة، إلى استحضار صورة أحدهما وهم يشاهدون الآخر، في مشهد يجسد تلك المفارقة الجميلة التي كثيرا ما تصنعها الطبيعة. فبينما كان محمد الرزين يؤدي أدواره بإتقان فوق الشاشة، كان إسماعيل هنية يخاطب جمهوره من على المنابر السياسية، غير أن الوجوه، في بعض الأحيان، تتشابه إلى حد يثير الدهشة، حتى وإن اختلفت المسارات والرسائل اختلافا جذريا.
ويبقى هذا التشابه مجرد مصادفة بيولوجية لا تحمل أي دلالة تتجاوز حدود الملامح الخارجية، فلا الفن يستعير مواقفه من السياسة، ولا السياسة تستمد مشروعها من التمثيل، وإنما هي لعبة الأقدار التي تجعل بعض الوجوه تتكرر في صور متعددة، لتذكرنا بأن الإبداع الإلهي لا يعرف حدودا، وأن البشر، مهما اختلفت أوطانهم وأدوارهم، قد يجتمعون في ملامح متقاربة، بينما تظل شخصياتهم وتجاربهم واختياراتهم متباينة كل التباين. وهكذا، يظل محمد الرزين وإسماعيل هنية مثالا آخر على تلك الظاهرة الإنسانية التي تستوقف الأبصار وتثير الفضول، وتمنح سلسلة «ويخلق من الشبه أربعين» إحدى أكثر حلقاتها طرافة، دون أن تتجاوز حدود الملاحظة البصرية التي كثيرا ما يتداولها الناس في مجالسهم، وتبقى في النهاية شاهدا على تنوع الخلق وثراء صور الإنسان.
📲 Partager sur WhatsApp