بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
لعل أكثر الأمثال ظلما في الذاكرة الشعبية ذلك الذي يقال في المغرب: “كتتبعني بحال شي كلب”. تخرج العبارة من الفم ساخرة، لكنها تحمل في أعماقها تاريخا أطول من اللغة نفسها. غير أن السؤال الذي لم يطرحه المثل قط هو: لماذا يتبع الكلب الإنسان أصلا؟ أهو ذلّ؟ أم خوف؟ أم عادة؟ أم أنّ خلف هذه الخطوات الصغيرة فلسفة كاملة لم ينتبه إليها البشر، لأنّهم اعتادوا رؤية الأقدام ولم يتعلموا قراءة القلوب؟ لقد ظل الإنسان آلاف السنين يفسر الحيوان من خلال نفسه، لا من خلال الحيوان. فإذا رأى الذئب، رأى الوحش الذي يسكنه. وإذا رأى الأسد، رأى سلطته. وإذا رأى الثعلب، رأى مكره. وإذا رأى الكلب، رأى التبعية.
لكنّ العلم، وهو أكثر تواضعا من الأحكام الجاهزة، جاء ليقول شيئا مختلفا. الكلب لا يتبع صاحبه لأنه فقد كرامته، بل لأن آلاف السنين من التعايش أعادت تشكيل دماغه وسلوكه. لقد أصبح الإنسان بالنسبة إليه مرجعا إدراكيا، ومصدرا للأمان، وبوصلة يقرأ بها العالم. ليس ذلك خضوعا أعمى، بل ثمرة تاريخ طويل من الانتخاب والتآلف. فهو يراقب حركة صاحبه كما يراقب البحار النجم القطبي، لا لأنه عبد للنجم، بل لأنه يهتدي به. ومن هنا يصبح المثل الشعبي أقل دقّة ممّا نظن. فالكلب لا يتبع لأن إرادته سلبت، بل لأنه تعلم أن وجود الإنسان قد يعني طعاما، أو لعبا، أو حماية، أو مجرد طمأنينة. وفي علم السلوك الحيواني يشار إلى أن مقدم الرعاية قد يكون بالنسبة إلى الحيوان قاعدة آمنة ينطلق منها ويعود إليها، لا قيدا يشل حركته. ولهذا فإن مجرد المشي خلف الإنسان لا يدل في ذاته على مرض أو اضطراب، وإنما يصبح مثيرا للانتباه إذا كان تغيرا مفاجئا يصاحبه قلق شديد أو عجز عن البقاء وحده.
ويا للمفارقة. لقد استعمل الإنسان الكلب رمزا للتبعية، بينما كان الكلب يمارس أرقى أشكال الثقة. إن التابع الحقيقي لا يفكر. أما الكلب، فإنه يراقب، ويقارن، ويتوقع، ويتعلم. إنه لا يسير خلف القدم، بل خلف المعنى الذي قد تحمله تلك القدم. خطوة نحو الباب قد تعني نزهة. خطوة نحو المطبخ قد تعني طعاما. خطوة نحو الحديقة قد تعني عالما جديدا من الروائح. إنه يقرأ الإشارات الصغيرة كما يقرأ الفيلسوف هوامش كتاب قديم. ولذلك فإن العلاقة بين الإنسان والكلب ليست علاقة سيد وخادم كما صورتها بعض المخيلات، بل علاقة نسجها الزمن بخيط لا يكاد يرى. لقد عاشا معا زمنا أطول من عمر حضارات كاملة. قبل أن تبنى المدن، وقبل أن تكتب القوانين، كان بين النار الأولى في الكهف، وعينين تلمعان في العتمة، عهد غير مكتوب. ولذلك أيضا، لم يكن غريبا أن يختلف التراث في النظر إلى هذا الحيوان.

في المخيلة الإغريقية، لم يكن الكلب مجرد تابع. كان حارسا للحدود بين العوالم. يكفي أن نتذكر سيربيروس، الكلب الأسطوري الذي يقف على أبواب عالم الموتى، لا لأنه رمز للمهانة، بل لأنه رمز لليقظة التي لا تنام. وحتى حين ظهر الكلب في ملاحم الصيد والوفاء، كان حضوره دليلا على أن الإنسان لا يستطيع عبور البرية وحده. أما في التراث العربي، فقد كانت الصورة أكثر تعقيدا من الأحكام السريعة. نعم، حضرت أوصاف سلبية في بعض الاستعمالات اللغوية، لكن الذاكرة العربية احتفظت أيضا بصورة أخرى لا تقل رسوخا. ففي قصة القرآن الكريم يقف الكلب على باب الكهف حارسا للفتية، حتى أصبح جزءا من المشهد الخالد. لم يمنحه النص بطولة مستقلة، لكنه منحه شرف الحراسة، وكأن الوفاء قد يكون أحيانا أعظم من الكلام. وفي الأدب العربي، كثيرا ما أصبح الكلب مرآة أخلاقية للإنسان. فإذا خان الإنسان صاحبه، قيل إن الكلب أوفى منه. وإذا ثبت الكلب على عهده، بدا كأنه يفضح تقلقل البشر. وهكذا تحول الحيوان الذي استعمل في بعض الأمثال للإزراء، إلى ميزان يقاس به نقص الإنسان نفسه.
إن الأمثال الشعبية ليست كتبا في علم الأحياء، بل خرائط مختصرة لتجارب بشرية. إنها تلتقط جانبا من الحقيقة، ثم تنسى الجوانب الأخرى. ولهذا ينبغي أن نتعامل معها كما نتعامل مع المرايا القديمة. إنها تعكس ملامح، لكنها لا تعرض الصورة كاملة. ومن أعمق أخطاء الإنسان أنه يفسر الوفاء على أنه ضعف، والاستمرار على أنه تبعية، والثبات على أنه فقدان للكرامة. وربما لأن الإنسان نفسه يخاف الارتباط، صار يشك في كل كائن لا يخجل من إظهار تعلقه. العجيب أن الحضارة الحديثة، بكل ما فيها من ذكاء اصطناعي، لم تستطع أن تصنع آلة تنظر إلى صاحبها كما ينظر الكلب إليه. فالآلة تنفذ، لكنها لا تنتظر. تحسب، لكنها لا تشتاق. أما الكلب، فإنه يحول الانتظار إلى لغة، والنظر إلى حوار، والقرب إلى وطن.

ولعل المثل الشعبي يحتاج اليوم إلى مراجعة لا في ألفاظه، بل في فهمه. فليس كل من يتبع فاقدا لحريته. أحيانا يتبع الإنسان فكرة لأنها أنقذته. ويتبع عالما لأنه علمه. ويتبع أمّا لأنّها منحته الحياة. ويتبع صديقا لأنّه وجد عنده الطمأنينة. والكلب، في كثير من الأحيان، لا يفعل أكثر من ذلك. إنّه لا يمشي خلف الإنسان لأن قامته أقصر، بل لأن ذاكرته أطول. يحمل في أعصابه آلاف الأعوام من العيش المشترك، حتى غدا يرى في صاحبه ليس مجرد مالك، بل نقطة ارتكاز في عالم سريع التغير. وهكذا، فإن العبارة الساخرة “كتتبعني بحال شي كلب” تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشف عن الكلب. فهي تقول كيف ينظر البشر إلى التعلق، ولا تقول كيف يفهم الحيوان معنى الأمان. وربّما لهذا السبب سيظل الكلب يمشي خلف الإنسان، بينما سيظل الإنسان، منذ فجر التاريخ، يمشي خلف سؤال أكبر منه جميعا: لماذا نخجل من الوفاء أكثر مما نخجل من الخيانة؟
📲 Partager sur WhatsApp