بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك قوانين تبدو، في اللحظة التي تولد فيها، صغيرة بما يكفي كي تمر من بين أصابع التاريخ. قانون يتعلق بمكالمة هاتفية، بموافقة مسبقة، بجملة قصيرة يقول فيها المستهلك: نعم، يمكنكم الاتصال بي. لكن بعض القوانين لا تقاس بحجم النص الذي كتبته السلطة، بل بطول الظلال التي تلقيها وراء الحدود. منذ 11 من شهر غشت، لم يعد الهاتف في فرنسا بابا مفتوحا لكل من يريد أن يطرقه من جهة مجهولة. صار الباب يحتاج الى إذن. والمفارقة أن اليد التي ستغلق هذا الباب داخل بيت فرنسي قد تمتد آثارها آلاف الكيلومترات، لتلامس مكتبا في الدار البيضاء، أو قاعة اتصال في طنجة، أو موظفا مغربيا كان يبيع صوته للغة الفرنسية ساعة بعد ساعة، كي يحول مكالمة عابرة الى عقد، ورفضا الى محاولة ثانية، وصمتا الى فرصة تجارية.
هنا تبدأ القصة الحقيقية. القضية ليست، في جوهرها، قضية هاتف. إنها قصة اقتصاد كامل بني على فكرة تبدو بسيطة وخطيرة في آن واحد: أن المسافة بين السوق والعامل يمكن اختصارها بالصوت. لقد سمحت العولمة بأن يجلس الزبون في باريس، والموظف في المغرب، والشركة في بلد ثالث، والمنصة الرقمية في سحابة لا مكان لها. اختفت الجغرافيا من شاشة الحاسوب، لكنها لم تختف من أجور البشر. ولهذا فإن أي تعديل في قواعد السوق الفرنسي يمكن أن يتحول، في لحظة، الى ارتجاج في سوق العمل المغربي. بحسب المعطيات الواردة في التقرير، قد تصل الوظائف المهددة الى عشرات الآلاف. الرقم، إذا صح، ليس مجرد إحصائية اقتصادية. وراء كل رقم كرسي، وبيت، وقرض، وطفل ينتظر آخر الشهر، وشاب تعلم الفرنسية لا ليقرأ رواية، بل ليجد نافذة الى المستقبل.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: القانون الذي يريد حماية المستهلك من اقتحام الهاتف، قد يجد نفسه، بصورة غير مباشرة، أمام سؤال آخر تماما: من يحمي العامل من ارتدادات حماية المستهلك؟ إنها ليست معركة بين الخير والشر. وهذه هي النقطة التي كثيرا ما تضيع عندما تتحول القضايا الاقتصادية الى شعارات. من حق الإنسان أن يملك وقته، وأن لا يصبح هاتفه فخا معلقا في جيبه. ومن حق الشركات أن تعرف جمهورها، وأن تسوق منتجاتها. ومن حق العامل المغربي أن يعرف أن دخله لن يختفي فجأة لأن تشريعا صدر في عاصمة تقع على الضفة الأخرى من المتوسط. لكن الاقتصاد الحديث لا يعمل كساعة سويسرية لها تروس منفصلة. إنه أقرب الى كائن هائل تحت جلده شبكة من الأعصاب. إذا ضغطت على إصبع في باريس، قد ترتجف عضلة في المغرب. وهذا هو الدرس الأعمق في الحكاية. لقد اعتدنا أن نفكر في السيادة السياسية باعتبارها شيئا مرتبطا بالحدود والجيوش والبرلمانات. لكن القرن الحادي والعشرين اخترع نوعا آخر من السيادة: سيادة القواعد. دولة ما تستطيع أن تصدر قانونا لحماية مواطنيها داخل حدودها، ثم تكتشف أن القانون نفسه يعيد ترتيب حياة أشخاص خارج تلك الحدود. القانون الفرنسي هنا لا يحتاج الى عبور البحر. يكفي أن تنتقل قواعد السوق عبر الشركات والعقود، لكي يصبح التشريع الفرنسي نوعا من المد والجزر الاقتصادي الذي يصل الى الشاطئ المغربي من دون أن يطلب جواز سفر.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في قانون واحد. الخطر في أن قطاع مراكز الاتصال اكتشف فجأة أن الأرض التي يقف عليها ليست صلبة كما كان يظن. فإذا كانت الشركات المغربية تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الفرنسية، فإن الاعتماد يتحول في أوقات الأزمات من ميزة تنافسية الى نقطة ضعف استراتيجية. وهنا تصبح الأرقام أشبه بمرايا مشروخة. إذا كانت الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل الجزء الأكبر من القطاع، وإذا كان جزء ضخم من مداخيلها مرتبطا بالسوق الفرنسية، فإن المشكلة ليست فقط احتمال تسريح العمال. المشكلة هي هشاشة نموذج اقتصادي بأكمله. اقتصاد يربط مصيره بسوق واحدة يشبه سفينة ضخمة مربوطة بحبل واحد. قد يكون الحبل قويا طوال سنوات، لكن لا أحد يعرف ما إذا كان سيصمد أمام أول عاصفة.

والعاصفة الجديدة ليست فرنسا وحدها. إنها الذكاء الاصطناعي. هنا تصبح القصة أكثر قسوة، لأن التكنولوجيا لا تأتي هذه المرة كآلة ضخمة تدخل المصنع وتزيح عشرات العمال دفعة واحدة. إنها تأتي بصوت ناعم. صوت يشبه صوت الموظف. تجيب، وتشرح، وتعتذر، وتقترح، وتبيع، وتتعلم من الأخطاء. إنها لا تطرق باب العامل، بل تجلس في مكانه. وهذا تحد تاريخي لاقتصادات كاملة بنت جزءا من قدرتها التنافسية على وفرة اليد العاملة، وعلى المهارات اللغوية، وعلى فارق التكلفة. فالذكاء الاصطناعي لا يسأل: هل أنت في المغرب أم فرنسا؟ يسأل سؤالا أكثر برودة: هل يمكنني أن أؤدي هذه المهمة بصورة أسرع وأرخص وأكثر انتظاما؟ وعندما يصل الاقتصاد الى هذه المرحلة، يصبح الرهان على انخفاض تكلفة اليد العاملة وحده رهان الأمس.
المغرب، مثل دول كثيرة جعلت من خدمات التعهيد ومراكز الاتصال جسرا الى الاقتصاد العالمي، يقف أمام لحظة اختبار. هل يبقى مجرد غرفة خلفية للسوق الأوروبية، أم يتحول الى مركز يقدم خدمات أكثر تعقيدا، تحتاج الى معرفة، وتحليل، وإبداع، وحل مشكلات، ولا يمكن اختزالها بسهولة في نصوص جاهزة وسماعات؟ هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغل صناع القرار أكثر من سؤال عدد الوظائف التي قد تضيع غدا. فالوظيفة التي لا تتغير تموت أحيانا قبل أن تختفي. أما العامل الذي يتغير معها، فقد ينجو. لذلك فإن التنويع الذي تتحدث عنه الحكومة المغربية لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال من عميل فرنسي الى عميل أجنبي آخر. التنويع الحقيقي هو الانتقال من اقتصاد يبيع الوقت الى اقتصاد يبيع المعرفة. من بيع المكالمة الى بيع الحل. من بيع الصوت الى بيع التفكير. من تنفيذ التعليمات الى المشاركة في صياغتها. هناك، بالضبط، يمكن أن يتحول الخطر الى فرصة.
فالمفارقة أن التكنولوجيا التي تهدد مراكز الاتصال قد تكون نفسها الأداة التي تمنحها حياة جديدة. إذا استخدمت الشركات الذكاء الاصطناعي لكي تلغي العامل، فستدخل سباقا لن يكون فيه العامل المغربي وحده الخاسر. أما إذا استخدمته لكي يرفع قدرات العامل، فيمكن أن يتحول الموظف من مجرد صوت يقرأ نصا الى خبير يتعامل مع حالات معقدة، وعميل صعب، وقرار يحتاج الى فهم لا الى ترديد. وهنا نصل الى المعنى الفلسفي للقصة. التكنولوجيا لا تقتل الوظائف بقدر ما تقتل أشكال العمل التي فقدت قدرتها على تبرير وجودها. والقانون لا يدمر الأسواق بقدر ما يكشف نقاط ضعفها. أما الأزمة فلا تصنع دائما الخطر؛ أحيانا ترفع الستار عنه فقط. لهذا فإن ما يحدث في مراكز الاتصال المغربية ليس خبرا عابرا عن قانون فرنسي. إنه مشهد صغير من مسرح أكبر بكثير: عالم تتراجع فيه قيمة القرب الجغرافي، وتزداد فيه قوة القواعد، وتصبح فيه الخوارزميات لاعبا في سوق العمل، ويكتشف فيه العامل، ربما للمرة الأولى بوضوح مؤلم، أن مستقبله قد يتقرر في مكان لم يزره قط، وعلى مكتب شخص لا يعرف اسمه.
الهاتف الذي كان يوما رمزا للتواصل صار هنا رمزا لشيء آخر: الترابط الهائل بين مصائر البشر. قد يغلق المستهلك الفرنسي المكالمة في وجه موظف مغربي. لكن القصة لا تنتهي عند كلمة “لا”. لأن وراء تلك الكلمة اقتصادا، ووراء الاقتصاد سياسة، ووراء السياسة تكنولوجيا، ووراء التكنولوجيا سؤال قديم قدم العمل نفسه: ماذا يبقى للإنسان حين تصبح الآلة قادرة على أداء المهمة التي كان يعتقد أنها سبب وجوده؟ ربما تكون الإجابة في مكان أكثر عمقا من الهاتف نفسه. المستقبل لن يكون لمن يملك أرخص صوت، بل لمن يملك أفضل عقل. وهذه، في النهاية، ليست مشكلة مراكز الاتصال المغربية وحدها. إنها نبوءة صغيرة عن عالم كامل يستيقظ كل صباح ليكتشف أن بعض الوظائف لا تختفي لأن الإنسان لم يعد ضروريا، بل لأن تعريف الضرورة نفسه قد تغير.
📲 Partager sur WhatsApp

التقنية آخذة في التهام شيءية الإنسان كما التهمت شيءية الأشياء.
وهذا ليس غريبا، الغريب في الأمر هو قيمة الاتفاقيات التي تعتبر نفسها، وهما، أنها للتعاون، وأنها لتساعد الصديق على الصعود.
روح القوانين هي هاته، استعمال القوة الناعمة لخلق الصدى. ما يؤكد أن السياسة لا تعمل لمفهوم الصداقة، هذه ايديولوجيا الميكروفون أن، السياسة مصالح توضع على رقعة شطرنج….