الماء للحيوان البري في الصيف رحمة… أم فخا؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في موجات الحر الشديد، حين يصبح النهار قطعة معدنية ملتهبة، وحين لا تنخفض حرارة الليل بما يكفي لكي تستعيد الأرض أنفاسها، تبدو البرية كأنها دخلت امتحانا لا يملك أحد فيها ورقة إجابة. الأشجار تصمت، التربة تجف، الحشرات تختبئ، والطيور تبحث عن نقطة ماء كما لو أنها تبحث عن نافذة صغيرة في جدار هائل من النار. وفي هذه اللحظة، يظهر السؤال الذي يبدو بسيطا حتى نقترب منه: هل ينبغي للإنسان أن يضع الماء للحيوانات البرية؟ الجواب نعم، ولكن ليس بأي طريقة. وهنا تبدأ المفارقة. قد يكون كوب الماء الذي نضعه في الحديقة نجاة لطائر صغير، وقد يكون التدخل الخاطئ في حياة حيوان بري سببا في تعريضه للخطر. فمساعدة الطبيعة لا تعني أن نتصرف كما لو كنا مديرين لها. أحيانا يكون أفضل ما نستطيع فعله هو أن نقدم شيئا صغيرا، ثم ننسحب حتى لا نتحول نحن أنفسنا إلى جزء من المشكلة.

تبدو موجات الحر الحالية كأنها مجرد ارتفاع في رقم على مقياس الحرارة، لكنها في الحقيقة اضطراب في منظومة كاملة من العلاقات. حين ترتفع الحرارة، لا يفقد الحيوان الماء فقط، بل تتغير قدرته على البحث عنه. بعض الحيوانات تصبح مضطرة إلى الحركة في ساعات أكثر حرارة، وبعضها يفقد مصادر الغذاء، وبعضها يعاني من ارتفاع حرارة الجسم، وبعض الطيور الصغيرة قد تسقط من أعشاشها بعدما تصبح المساحات تحت الأسقف أشبه بأفران مغلقة. وفي مراكز إنقاذ الحيوانات البرية، يظهر أثر هذه الأزمة على هيئة أجساد صغيرة تصل منهكة وجافة، أو طيور فقدت قدرتها على الطيران، أو حيوانات صغيرة أصيبت بحروق نتيجة الأسطح التي قد تصل حرارتها إلى درجات شديدة الارتفاع. وقد أشارت رابطة حماية الطيور في الألزاس إلى استقبال آلاف الحيوانات خلال الموسم، مع زيادة ملحوظة مقارنة بالعام السابق، في مشهد يكشف أن الحرارة ليست مجرد إزعاج صيفي، بل ضغط بيئي حقيقي. لكن السؤال الأكثر عمقا ليس: هل تحتاج الحيوانات إلى الماء؟

بالطبع تحتاج إليه. السؤال هو: كيف نقدم الماء من دون أن نفسد القواعد التي تسمح للحيوان البري بأن يبقى بريا؟ هذه الجملة الصغيرة تحمل فلسفة كاملة في علاقتنا بالطبيعة. فالطائر البري ليس حيوانا أليفا ينتظر وعاءه كل صباح. والقنفذ ليس حيوان منزل ضل طريقه. والثعلب لا يحتاج إلى أن يتعلم أن بيت الإنسان هو مصدر الماء والغذاء. إن أعظم مساعدة يمكن أن نقدمها للحيوان البري هي أن نخفف عنه أثر الجفاف من دون أن نربطه بنا. وهنا تظهر قاعدة تبدو متناقضة لكنها شديدة الأهمية: ساعد الحيوان، لكن لا تجعله يعتمد عليك. يمكن وضع أوعية ضحلة من الماء في أماكن مناسبة للطيور والحيوانات الصغيرة، مع تغيير الماء بانتظام وتنظيف الوعاء، واختيار أماكن آمنة بعيدة قدر الإمكان عن الطرق والحيوانات المفترسة ومخاطر الغرق. والوعاء الضحل ليس تفصيلا بسيطا. بالنسبة إلى طائر صغير، قد يتحول حوض عميق إلى فخ. أما سطح الماء القريب من الأرض فقد يمنحه فرصة للشرب والاستحمام ثم الطيران.

لكن حتى هنا، ينبغي أن نتذكر أن الماء ليس مجرد مادة نضعها ثم ننسى أمرها. الماء الراكد يمكن أن يصبح بيئة غير صحية، خصوصا عندما ترتفع الحرارة. وقد تتجمع فيه الملوثات أو تنمو فيه الكائنات الدقيقة. لذلك فإن توفير الماء للحيوانات البرية ليس حركة عاطفية فقط، بل مسؤولية تتطلب صيانة مستمرة. وهذا هو الفارق بين الرحمة والاندفاع. الرحمة تقول: هناك كائن عطشان. أما الحكمة فتضيف: كيف أروي عطشه من دون أن أؤذيه؟ ولعل هذا الفرق هو الذي افتقدته البشرية كثيرا في علاقتها بالطبيعة. لقد أحببنا الحيوانات بطريقة جعلتنا أحيانا نتصرف ضد حاجاتها الحقيقية. نطعم الطيور أكثر مما ينبغي، نقترب من صغار الحيوانات، نحاول لمس حيوان بري مصاب، أو نجعل الحياة البرية تعتاد وجودنا حتى يصبح غيابنا مشكلة.

ومن هنا يمكن فهم تلك الصورة القديمة للإنسان الذي يجد كائنا عطشانا فيسقيه. ليست المسألة مجرد صدقة على حيوان، بل اعتراف بأن الحياة، في لحظة العطش، تصبح متساوية بشكل غريب. الإنسان عطشان. والطائر عطشان. والغزال عطشان. وفي مواجهة الماء، تسقط بعض الحدود التي صنعها العقل البشري بين الأنواع. لكن هذا لا يعني أن علينا أن نضع أحواضا ضخمة للحيوانات البرية في كل مكان. هنا تحديدا يجب أن نكون أكثر حذرا. الحيوانات الكبيرة مثل الخنازير البرية والغزلان قد تصبح أكثر قربا من التجمعات البشرية إذا ربطت وجود الماء أو الغذاء بالمنازل والحدائق. وهذا قد يؤدي إلى مشكلات للحيوان وللإنسان معا. الحيوان الذي يتعلم أن البيت مصدر ثابت للموارد قد يفقد جزءا من سلوكه الطبيعي، وقد يدخل الطرق والمناطق السكنية، وقد يتعرض للحوادث أو الصيد أو الاحتكاك بالبشر. ولهذا فإن حماية مصادر المياه الطبيعية، مثل البرك والمجاري المائية والمناطق الرطبة، قد تكون في كثير من الأحيان أكثر حكمة من إنشاء نقاط ماء اصطناعية تجذب الحيوانات الكبيرة إلى أماكن غير مناسبة.

هذه نقطة جوهرية. أفضل مساعدة للحياة البرية ليست دائما إضافة شيء جديد إلى الطبيعة، بل أحيانا منعنا من تدمير الشيء الذي كانت الطبيعة تمتلكه أصلا. حين نحافظ على بركة، نحافظ على نظام كامل. وحين نجففها ثم نضع وعاء ماء في حديقة، نكون قد صنعنا نسخة مصغرة من شيء أكبر بكثير فقدناه. وهنا تظهر مأساة العصر الحديث: نحن نزيل الأنهار الصغيرة، نردم البرك، نغطي التربة بالإسفلت، نقتلع النباتات، نوسع المدن، ثم نتساءل لماذا عطشت الحيوانات. إننا أحيانا نتصرف كمن يكسر النافذة ثم يشتري مروحة للمصاب بالاختناق. في الحقيقة، مساعدة الحيوانات أثناء موجة الحر مهمة، لكنها ليست بديلا عن حماية الموائل. الماء الذي نقدمه اليوم قد ينقذ طائرا. أما استعادة الأراضي الرطبة، وحماية الأشجار، وتوفير الظل، والحفاظ على الممرات البيئية، فهي التي تمنح أجيالا كاملة من الحيوانات فرصة ألا تصل إلى حافة العطش أصلا.

في الأدب العربي القديم، كانت الطيور والحيوانات كثيرا ما تستخدم لتأمل علاقة الفرد بالجماعة، والضعف بالقوة، والرزق بالمكان. وفي الأدب اليوناني، كانت الطبيعة بدورها مرآة لأسئلة الإنسان عن المصير والحدود والتدخل في النظام الكوني. واليوم، أمام موجات الحر، تبدو تلك الأسئلة القديمة أكثر حداثة من أي وقت مضى. ما حدود تدخلنا؟ هل إنقاذ حيوان واحد يبرر تغيير سلوكه؟ هل يجوز أن نجعل البرية تعتمد على مصادرنا؟ وأين تنتهي الرحمة ويبدأ التحكم؟ ربما تكون الإجابة الأكثر نضجا هي أن نساعد بطريقة تجعل الحيوان أقل احتياجا إلينا، لا أكثر بوضع الماء حيث يمكن للحيوانات الصغيرة الوصول إليه جعله ضحلا ونظيفا. تغييره بانتظام. وضعه في الظل قدر الإمكان. تقليل المخاطر المحيطة به. ولا نحاول تحويل حدائقنا إلى حديقة حيوان مصغرة. ربما يكون العطش أحد أكثر الأشياء التي تجعلنا نرى هشاشة الحياة بوضوح. تحت شمس عادية، يبدو العالم صلبا. لكن عندما ترتفع الحرارة إلى أقصى حدودها، نكتشف أن الكائنات كلها تعيش على هامش رفيع بين القدرة والانهيار. قطرة ماء قد تكون صغيرة في يد الإنسان. لكن بالنسبة إلى طائر صغير في يوم حارق، قد تكون الفرق بين الاستمرار والسقوط.

ومع ذلك، فإن الحكمة ليست في أن نملأ العالم بالأوعية. الحكمة أن نعيد إلى العالم قدرته على توفير الماء بنفسه. أن نحمي البرك قبل أن تجف. أن نحفظ الأشجار قبل أن تختفي. أن نترك الظل حيث تحتاج إليه الأجساد الصغيرة. أن نحافظ على الأراضي الرطبة. أن نفهم أن إنقاذ الحياة البرية يبدأ أحيانا من الامتناع عن طردها من المكان الذي وجدت فيه الماء منذ آلاف السنين. وحين نفعل ذلك، تصبح قطرة الماء أكثر من صدقة. تصبح اعترافا. اعترافا بأن هذا الكوكب ليس منزلا لنا وحدنا. وأن البرية، حين تعطش، لا تطلب منا أن نصبح آلهة لها. إنها تطلب فقط ألا نكون السبب في عطشها. وفي زمن أصبحت فيه الحرارة قادرة على تحويل الإسفلت إلى صفيحة نار، ربما يكون أرقى أشكال الرحمة أن نضع إناء ماء صغيرا في الظل، ثم نبتعد قليلا. نترك الطائر يشرب من دون أن يخاف منا. نترك الحياة تعود إلى إيقاعها القديم. وكأننا، للحظة واحدة، فهمنا الحكمة التي عرفتها الصحراء قبل المدن، وعرفها الشعراء قبل المختبرات: أن الماء لا يروي الجسد وحده، بل يرد إلى العالم شيئا من توازنه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *