بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة كلمة تبدو في ظاهرها وساما، لكنّها قد تتحول في لحظة معينة إلى قفص من ذهب. كلمة بطل هي واحدة من تلك الكلمات التي يصفق لها الجميع، بينما يخشاها من يحملها على كتفيه. فالبطل، في المخيال الجمعي، لا يتعب، لا يشتكي، لا يفاوض، ولا يطالب بحقوقه. إنه كائن صنع لكي يبتلع النار ثم يبتسم للكاميرات. ولهذا، فإن رفض رجال الإطفاء الفرنسيين لهذا اللقب ليس رفضا للتقدير، بل تمرّد فلسفي على واحدة من أقدم الحيل التي ابتكرتها الدّول، من دون أن تكون بالضرورة مؤامرة واعية، وهي تحويل الإنسان إلى رمز، حتى لا يظلّ إنسانا يطالب بحقه.

كلّ حضارة تخترع أساطيرها الخاصة. الإغريق صنعوا هرقل، والرّومان صنعوا الفيلق الذي لا يهزم، والعصور الحديثة صنعت رجل الإطفاء الذي يدخل الجحيم بينما يصفق له الواقفون على مسافة آمنة. لكن الأسطورة تحمل دائما مفارقة قاسية. فهي ترفع صاحبها فوق البشر، ثم تمنعه من أن يتكلم بلغتهم. وما إن يصبح الإنسان بطلا، حتى يصبح تعبه خيانة لصورته، ويصبح طلبه لوسائل أفضل وكأنّه تقليل من شجاعته. ليست القضية هنا قضية خوذات أو عربات أو ميزانيات فقط. إنها قضية معنى سياسي عميق. فالدولة الحديثة لا تعيش بالقوانين وحدها، بل تعيش أيضا بالروايات التي ترويها عن نفسها. وكل دولة تحتاج إلى شخصيات تجسد فضائلها. غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول الرواية إلى بديل عن الإصلاح. عندئذ يصبح التصفيق أرخص من الاستثمار، وتصبح الخطب أقل كلفة من شراء المعدات، ويصبح الاحتفاء أكثر سهولة من إعادة بناء المؤسسات.
رجال الإطفاء يدركون هذه المفارقة. إنهم يقولون للمجتمع، بعبارة تبدو بسيطة لكنها تهز أسس الفلسفة السياسية: لا تحوّلونا إلى أسطورة، لأنّ الأسطورة لا تتقاضى أجرا، ولا تخضع لفحص طبي، ولا تصاب بالسرطان نتيجة التعرض المزمن للدخان، ولا تعود إلى منزلها وهي تحمل رائحة الغابة المحترقة في رئتيها. في علم الاجتماع، لا ينهار المجتمع عندما يقل عدد أبطاله، بل عندما يضطر إلى صناعة أبطال أكثر مما ينبغي. فكلّ بطل إضافي قد يكون دليلا على أنّ مؤسسة كاملة أصبحت تعوض نقصها بالتضحية الفردية. البطولة، بهذا المعنى، ليست دائما علامة قوة. أحيانا تكون البرهان الأكثر بلاغة على هشاشة النظام.

إن تغير المناخ لا يحرق الغابات وحدها، بل يحرق أيضا الفكرة القديمة التي قامت عليها أجهزة الطوارئ. فهذه الأجهزة صممت لعالم كانت الكوارث فيه استثناء. أما اليوم، فإن الاستثناء نفسه بدأ يتحول إلى مناخ دائم. وهنا يصبح رجل الإطفاء أشبه ببحار يحاول إفراغ محيط بدلو صغير. ليست المشكلة في شجاعته، بل في أن البحر لم يعد يشبه البحر الذي تدرب على مواجهته. والأغرب أن المجتمع، وهو يصفق، لا يدرك أنه يشارك أحيانا في إنتاج مفارقة أخلاقية. فالتصفيق يمنح الضمير راحة مؤقتة، لكنه قد يؤجل السؤال الأصعب. لماذا يحتاج هؤلاء إلى كل هذا القدر من التضحية أصلا. الحضارات لا تقاس بعدد الذين يغامرون بحياتهم لإنقاذها، بل بعدد المرات التي تنجح فيها في تقليل الحاجة إلى تلك المغامرة.
ثمّة استعارة لم تكتب بعد، لكنّها ربما تصف عصرنا بدقة. الدولة الحديثة تشبه شجرة عملاقة تمدّ ظلالها على الجميع، لكن جذورها لم تعد تمتص الماء بالسرعة التي يكبر بها الجذع. وعندما تشتعل الغابة، يهرع رجال الإطفاء ليس لإنقاذ الأشجار فقط، بل لإنقاذ ظلها أيضا. ذلك الظل هو الثقة العامة. فإذا احترق، فلن تعوضه آلاف الخطب. وربّما لهذا رفض رجال الإطفاء لقب الأبطال. إنّهم لم يرفضوا المجد، بل رفضوا أن يتحول المجد إلى عملة سياسية تؤجل الاستثمار في الأمن المدني. كانوا يقولون، من دون أن يستخدموا هذه الكلمات، إن الجمهورية لا تحتاج إلى مزيد من الأساطير، بل إلى مؤسسات تجعل البطولة حدثا نادرا لا وظيفة يومية. لقد علمتنا الأساطير القديمة أن البطل يولد عندما تعجز الآلهة. أما في الديمقراطيات الحديثة، فإن كثرة الأبطال قد تكون إشارة إلى أن الدولة تطلب من بعض أبنائها أن يسدوا، بأجسادهم، الفجوة بين الخطاب والواقع. ولعل العبارة الأكثر إيلاما ليست نحن لسنا أبطالا، بل ما تخفيه هذه الجملة من معنى أعمق. نحن بشر. والبشر لا يعيشون بالتصفيق، بل بالكرامة، وبالموارد، وبالمعنى، وبمؤسسات تعرف أن حماية من يحمون المجتمع ليست منحة أخلاقية، بل الشرط الأول لبقاء الدولة نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp