حين تخنق أمريكا شرايين موسكو

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في السياسة الدولية، لا تبدأ الحروب دائما بصوت المدافع. بعضها يبدأ بصمت بارد يشبه انطفاء مصباح في آخر ممر. لا يسمع أحد الانفجار، ولا يرى أحد الدخان، لكن شيئا ما يتغير في عروق النظام الدولي. يتوقف المال عن الحركة، تتعثر السفن، تضيق الموانئ، ترتفع كلفة الطاقة، وتتحول البراميل التي كانت تحمل النفط إلى رسائل سياسية عائمة فوق البحار. ذلك هو المعنى الأعمق للتصعيد الأمريكي الجديد ضد روسيا. فما أقره مجلس الشيوخ الأمريكي ليس مجرد حزمة أخرى من العقوبات تضاف إلى أرشيف طويل من العقوبات التي أعقبت الحرب الروسية على أوكرانيا. إنّه محاولة للانتقال من معاقبة الدولة الروسية إلى خنق البيئة الاقتصادية التي تمنح الحرب قدرتها على الاستمرار. وهنا تكمن النقلة النوعية. فالحرب الحديثة لا تعيش على الجبهة وحدها. إنها كائن ضخم يحتاج إلى دم اقتصادي متدفق. الدبابات لا تتحرك بلا وقود، الصواريخ لا تصنع بلا مصانع، والجيوش لا تعيش على الشعارات. وراء كل طلقة ميزانية، ووراء كل عملية عسكرية سلسلة من المصارف والموانئ وشركات التأمين والسفن ومصافي التكرير والأسواق. ولهذا، فإن واشنطن لا تضرب موسكو في وجهها بقدر ما تحاول الإمساك بشرايينها. إن العقوبات، في هذا المعنى، ليست قفلا على باب التجارة، بل محاولة لإعادة هندسة الباب نفسه: من يدخل، ومن يخرج، ومن يدفع، ومن يدفع الثمن.

لطالما افترض الفكر العسكري التقليدي أن الحرب هي صراع على الأرض. أما القرن الحادي والعشرون فقد نقل المعركة إلى فضاء أكثر غموضا: الاقتصاد، التكنولوجيا، البيانات، الطاقة، سلاسل الإمداد، العملات، والتأمين البحري. لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الصواريخ والطائرات. القوة أصبحت أيضا قدرة دولة ما على جعل خصمها يدفع ثمنا باهظا مقابل كل خطوة يقوم بها. ومن هنا تأتي خطورة الرسوم والعقوبات التي تستهدف الطاقة الروسية، وخصوصا حين تمتد إلى الدول التي تشتري النفط والغاز الروسيين. فإذا كان من الصعب إغلاق البئر الروسية، فقد يكون أكثر سهولة محاولة جعل الطريق من البئر إلى المستهلك مليئا بالعقبات. وهذا هو جوهر المنطق الأمريكي الجديد: لا يكفي أن تعاقب المنتج؛ عليك أن ترفع كلفة التعامل معه.

إنّها فلسفة “العقوبة الثانوية” في أكثر صورها صراحة: تحويل السوق العالمية إلى شبكة من إشارات المرور السياسية، حيث يصبح لكل برميل روسي لون، ولكل سفينة هوية سياسية، ولكل دولة مستوردة سؤال جيوسياسي ينبغي أن تجيب عنه. لكن المفارقة الكبرى أن الولايات المتحدة، وهي تحاول استخدام الاقتصاد كسلاح، تدخل في الوقت نفسه إلى منطقة شديدة الحساسية من الاقتصاد العالمي. فالنفط ليس سلعة عادية. إنه أشبه بالماء في صحراء النظام الصناعي. إذا قل عرضه أو اضطرب مساره، فإن أثره لا يتوقف عند حدود الدولة المستهدفة، بل ينتشر مثل موجة زلزالية عبر القارات. ولهذا فإن العقوبات على الطاقة تحمل دائما سيفا ذا حدين. يمكنها أن تخنق الخصم، لكنها قد ترفع أسعار الطاقة أيضا. ويمكنها أن تقلص عائداته، لكنها قد تزيد أرباح منتجين آخرين. وقد تضغط على موسكو، لكنها في الوقت نفسه قد تدفع بكين ونيودلهي وغيرهما إلى البحث عن طرق جديدة للتحايل، أو إلى تسريع بناء منظومات مالية وتجارية أقل اعتمادا على الغرب. وهنا تظهر المفارقة التاريخية. كلما حاولت واشنطن استخدام الدولار والأسواق الغربية كسلاح، دفعت بعض خصومها إلى التفكير في عالم تكون فيه هذه الأسلحة أقل فعالية.

الأكثر دلالة في الحزمة الجديدة هو استهداف ما يعرف بـ”الأسطول الشبح” الروسي. تلك السفن ليست مجرد قطع حديدية تعبر البحار. إنها، في المعنى الجيوسياسي، أشباح النظام القديم وهي تحاول الإفلات من عين النظام الجديد. السفينة هنا تتحول إلى كائن سياسي. تغير علمها، تتبدل ملكيتها، تتنقل بين الموانئ، وتتخذ مسارات ملتوية، كما لو أن الجغرافيا البحرية نفسها أصبحت لعبة شطرنج عملاقة. لكن واشنطن تقول إن اللعبة لم تعد مقبولة. إنها تحاول نقل المعركة إلى البحر، حيث لا تكفي العقوبة على الدولة الروسية نفسها، بل ينبغي ملاحقة الشبكات التي تجعل التجارة ممكنة خارج القواعد الغربية. وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأن العالم يدخل تدريجيا مرحلة يصبح فيها البحر مسرحا مركزيا للصراع الاقتصادي. الممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط زرقاء على الخرائط. إنها شرايين القوة العالمية. من البحر الأسود إلى شرق المتوسط، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن باب المندب إلى المحيط الهندي، تتقاطع التجارة والطاقة والأمن والسياسة. ومن يملك القدرة على مراقبة هذه الممرات أو تعطيلها أو تأمينها يمتلك، ولو جزئيا، القدرة على التأثير في إيقاع الاقتصاد العالمي.

هنا تبدأ المسألة الفلسفية. واشنطن تقول إن العقوبات تهدف إلى إنهاء الحرب لأنها تستهدف مصدر تمويلها. وهذا منطق مفهوم: إذا عجز الخصم عن تمويل الحرب، تقل قدرته على مواصلتها. لكن التاريخ يعلمنا أن العقوبات ليست دائما طريقا قصيرا إلى السلام. فالضغط الاقتصادي قد يجبر دولة على التراجع، وقد يدفعها أيضا إلى التشدد. وقد يفتح باب التفاوض، وقد يغلقه. وقد يجعل الحرب أكثر كلفة، لكنه لا يجعل التسوية السياسية بالضرورة أكثر سهولة. إن العقوبات لا تقتل الحرب مباشرة؛ إنها تحاول تجويعها. والحرب، مثل الوحش الأسطوري، قد تصبح أكثر شراسة عندما تشعر أنها محاصرة. من هنا يجب ألا نقع في الوهم الذي يجعل الأدوات الاقتصادية بديلا كاملا عن الدبلوماسية. القوة تستطيع أن تفتح الباب، لكنها لا تعرف دائما ماذا تفعل داخل الغرفة. والعقوبة تستطيع أن تجعل الحرب مكلفة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تكتب شروط السلام.

تواجه موسكو الآن معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، لا تزال الطاقة تمنحها موردا استراتيجيا هائلا، وتتيح لها إعادة توجيه جزء من تجارتها نحو آسيا. ومن جهة أخرى، كلما توسعت العقوبات الثانوية، ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والتمويل والوساطة، وتحولت التجارة إلى رحلة طويلة داخل متاهة من الوسطاء والموانئ والشركات. وهكذا يصبح النفط الروسي مفارقة اقتصادية: قد يبقى موجودا في باطن الأرض، وقد يجد مشتريا في مكان ما من العالم، لكن السؤال يصبح: بأي كلفة يصل؟ وهذه هي النقطة التي تراهن عليها واشنطن. إنها لا تحاول بالضرورة جعل النفط الروسي يختفي من الأسواق. إنها تريد أن يصبح أقل ربحية، وأكثر تعقيدا، وأكثر كلفة، وأن يتحول جزء أكبر من عائداته إلى نفقات للحفاظ على طرق التجارة نفسها. بعبارة أخرى: تريد واشنطن أن تجعل موسكو تدفع ثمن الطريق، لا ثمن السلعة فقط.

المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أن النظام الدولي لم يعد غرفة مغلقة لها مفتاح واحد. هناك الصين، والهند، وتركيا، ودول الخليج، والقوى الصاعدة في آسيا، وشبكات تجارية تتسع خارج المؤسسات الغربية. وهذا لا يعني أن الغرب فقد قوته. على العكس، لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أدوات مالية وتكنولوجية ومؤسساتية استثنائية. لكن القوة أصبحت موزعة بصورة أكبر. لقد انتقل العالم من عصر يستطيع فيه مركز واحد أن يحدد قواعد اللعبة بسهولة، إلى عصر يتعين فيه على كل قوة أن تتفاوض مع شبكة من القوى الأخرى. وهنا تكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية للعقوبات الأمريكية: ليس فقط في أثرها على روسيا، بل في قدرتها على اختبار حدود النفوذ الأمريكي نفسه. كل عقوبة تصبح تجربة. كل دولة مستوردة تصبح حالة اختبار. كل شركة تبحث عن طريق بديل تصبح جزءا من مختبر كبير لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي. السؤال الذي ببقى عالقا, قارئي الكريم,من يعاقب من؟

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. أمريكا تريد معاقبة روسيا. لكن روسيا ليست وحدها التي تتلقى الرسالة. الصين والهند وتركيا ودول أخرى تقرأ النص نفسه، ولكن كل واحدة تبحث عن جملة تخصها. السؤال لم يعد: ماذا ستفعل روسيا؟ بل: ماذا سيفعل العالم إذا أصبح الوصول إلى الطاقة أو الأسواق مشروطا بالاصطفاف السياسي؟ إن هذا السؤال أكبر من أوكرانيا. إنه يتعلق بمستقبل النظام الاقتصادي العالمي نفسه. فإذا أصبحت العقوبات أداة دائمة لإدارة العلاقات الدولية، فقد تتحول الأسواق إلى ساحات سياسية، وقد يصبح الاقتصاد العالمي أقل تكاملا وأكثر تجزئة. وعندها لا يعود العالم أمام “حرب باردة” بالمعنى القديم، بل أمام شيء أكثر غرابة: حرب باردة بلا جدار، بلا حدود واضحة، وبلا إعلان رسمي. حرب تتنقل في البرمجيات والمصارف والسفن والأنابيب والموانئ. بالنسبة إلى دول الشرق الأوسط، تحمل هذه التطورات دلالات تتجاوز روسيا وأوكرانيا. فالمنطقة تقع عند تقاطع أهم طرق الطاقة والتجارة في العالم. وأي إعادة تشكيل لسوق النفط والغاز العالمية ستصل آثارها إلى الخليج والبحر الأحمر والمحيط الهندي.

ومن هنا، فإن الدول المنتجة للطاقة لن تكون مجرد متفرج على هذه المعركة. ستكون جزءا من معادلتها. وسيتعين عليها أن توازن بين مصالحها الاقتصادية وشبكة علاقاتها السياسية، وبين الحاجة إلى الأسواق الآسيوية والشراكات الغربية. وفي هذا العالم الجديد، تصبح الاستقلالية الاستراتيجية أكثر أهمية من الاصطفاف الكامل. الدولة الذكية ليست التي تختار معسكرها مرة واحدة، بل التي تمتلك القدرة على الحركة بين المعسكرات دون أن تفقد بوصلتها. إن أخطر ما في العقوبات الجديدة ليس الرقم المرتفع للرسوم، ولا أسماء المسؤولين المستهدفين، ولا حتى الأسطول الشبح. الأخطر هو التحول الذي تعكسه. لقد أصبحت الحرب الاقتصادية جزءا دائما من هندسة القوة الدولية. وفي القرن الحادي والعشرين، قد لا يكون السؤال: من يملك أكبر جيش؟ بل: من يستطيع أن يجعل اقتصاد خصمه يعمل وفق إيقاعه؟ ومن يستطيع أن يغلق عليه الموانئ دون أن يغلقها فعليا؟ ومن يستطيع أن يرفع كلفة حربه دون أن يطلق رصاصة واحدة؟

تلك هي الحرب الجديدة: حرب لا ترتدي الزي العسكري. إنها تسير تحت سطح البحار، داخل المصارف، عبر خطوط الأنابيب، بين حاويات الموانئ، وفي خوارزميات الأسواق. وفي هذا العالم، لم يعد النفط مجرد طاقة. لقد أصبح لغة. ولم تعد السفينة مجرد وسيلة نقل. لقد أصبحت موقفا سياسيا عائما. ولم تعد العقوبة مجرد عقوبة. لقد أصبحت محاولة لكتابة قواعد العالم بالحبر الاقتصادي. لكن التاريخ لا يحب القواعد التي تكتبها قوة واحدة. فكلما اشتدت قبضة الإمبراطوريات على مفاتيح النظام، بدأ الآخرون في البحث عن أبواب خلفية. وهكذا قد تنجح واشنطن في خنق جزء من الاقتصاد الروسي، لكنها في الوقت نفسه قد تسرع، من حيث لا تريد، ولادة اقتصاد عالمي أكثر تشتتا، وأكثر حذرا، وأقل خضوعا لمركز واحد. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تكون أقوى العقوبات تلك التي تنجح في تغيير سلوك الخصم، وقد تكون أخطرها تلك التي تنجح في تغيير شكل العالم. والسؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ليس ما إذا كانت روسيا ستصمد أمام العقوبات. بل ما إذا كان النظام الدولي نفسه سيخرج منها كما دخل إليها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *