السودان: حين يتحول التراب إلى ذاكرة غاضبة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ليس السودان مجرد رقعة على الخريطة، ولا مجرد دولة تمزقها حرب أهلية. إنّها قارة صغيرة تحاول أن تتذكر اسمها بينما تتنازعها الرياح من كل الجهات. هناك، لا يسقط القتلى وحدهم، بل تسقط أيضا طبقات كاملة من الزمن، وكأنّ التاريخ نفسه أصبح مبنى قديما تتساقط حجارته فوق من يحاولون الاحتماء بداخله. في دارفور لا تبدو السماء سقفا، بل تبدو مخلوقا أسطوريا يحمل في جوفه عيونا معدنية لا تنام. الطائرات المسيرة ليست مجرد أدوات حرب، بل غربانا فولاذية تعلمت أن تقتنص الحياة من ارتفاع لا تسمح فيه للضحايا حتى برؤية وجوه جلاديهم. لقد صار الموت هناك بلا ملامح، وبلا صوت بشري، كأنّه قرار تتخذه الغيوم ثم تمطره نارا بدل المطر.

غير أنّ الخطأ الأكبر هو أن ينظر العالم إلى السودان باعتباره مسرحا لحرب داخلية فقط. فالحروب الأهلية لا تنمو وحدها. إنها أشجار سوداء تمتد جذورها عميقا تحت التربة، حيث تختلط القبائل بالمصالح، والحدود بالثروات، والذاكرة بالانتقام، والذهب بالدم. وكل من يرى الأغصان وينسى الجذور لن يفهم لماذا تستمر النار حتى بعدما تستهلك الحطب كلّه. السودان اليوم يشبه بركانا لا يقذف حمما فقط، بل يقذف خرائط جديدة. فحين تتشقق الدّولة، لا تتكسر مؤسساتها وحدها، بل تتصدع معها المعادلات الإقليمية كلّها. الحدود التي رسمها الجغرافيون تتحوّل فجأة إلى ستائر رقيقة تعبرها الأسلحة، واللاجئون، والأمراض، والاقتصادات السوداء، والجماعات المسلحة، والأحلام المكسورة. وما يبدو أزمة محلية سرعان ما يصبح ريحا تعبر الصحارى والأنهار من دون أن تطلب تأشيرة.

هناك تحت الرمال أنفاق لا تحفرها المعاول فقط، بل تحفرها المصالح. ليست كلها أنفاقا من حجر، بل أنفاق من النفوذ، والتمويل، والتهريب، والتحالفات الصامتة. في باطن الإقليم تتحرك شبكات لا تظهر على الخرائط، لكنها ترسم خرائط جديدة كل يوم. الذهب لا يسافر وحده، والسلاح لا يمشي وحده، والخوف نفسه صار قافلة تعرف الطرق السرية أكثر مما يعرفها الرعاة. ولذلك تبدو دارفور كأنّها فوهة جبل أسطوري أخفى ناره تحت طبقات من الرماد. كلّما ظن العالم أن البركان هدأ، سمع من بعيد صوت تشقق جديد في جوف الأرض. فالهدوء هنا ليس سلاما، بل استراحة قصيرة تلتقط فيها النار أنفاسها قبل أن تعود إلى الصعود.

ما يحدث لا يهدد السودان وحده. تشاد تحمل على كتفيها أثقال موجات النزوح، وتجد نفسها أمام تحديات إنسانية وأمنية متزايدة. جنوب السودان، الذي لم يلتئم جرحه الداخلي بالكامل، يبقى حساسا لأيّ اضطراب جديد على حدوده. ليبيا، التي ما زالت تعيش تعقيدات الانقسام والسلاح، تتقاطع معها طرق الصحراء وشبكات التهريب. مصر تراقب الجنوب بوصفه امتدادا لأمنها الاستراتيجي، فيما تتابع إثيوبيا التطورات في سياق توازنات القرن الإفريقي وحوض النيل. وهكذا يصبح السودان عقدة تتشابك عندها دوائر متعددة، لا جزيرة معزولة عن محيطها.

والأخطر أن المجاعة لا تقل فتكا عن الرصاص. فالجوع ليس نقصا في الطعام فقط، بل مهندس خفي يعيد تشكيل المجتمعات. حين يجوع الناس، تصبح الدولة أضعف، ويصبح السلاح أكثر إغراء، ويصبح الولاء لمن يملك كيس الدقيق أسرع من الولاء لمن يملك العلم فوق المباني. وهكذا يتحول الخبز نفسه إلى عملة سياسية، ويصبح القمح جنرالا صامتا يقود الجيوش من دون أن يحمل بندقية. اللاّعبون الإقليميون والدوليون ينظرون إلى السودان بعيون مختلفة. بعضهم يرى ممرا استراتيجيا نحو البحر الأحمر، وبعضهم يرى ثروات معدنية، وبعضهم يخشى فقط أن تتحول الفوضى إلى موجات تمتد خارج الحدود. وبين هذه الحسابات تضيع أصوات القرى، ويصبح المدنيون أرقاما في تقارير، بينما هم في الحقيقة عالم كامل من الحكايات التي انكسرت دفعة واحدة.

إنّ أخطر ما في الحروب الطويلة أنّها تغير طبيعة الإنسان نفسه. فالطّفل الذي يولد تحت هدير الطائرات قد يظن أنّ السماء خلقت لتطلق النّار. والقرية التي تنام سنوات على وقع الانفجارات قد تنسى شكل اللّيل الهادئ. ومع مرور الزّمن، لا تعود الحرب حدثا استثنائيا، بل تصبح مناخا دائما، مثل الفصول، يتوارثه الناس كما يتوارثون الأسماء. والسودان اليوم يقف عند مفترق لا يشبه مفترقات السياسة التقليدية. إنه يقف عند الحد الفاصل بين الدولة والفراغ. فإذا طال النزاع، قد لا يكون السؤال من سينتصر، بل ماذا سيبقى ليستحق اسم الانتصار. فالحروب التي تلتهم مؤسسات الدولة لا تترك وراءها غالبا منتصرا كاملا، بل تترك مدنا تتنفس الرماد، وحدودا متعبة، وأجيالا تحمل داخلها حربا أخرى لم تبدأ بعد.

لعلّ المأساة الحقيقية ليست في صوت الانفجار، بل في الصمت الذي يليه. ففي تلك اللحظة يصبح الغبار مؤرخا، وتصبح الحجارة شهودا، ويصبح النهر كأنّه يجرّ خلفه تواريخ كاملة منكسرة. يبدو السودان عندها كشجرة عملاقة تضرب جذورها في أعماق إفريقيا، لكنّ أغصانها تحترق تحت شمس لا ترحم. ومع ذلك تبقى تلك الشجرة، على الرغم من كلّ شيء، تحمل في داخلها بذورا للحياة، لأنّ الأرض التي عرفت حضارات عريقة لا تفقد قدرتها على الانبعاث، لكنّها تحتاج إلى زمن، وإلى عدالة، وإلى سلام حقيقي، لا إلى هدنة تضع قناعا فوق وجه الحرب.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *