الطائرات المسيرة كرسائل في سماء الخوف

من درون لايبزيغ إلى حرب العقول… إلى أين تمضي أوروبا؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك لحظات في التاريخ لا يكون فيها الحدث كبيرا بحجم أثره. قد تكون طائرة مسيرة صغيرة، تحلق على ارتفاع منخفض قرب مطار، أكثر خطورة سياسيا من سرب كامل من الطائرات المقاتلة. وقد تكون شائعة مصطنعة عن استقالة رئيس حكومة أخطر من صاروخ، لأنها لا تستهدف مبنى ولا مدرجا، بل تستهدف الشيء الذي تقوم عليه الدولة الحديثة: ثقة المواطن بأن ما يراه ويسمعه حقيقي. وهنا تكمن دلالة ما جرى في ألمانيا. درون محملة بمتفجرات يظهر قرب طائرات أوكرانية في مطار لايبزيغ، ومعلومات مضللة تستهدف المشهد السياسي الألماني، واتهامات تحوم حول شبكات مرتبطة بروسيا، وموسكو ترد بالنفي وتتهم خصومها بصناعة رواية حرب جديدة. قد يبدو الأمر سلسلة من وقائع متفرقة. لكنه، عند النظر إليه من أعلى، يبدو كأنه مشهد واحد من مسرح أكبر. مسرح لا تدور معاركه فقط في سهول دونباس، بل في المطارات، والهواتف، وخوادم الإنترنت، وغرف الأخبار، ومخيلة المواطن الأوروبي. لقد تغيرت طبيعة الحرب. والأوروبيون، ربما للمرة الأولى منذ عقود، يكتشفون أن الحرب يمكن أن تصل إليهم من دون أن تعبر الدبابات الحدود.

الحرب التقليدية كانت واضحة الملامح. جيش يعبر الحدود. مدفعية تقصف. طائرات تحلق. مدن تسقط. أما الحرب الجديدة فهي أكثر خبثا لأنها لا تقدم نفسها دائما بوصفها حربا. قد تكون شائعة. قد تكون عملية تخريب. قد تكون هجوما سيبرانيا. قد تكون طائرة مسيرة مجهولة المصدر. قد تكون صورة مفبركة. وقد تكون مجرد محاولة لخلق شعور دائم بأن الدولة مخترقة، وأن السماء لم تعد آمنة، وأن الحقيقة نفسها أصبحت هدفا عسكريا. وهنا تتجاوز المسألة مفهوم «الحرب الهجينة» بمعناه التقليدي. نحن أمام شيء أعمق. إنها حرب على الإدراك. الهدف ليس فقط أن تتعطل منشأة، بل أن يتغير سلوك المجتمع بسبب الخوف من تعطلها. ليس المطلوب دائما تدمير الدولة. يكفي أحيانا أن تجعل الدولة تنظر خلف كتفها باستمرار. إذا ثبت أن الدرون الذي ظهر في محيط مطار لايبزيغ كان جزءا من عملية تخريبية مرتبطة بجهة أجنبية، فإن أهميته لن تكون في حجم المتفجرات التي حملها، بل في الرسالة الكامنة وراءه. فالطائرة المسيرة الرخيصة تستطيع اليوم أن تدخل المجال الذي كان حتى الأمس حكرا على الجيوش الكبرى. وهذه إحدى مفارقات القرن الحادي والعشرين: كلما تقدمت التكنولوجيا، أصبحت أدوات الحرب أرخص. وكلما أصبحت أرخص، أصبحت الحرب أكثر ديمقراطية من حيث القدرة على الوصول، وأكثر فوضوية من حيث القدرة على ضبط الفاعلين. لم يعد امتلاك قوة جوية يحتاج بالضرورة إلى أسطول من الطائرات المقاتلة.

أحيانا يكفي جهاز صغير، وبرمجية، ومشغل مجهول، وهدف رمزي. إن السماء التي كانت في المخيلة الأوروبية مساحة سيادية محمية بالرادارات والمقاتلات، أصبحت الآن تشبه صفحة زجاجية يمكن لأي حجر صغير أن يختبر صلابتها. هنا ينبغي أن نكون أكثر حذرا من السياسيين الذين يستعجلون تسمية الخصم. هناك اتهامات واشتباهات غربية بضلوع جهات مرتبطة بالدولة الروسية في عمليات تضليل أو تخريب. لكن الاتهام السياسي ليس حكما قضائيا، والاشتباه الاستخباراتي ليس حقيقة تاريخية مكتملة. وهذه نقطة جوهرية. لأن إحدى أخطر نتائج الحرب الحديثة هي أن الشك نفسه أصبح سلاحا. إذا نسبت كل حادثة إلى موسكو، فقد تتحول روسيا إلى شماعة استراتيجية تفسر كل شيء. وإذا نفيت كل اتهام، فقد تصبح الدولة عاجزة عن رؤية نمط حقيقي من العمليات العدائية. وبين الإفراط في الاتهام والإفراط في الإنكار، تتحرك السياسة في ممر ضيق يشبه ممرا جبليا في الليل. خطوة واحدة خاطئة قد تؤدي إلى أزمة أكبر من الحادثة الأصلية. لذلك تحتاج أوروبا إلى شيء أكثر صعوبة من الغضب: تحتاج إلى البرهان. الرد الروسي على الاتهامات الألمانية ليس مجرد نفي دبلوماسي. في الحروب المعاصرة، الرواية نفسها أصبحت ميدانا للقتال. روسيا تقول إن الحديث عن «الهجمات الهجينة» مجرد ذريعة لبناء سيناريو حرب ضدها. الغرب يقول إن روسيا تستخدم أدوات رمادية لزعزعة المجتمعات الأوروبية دون الانزلاق إلى حرب مباشرة. وقد تكون الحقيقة في بعض الحالات أكثر تعقيدا من الروايتين. فالقوى الكبرى لا تتحرك دائما في مساحة الأبيض والأسود. هناك عالم كامل من العمليات غير المنسوبة، والوسطاء، والمجموعات السيبرانية، والوكلاء، والمصادر المفتوحة، والمعلومات المسربة، والعمليات النفسية. وهذا هو العالم الذي يهدد بتحويل السياسة الأوروبية إلى مهنة جديدة: مهنة الشك.

ألمانيا ليست مجرد دولة أوروبية أخرى. إنها العقدة الصناعية والسياسية في قلب القارة. ولذلك فإن أي حادث أمني داخل الأراضي الألمانية يحمل وزنا يتجاوز حدوده الجغرافية. إذا كانت برلين ترى أن أمنها الداخلي يتعرض لاختبارات من خارج الحدود، فإنها ستجد نفسها أمام معادلة صعبة: كيف ترد من دون أن تصعد؟ كيف تردع من دون أن تتورط؟ كيف تحمي بنيتها التحتية دون تحويل المجتمع إلى ثكنة؟ وكيف تشرح للمواطن أن بلاده قد تكون في مواجهة حرب لم تعلنها أي دولة رسميا؟ هذه هي المعضلة الكبرى. فالمادة الخام للحرب لم تعد الحديد والصلب وحدهما. إنها أيضا الأعصاب. والدولة التي تفقد هدوءها قد تمنح خصمها انتصارا دون أن يطلق رصاصة. ما يحدث اليوم في أوروبا يشبه انتقالا بطيئا من عصر الحدود إلى عصر المساحات الرمادية. في الماضي كان السؤال: أين يبدأ الهجوم؟ اليوم السؤال: متى يبدأ الهجوم أصلا؟ هل يبدأ عندما تخترق طائرة مسيرة المجال الجوي؟ أم عندما تتعرض شبكة كهرباء لهجوم سيبراني؟ أم عندما تنتشر أخبار مزيفة عن استقالة مستشار؟ أم عندما تنجح حملة رقمية في دفع ملايين المواطنين إلى الشك في مؤسساتهم؟ إن أوروبا تواجه هنا مشكلة فلسفية قبل أن تكون عسكرية. الدولة الحديثة قامت على افتراض بسيط: يمكنها أن تحدد حدودها، وتحميها، وتعرف من يهاجمها. أما اليوم، فقد أصبح الخصم قادرا على الدخول إلى المجال الوطني من دون دخول جغرافي. قد يبقى خارج الحدود، بينما يكون أثره داخلها. وهذه ثورة استراتيجية.

الدرون يمكن إسقاطه. الخادم يمكن إغلاقه. الحساب يمكن حظره. أما الخوف، فلا رادار يلتقطه. وهنا تكمن أخطر طبقات الحرب الهجينة. إذا نجحت قوة أجنبية في إقناع الأوروبي بأن كل مؤسسة مخترقة، وكل انتخابات معرضة للتلاعب، وكل خبر قد يكون كذبة، وكل طائرة مسيرة قد تحمل متفجرات، فإنها تكون قد أنجزت جزءا من هدفها قبل أن تثبت أي مسؤولية عن أي هجوم. لقد أصبح الشك بنية تحتية. وهذه ربما واحدة من أكثر الظواهر السياسية خطورة في القرن الحالي. الديمقراطية تحتاج إلى الاختلاف، لكنها لا تستطيع البقاء إذا فقد المواطن القدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب. عندما يصبح كل شيء قابلا للتصديق، يصبح كل شيء قابلا للإنكار. وهنا تموت الحقيقة لا لأنها هزمت، بل لأنها أغرقت في بحر من الروايات المتنافسة. في هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى صربيا رمزية خاصة. صربيا ليست مجرد محطة دبلوماسية. إنها دولة تقف تاريخيا في مساحة حساسة بين موسكو وبروكسل، وبين الذاكرة الروسية والرهان الأوروبي. ولهذا فإن وصول الرئيس الأوكراني إلى بلغراد يحمل رسالة تتجاوز اللقاءات الثنائية. إن كييف تقول، بصورة سياسية ناعمة، إن المعركة على النفوذ الأوروبي لم تعد محصورة في الدول التي اصطفت بوضوح خلف أوكرانيا. إنها تتحرك في الهوامش. والهوامش هي التي تحدد أحيانا شكل المركز.

السؤال الحقيقي ليس: هل ستندلع حرب روسية ألمانية؟ السؤال أكثر رعبا من ذلك: هل يمكن أن تدخل أوروبا في حرب طويلة دون أن تسميها حربا؟ حرب تستمر عبر التخريب المحدود، والهجمات السيبرانية، والتضليل، والضغط الاقتصادي، والعمليات الاستخباراتية، والحوادث الجوية والبحرية، والتهديدات غير المنسوبة. حرب لا تحتاج إلى إعلان رسمي لأنها لا تريد أن تمنح خصمها ذريعة الرد الكامل. هذا هو أخطر سيناريو. ليس الحرب الكبرى. بل الحرب الصغيرة الدائمة. تلك التي لا تكفي لإشعال حرب عالمية، لكنها تكفي لإفساد السلام. وفي مثل هذا العالم، يصبح الاستقرار شيئا هشا، كزجاج رقيق فوق ماء عميق. أوروبا الآن أمام خيارين. إما أن تنظر إلى كل حادثة باعتبارها مقدمة لحرب شاملة، فتعيش في حالة تعبئة نفسية دائمة. وإما أن تقلل من شأن الحرب الرمادية، فتترك خصومها يختبرون حدودها مرة بعد مرة. والخيار الأكثر نضجا يقع بينهما: ردع بلا هلع، يقظة بلا بارانويا، وقوة بلا اندفاع. أوروبا لا تحتاج فقط إلى جيوش أقوى. تحتاج إلى أجهزة استخبارات أكثر كفاءة، وبنية تحتية أكثر صلابة، وقدرة أفضل على حماية المجال المعلوماتي، وإلى مؤسسات قادرة على التمييز بين الحادث والنسق، وبين الدليل والاشتباه، وبين الرد الضروري والرد الانفعالي. لأن القوة في عصر الحرب الهجينة ليست القدرة على إطلاق النار فقط. إنها القدرة على معرفة متى لا تطلق النار.

ربما تكون أوكرانيا قد غيرت التاريخ الأوروبي بصورة أعمق مما يبدو. فالحرب لم تعد شيئا يحدث «هناك». لقد بدأت تترك ظلالها هنا. في المطارات. في شبكات الكهرباء. في الهواتف. في صناديق الاقتراع. في غرف الأخبار. وفي الرأس الأوروبي نفسه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تستطيع أوروبا أن تمنع دبابة من عبور حدودها. لكن هل تستطيع منع الخوف من عبور تلك الحدود؟ قد تستطيع إسقاط درون في سماء لايبزيغ. لكن هل تستطيع إسقاط الرواية التي تحملها؟ قد تتمكن من كشف شبكة تضليل. لكن هل تستطيع إعادة الثقة التي سرقتها؟ هذه هي المعركة الحقيقية. إن أوروبا لا تواجه فقط خصما عسكريا محتملا، بل تواجه عصرا جديدا تصبح فيه الحقيقة نفسها جزءا من الأمن القومي. ولذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون فقط على الأرض الأوكرانية. ستكون على معنى الأمن. وعلى قدرة الدولة على التمييز. وعلى صلابة المجتمع أمام الخوف. وعلى قدرة الديمقراطية على أن تظل ديمقراطية، حتى عندما يصبح كل هاتف نافذة محتملة للحرب. في القرن العشرين، كانت الجيوش تحاول احتلال الأرض. في القرن الحادي والعشرين، قد يحاول الخصم احتلال المسافة بين ما حدث فعلا وما يعتقد الناس أنه حدث. وهذه المسافة الصغيرة، التي لا تظهر على أي خريطة، قد تكون أخطر جبهة في أوروبا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *