مائدة السحور و عبارة «أطفي علينا الخرشاش»

ضمن سلسلة: «حكايات وطرائف عاشها البدو»

بقلم عبد الله شوكا، كاتب وصحافي- المغرب

في البادية حكايات لا تكتبها الجرائد، ولا تحفظها دفاتر المؤرخين، ولا تجد طريقها إلى الكتب، لأنها ولدت في بيوت من طين، وبين رجال ونساء كانت الحياة عندهم بسيطة في وسائلها، واسعة في حكاياتها، شحيحة في زينتها، غنية بما يكفي من الذكاء الفطري كي تجعل من الواقعة العابرة قصة تتناقلها الألسنة جيلا بعد جيل. ولعل طرائف البدو من ذلك النوع النادر من الأدب الذي لم يجلس صاحبه إلى مكتب، ولم يحتج إلى محبرة، ولم يبحث عن قارئ؛ فقد كان الراوي هو صاحب الحكاية، والمقهى هو مجلسها، والبيت هو مسرحها، والذاكرة هي الصحيفة التي لا تتوقف مطابعها. وما أكثر هذه الطرائف التي عاشت وماتت داخل البيوت، ولم تتجاوز عتباتها. بعضها كان من شدة طرافته يستحق أن يروى، وبعضها كان من شدة صدقه لا يصدق، وبعضها كان يظل سرا عائليا حتى يشيخ أبطاله، ثم تخرجه الذاكرة في لحظة صفاء، كما يخرج الفلاح من تراب الأرض شيئا كان يظنه مدفونا إلى الأبد. ومن بين هذه الحكايات حكاية رحمانية صغيرة في ظاهرها، لكنها تحمل في داخلها صورة كاملة عن رمضان البادية في سبعينيات القرن الماضي، وعن إنسان كان يقيس الزمن بالظلام والضوء، ويواجه الصيام بالعمل، ويستقبل الفجر لا بالساعة، وإنما بالأذن والعين والعادة.

كان رمضان في البادية، حين يصادف أيام الصيف، امتحانا مزدوجا: امتحان للصبر، وامتحان للساعة البيولوجية. فالنهار طويل، والشمس لا ترحم، والأرض لا تقبل أعذار الصائم. هناك أعمال لا تنتظر غروب الشمس. والماشية لا تعرف أن صاحبها صائم. والأرض لا تقول للفلاح: اذهب واسترح، فقد حل رمضان. كان الرجل يخرج إلى عمله، يحمل جسده وعطشه معه، ويقطع ساعات النهار الطويلة وهو يعرف أن الماء قريب منه، لكنه بعيد عنه بحكم الصيام. وفي تلك العقود، لم تكن البادية قد دخلت بعد في ذلك العالم الذي صار فيه الوقت محاصرا بالشاشات والساعات والمنبهات والتطبيقات. كان للزمن مقياس آخر. كان الليل يعرف نفسه بنفسه. وكان الفجر يأتي من جهة السماء. وكان الناس يراقبون الظلام كما يراقب أهل المدن عقارب الساعة.

في إحدى بوادي الرحامنة، وفي سبعينيات القرن الماضي، استيقظت أسرة لتناول السحور. لم تكن في البيت ساعة حائط تقول لهم: بقيت عشر دقائق. ولم يكن هناك هاتف ذكي يضيء في العتمة ليخبرهم بالوقت. ولا منبه يصرخ في منتصف الليل. كان هناك الظلام. وكان هناك الحدس. وكان هناك شيء من الثقة في أن الليل ما زال ليلا، وأن الفجر لم يأت بعد. جلست الأسرة حول مائدة السحور. وكان الطعام بسيطا على طريقة ذلك الزمن: بطبوط بالزيت، وشاي، وقطع من الخبز تؤكل على مهل، لأن الصائم يعرف أن هذه اللقمة الصغيرة ستصبح بعد قليل ذكرى بعيدة. وكانت كل دقيقة على مائدة السحور ثمينة. فمن يعرف معنى العطش في نهار صيفي طويل، يعرف أن لقمة إضافية ورشفة شاي أخرى ليستا مجرد متعة، بل زادا ليوم كامل.

لكن أحد الأبناء، ربما من باب الاحتياط، وربما من باب حب الاستطلاع، وربما لأن الراديو كان في ذلك الزمن واحدا من أفراد العائلة، قرر أن يشغله. اشتغل الجهاز. وانساب الصوت في البيت. ثم جاءت المفاجأة. صوت الأذان. أذان الفجر. هنا تغيرت ملامح المائدة. فالأسرة كانت تأكل. والأذان يعلن أن وقت الإمساك قد حان. لكن المفارقة أن الأذان الذي التقطه الراديو لم يكن خاصا بالمنطقة التي توجد فيها الأسرة، بل كان بحسب توقيت الرباط وسلا، بينما كان أذان المنطقة التي تنتمي إليها الأسرة سيحل، كما تروى الحكاية، بعد نحو ثلاث دقائق. ثلاث دقائق فقط. وفي عالم السحور، ثلاث دقائق ليست ثلاث دقائق. إنها ثلاث دقائق من الرزق. ثلاث دقائق من البطبوط. ثلاث دقائق من الشاي. وثلاث دقائق قد تتحول، في يوم صيفي طويل، إلى ما يشبه كنزا مدفونا في آخر الليل.

هنا، وبحسب الرواية التي بقيت عالقة في ذاكرة الأسرة، لم تتردد الأم كثيرا. نهرت ولدها، وطلبت منه أن يوقف الراديو بسرعة، قائلة عبارتها التي اختصرت الموقف كله في جملة واحدة: «أطفي علينا الخرشاش، خلينا ناكلو نضغات!» ما أجمل أن تكون اللغة الشعبية قادرة على اختصار فلسفة كاملة في كلمتين. «الخرشاش» هنا لم يعد مجرد راديو. لقد تحول، في لحظة، إلى خصم لمائدة السحور. جهاز صغير يريد أن ينتزع من الأسرة دقائقها الأخيرة. أما «نضغات»، وهي كسرات الخبز ولقيماته، فكانت في قاموس تلك الأم ليست مجرد طعام. كانت مؤونة معنوية ليوم كامل من الحر والعطش. ولعل الأم، في تلك اللحظة، لم تكن تناقش الفقه بقدر ما كانت تتشبث بالحياة اليومية. قالت، في ما يشبه الإعلان غير المكتوب: دعونا نأكل ما دام الليل ما زال في أعيننا.

وهنا تكمن روعة الحكاية. فالأم لم تعتمد على الراديو. اعتمدت على عينيها. كان الظلام بالنسبة إليها ساعة معلقة في سقف البيت. ما دامت لا ترى الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فالفجر، في إحساسها، لم يكتمل حضوره. وهذه ليست مسألة عناد. إنها صورة عن زمن كان الناس فيه يتعاملون مع الطبيعة مباشرة. اليوم نسأل الهاتف عن الوقت. أما في ذلك الزمن، فكان الإنسان يسأل السماء. اليوم يرن المنبه فيقول لنا: حان موعد الاستيقاظ. أما آنذاك، فكان الديك يؤدي وظيفة لا تذكر في أي وصف وظيفي، لكنه كان من أكثر العاملين انضباطا في القرية. كان صوت الديك ساعة. والنجوم ساعة. والظلام ساعة. والفجر نفسه ساعة. أما الراديو، فقد كان جهازا غريبا يريد أن يقحم على هذه المنظومة كلها توقيت مدينة بعيدة.

ثلاث دقائق. قد يراها إنسان يعيش في عصر الساعات الذرية زمنا لا يستحق الذكر. لكن الإنسان الذي يعرف ماذا يعني أن يصوم ست عشرة ساعة في يوم قائظ، لا ينظر إلى الثلاث دقائق بالطريقة نفسها. إنها ليست زمنا فقط. إنها رشفة ماء مؤجلة. لقمة إضافية. لحظة استراحة قبل الدخول في صحراء النهار. ولهذا تبدو عبارة الأم، على بساطتها، عميقة من حيث لا تقصد. فالإنسان حين يواجه المشقة لا يحسب الزمن بالدقائق وحدها. يحسبه بما يستطيع أن يحمله من تعب. في تلك السنوات، كانت البيوت القروية تفتقر إلى كثير من وسائل قياس الوقت التي تبدو لنا اليوم بديهية. لكن ذلك لا يعني أن الناس كانوا يعيشون خارج الزمن. على العكس. كانوا يعيشون داخله بكثافة. كانوا يعرفون وقت الحصاد من الأرض. ووقت المطر من رائحة الهواء. ووقت الفجر من تغير لون السماء. ووقت المساء من حركة الظلال. وكان الزمن عندهم محسوسا، لا رقميا. لم يكن يمر على شاشة. كان يمر على وجه الشمس، وعلى برودة الهواء، وعلى صياح الديك، وعلى صمت الحقول. ولذلك ربما كانت تلك الأم أكثر ثقة بعينيها من ثقتها بصوت خرج من جهاز.

من الناحية الكوميدية، تكمن عبقرية الحكاية في ذلك التحول اللغوي الطريف. الراديو، ذلك الجهاز الذي كان يدخل إلى البيوت حاملا الأخبار والأغاني والأذان، تحول في لحظة واحدة إلى «خرشاش». لم يعد ناقلا للصوت. صار مصدر إزعاج. صار شيئا يشوش على مائدة السحور. وهذه إحدى خصائص الطرفة الشعبية المغربية: أنها لا تحتاج إلى اختراع نكتة. يكفي أن تغير اسم الشيء. يكفي أن تنظر إليه من زاوية أخرى. وفجأة يصبح الراديو «خرشاشا»، وتصبح الدقائق القليلة المتبقية من الليل قضية تستحق المعركة. في مثل هذه الحكايات، لا يحتاج الكاتب إلى اختراع مبالغات كثيرة. فالواقع الشعبي نفسه يتكفل بالمبالغة. ولو جلس الجاحظ، رحمه الله، في ركن من ذلك البيت الرحماني، وربط عمامته، وراقب الأم وهي تطلب من ولدها إسكات الراديو، لربما وجد في المشهد مادة تكفيه لفصل كامل عن طبائع الناس حين يشتد بهم الجوع والعطش. فالجاحظ كان يعرف أن أعظم الطرائف لا تأتي دائما من المهرجين. قد تأتي من أم خائفة على سحورها. ومن ابن شغل الراديو في الوقت الخطأ. ومن أذان سمعته الأسرة قبل أوانه المحلي بقليل. ومن ثلاث دقائق قررت أن تجعلها أطول مما ينبغي. وهكذا يصبح البيت الريفي مسرحا. والراديو بطلا ثانويا. والبطبوط بطلا رئيسيا. والأم مخرجة للمشهد. والضحكة هي النهاية التي لم تكن في حساب أحد.

هذه الحكاية، في ظاهرها، لا تتحدث عن حدث كبير. لا سياسة فيها. ولا حرب. ولا تاريخ رسمي. لكنها تحفظ شيئا لا تستطيع الوثائق الرسمية حفظه بسهولة: كيف كان المغاربة يعيشون. كيف كانوا يستقبلون رمضان. كيف كانوا يقيسون الوقت. ماذا كانوا يأكلون في السحور. كيف كان الراديو يحتل مكانه داخل البيت. وكيف كانت المرأة القروية تواجه مشقة الصيام والعمل والحياة بذكاء عملي لا يحتاج إلى كتب. وهنا تكمن قيمة الحكايات الشعبية. إنها لا تسجل التاريخ من فوق. تسجله من المائدة. من المطبخ. من الحقل. من السطح. من جلسات العائلة. وتقول لنا إن التاريخ ليس فقط ما فعله الملوك والوزراء والقادة. التاريخ أيضا ما قالته أم لولدها في ليلة من ليالي رمضان.

ربما انتهت تلك الليلة كما تنتهي كل ليالي السحور. انطفأ الراديو. استمرت الأسرة في الأكل. جاء الفجر في موعده المحلي. ثم بدأ نهار جديد. نهار من حر الرحامنة، والعمل، والعطش، والانتظار الطويل حتى المغرب. لكن عبارة الأم بقيت. «أطفي علينا الخرشاش… خلينا ناكلو نضغات». بقيت لأنها ليست مجرد عبارة طريفة. إنها قطعة صغيرة من زمن كامل. زمن كان فيه الناس يملكون القليل من الوسائل، لكنهم كانوا يملكون الكثير من الحيلة. زمن لم تكن فيه الساعة على الحائط، فكانت السماء هي الساعة. ولم يكن الهاتف يذكرهم بموعد السحور، فكان الظلام يقوم بالمهمة. ولم تكن المائدة عامرة بما نحن عليه اليوم، فكانت «النضغات» تحمل معنى أكبر من حجمها. وهكذا، بعد مرور عقود، لم يبق من تلك المائدة لا البطبوط ولا كؤوس الشاي ولا صوت الراديو. بقيت الجملة. وبقيت الضحكة. وبقيت الأم في مكان ما من الذاكرة، تطلب من ولدها أن يسكت ذلك «الخرشاش»، حتى تتمكن الأسرة من انتزاع ثلاث دقائق أخرى من الليل. وربما هذه هي أجمل وظيفة للحكاية الشعبية: أن تنقذ التفاصيل الصغيرة من الغرق. فما لا تحفظه الكتب، قد تحفظه نكتة. وما لا يسجله المؤرخ، قد تنقله أم إلى ولدها. وما يظنه الناس مجرد موقف عابر، قد يصبح بعد نصف قرن مرآة كاملة لزمن مضى.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *