حين يقف القلب بين نبض القانون وروح العدالة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في بعض الأيام لا تبدو الحضارة مدينة من الحجر، بل متاهة من الأوراق. ورقة تدخل من باب، فتغلق بابا آخر. توقيع يتأخر ساعة، فيتقدم القلق سنوات. ختم صغير قد يصبح أعلى صوتا من نبضة قلب تنتظر طبيبا. وهنا تبدأ الحكاية. ليس لأن طبيبين اتهما بتحويل عيادة إلى عيادة، فالمفارقة تكاد تبدو من صنع كاتب ساخر، بل لأن السؤال الذي يخرج من هذه الواقعة أكبر من ملف قضائي، وأوسع من مادة قانونية، وأعمق من غرامة مالية. أين ينتهي القانون، وأين تبدأ العدالة؟

ذلك سؤال لم تستطع الفلسفة أن تغلقه منذ أن وقف أول قاض بين نص جامد وإنسان حي. القانون يشبه ساعة ذرية لا تخطئ في العد، لكنه قد يعجز أحيانا عن سماع نبضة قلب. أما العدالة، فهي ليست خصما للقانون، بل روحه الخفية. فإذا انفصل الجسد عن روحه، بقي واقفا لحظة، ثم تحول إلى تمثال. إن الحضارات لا تنهار حين تكثر قوانينها، بل حين تصبح القوانين مرايا ترى الأوراق أكثر مما ترى البشر. المدينة الحديثة تشبه كائنا أسطوريا صنع من ملايين اللوائح. وكل لائحة كانت في أصلها محاولة لحماية النظام من الفوضى. لكن اللوائح، مثل الأشجار، إذا تركت تنمو بلا تقليم، قد تحجب الشمس عن الحديقة التي جاءت لتحرسها. من حق المدن أن تنظم عمرانها. ومن واجب الأطباء احترام الإجراءات. لكن السؤال الفلسفي لا يتعلق بالحق والواجب وحدهما، بل بالتناسب. هل يصبح الإجراء غاية في ذاته؟

وهل يجوز أن يتحول النص، الذي كتب لخدمة الإنسان، إلى جدار يقف بين الإنسان ومن يخدمه؟ إن أعظم القوانين ليست تلك التي تعاقب أكثر، بل تلك التي تميز بين الخطأ الذي يهدد المجتمع، والخطأ الذي يمكن تصحيحه دون أن يدفع المرضى ثمنه. ففي الطب لا ينتظر القلب انتهاء الجلسات القضائية. الشريان لا يقرأ الإشعارات الإدارية. والذبحة الصدرية لا تؤجل موعدها حتى يكتمل ملف التصريح. هناك ساعة أخرى تعمل داخل الجسد، لا تعترف بالتقويم الإداري. كل دقيقة فيها قد تكون الفارق بين الحياة والموت. ولذلك فإن الحكمة القانونية الحقيقية ليست في الصرامة وحدها، بل في القدرة على الموازنة بين حماية النظام وحماية الإنسان.

العجيب أن الإنسان استطاع أن يصنع أجهزة ترى داخل الشرايين، لكنه ما زال أحيانا يعجز عن رؤية المسافة بين النص وغايته. فاللوائح ليست مقدسة لذاتها، وإنما لقدرتها على خدمة المصلحة العامة. وحين تصبح الوسيلة أهم من الغاية، يبدأ شيء دقيق في الانكسار داخل الحضارة. إن الدولة القوية ليست الدولة التي تكثر فيها العقوبات، بل الدولة التي يعرف فيها القانون كيف يكون صارما دون أن يفقد بصيرته، وكيف يكون مرنا دون أن يفقد هيبته. وربما لهذا ستظل العدالة أعظم من النص، لأن النص يقرأ الوقائع، أما العدالة فتقرأ الإنسان أيضا. ليس السؤال: من انتصر في المحكمة؟ بل السؤال الأعمق: هل خرج المجتمع أكثر إنصافا، وأكثر قدرة على حماية القانون… وحماية القلب في الوقت نفسه؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *