ما أطول ليل الحرب, ما أطول ليلك يا غزة…

بقلم الكاتبة والباحثة الفلسطينية دنيا الأمل إسماعيل-باريس

بدت الليلة السادسة عشرة من أيام الحرب هادئة جدا، بشكل لافت. غابت أصوات الطائرات الثقيلة المرعبة، على غير عادتها في الأيام السابقة، وبدا كل شيء ساكنا إلى حد الريبة، حتى صرصور الليل لم يتحفنا بصوته الرتيب في هذه الليلة الغريبة. سكون تام غلف الساعات الأخيرة من الليلة السادسة عشرة من الحرب، التي نعيش تفاصيلها المريرة والمرعبة على مدار الدقائق والثواني. نام الجميع، أو استناموا، وعيونهم مغمضة على أمل، وقلوبهم عامرة بالتسبيح، لعل ذلك ينفعهم في ليالي الموت المحيطة بهم، دون أن يفهم أحد منهم ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وإلى متى سيظل يحدث؟ نام الجميع، ولم ينم أحد، وكأن النوم مدخل إلى الموت المحدق من كل نافذة تحيط بهم.

مر بعض الليل مشحونا، كما يحدث دائما، بالخوف والتوتر والقلق من ضربة جوية مباغتة تنقض على الأحلام النائمة فوق وسادات مبعثرة على أرضية المنزل الذي تحول إلى ملجأ غير آمن. ليس هناك ما ينبئ بحدوث قصف إسرائيلي جديد. ليس هناك سوى الصمت المريب، المخيف حقا. إنها الساعة الواحدة إلا ثلاث دقائق. الجميع يضع رأسه على وسادته المصنوعة من أقمشة وملابس مهملة، فيما يجوب عقلي أفكار ليست وردية بالتأكيد. هنا، في هذه الأجواء المشحونة، ما يقتل معنى أن تكون حيا. ومع ذلك، كان لدى الجميع أمل في أن تنتهي هذه الحرب فجأة، بلا انتظار مرير، ولا حسابات مفرطة في معنى الخسارة والمكسب، ودون ألم فاقع أو حزن جديد.

يا ليتها تنتهي، ويا ليتهم يرحمون صبرنا وصمودنا الهش. كل يوم ننتظر أن نصحو على أصوات الناس تجلجل بأن الحرب قد انتهت، هكذا فجأة، كما بدأت، في غفلة من مخططاتنا العقيمة لحياة مفرطة في العادية، ولأحلام مؤجلة طال انتظارها. أعرف أنه أمل بعيد، هكذا بدت مشاعرنا تنفذ ببطء ورتابة فاقعة. إنه أمل، على أية حال، قد ينعش بعض الأوهام الصغيرة في قلوبنا المنهكة، ويشحن طاقتنا الإنسانية وقدرتها على الاستمرار ومواصلة مواجهة الموت المجهول والمعلوم جدا في آن معا. وكم هي آمالنا، نحن الفلسطينيين، طويلة جدا، ولا تتحقق غالبا، لكننا نتمسك بها كما يتمسك صغير بذيل أمه خوفا من الضياع.

كل شيء في الحرب يمكن أن يحدث، ولا يمكن أن يحدث أيضا. تلك هي فانتازيا الحرب التي خبرناها ولم نألفها، رغم تكرارها وتعدد رواياتها وكثرة بيانات الشجب والاستنكار من القريب والغريب. هنا، في غزة الفقيرة اليتيمة، ما زال النوم يجافي عيون الصغار والكبار، وما زالت الأحلام تزور مناماتهم دون إكراه منهم، ودون رغبة عارمة في تغيير العالم. في هذه غزة العجيبة، كأنها كوكب يدور في الأفلاك، فتعطيها من دمها ماء يرقق القلوب ويروي عطش المقهورين في هذا العالم القاسي. غزة العجيبة الغريبة، المحاطة بالموت من كل جانب، ويأتيها القهر من كل فج عميق، لم تزل على عهد الأولين والآخرين ممن لم يخونوا زهرة حنون، صدقت محبتها في عين العاشقين. ما أطول ليل الحرب، ما أطول ليلك يا غزة؟

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *