بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أطعمة لا تدخل بيوتنا كضيوف، بل كأفراد من العائلة. الخبز واحد منها. والبصل واحد منها. والطماطم كانت كذلك. والبطاطس، تلك الكرة الترابية المتواضعة التي لا تتزين ولا تتعطر ولا تدعي النسب، كانت دائما آخر ما تبقى على مائدة الفقير حين تتساقط الأسعار فوق رأسه مثل حجارة صغيرة. لكن يبدو ان حتى البطاطس قررت هذه المرة ان تغادر صف الفقراء. ففي فرنسا، تحذر منظمة منتجي البطاطس من واحدة من اقسى صدمات الإنتاج، بعد موجات متتالية من الحر وعجز مائي استثنائي، مع توقع انخفاض الإنتاج بنحو 23 في المئة خلال عام واحد. وهكذا لم تعد الأزمة تسكن رفوف المتاجر وحدها. لقد وصلت إلى القدر. إلى المقلاة. إلى طبق الفقراء. إلى ذلك السؤال القديم الذي كنا نضحك منه حين كانت الأسواق أكثر رحمة: «واش بقات شي حاجة ما غلاتش؟» حتى البطاطس؟
نعم. حتى البطاطس. كانت هناك مرحلة في اقتصاد الفقر المغربي يمكن اختصارها في جملة صغيرة تشبه قائمة طعام مختصرة: «مطيشة والبصلة». ثم دخلت البطاطس على الخط، لا كخضرة، بل كنوع من الاقتصاد المنزلي السري الذي لم تكتبه كتب المالية العامة. بطاطس مقلية. بطاطس مسلوقة. بطاطس في المرق. بطاطس مع البيض. بطاطس مطهوة على مهل. بطاطس تنقذ عشاء أسرة حين لا يبقى في الجيب سوى ما يكفي لشراء شيء لا يسأل عن طبقته الاجتماعية. كانت البطاطس أكثر من محصول. كانت نوعا من التأمين الاجتماعي غير المكتوب. حين يضيق الراتب، تتسع البطاطس. حين ترتفع أسعار اللحم، تنزل البطاطس إلى الملعب. حين تضيق الحياة، تتمدد وصفاتها. كانت تستطيع ان تتنكر في عشرات الأطباق حتى لا يكتشف الأطفال أن مائدة البيت دخلت مرحلة التقشف. لكن ماذا يحدث حين يصل الغلاء إلى ذلك الطعام الذي كان يعوض غلاء الأغذية الأخرى؟
هنا لا تعود المسألة مسألة بطاطس. هنا يصبح السؤال اقتصاديا واجتماعيا وفلسفيا: ماذا يبقى للفقير حين تبدأ حتى الأغذية التي كانت تحميه من الغلاء في التخلي عنه؟ ربما يبدو العنوان بسيطا: الجفاف يضرب البطاطس. لكن خلف هذه الجملة القصيرة منظومة كاملة من الاقتصاد العالمي. المناخ تغير. والماء أصبح اكثر ندرة. وموجات الحر أصبحت اكثر قسوة. والزراعة التي كانت تتفاوض مع الفصول، صارت تتفاوض مع مناخ لم يعد يحترم المواعيد القديمة. الفلاح لا يستطيع أن يأمر السماء بالمطر. ولا يستطيع أن يفاوض الشمس على درجة حرارتها. ولا يستطيع أن يكتب للحقل رسالة يقول فيها: «اصمد قليلا، فالسوق لا يحتمل». النبتة لا تقرأ بيانات التضخم. والتربة لا تعرف الحد الأدنى للأجور. لكن حين تعجز الأرض عن إنتاج ما يكفي، تبدأ السوق في ترجمة عطشها الى أرقام.
وهنا تقع المفارقة الكبرى: المناخ يضرب المحصول، لكن الفاتورة تصل إلى المستهلك. والسؤال الاجتماعي الأكثر قسوة هو: من يدفع الفاتورة الأخيرة دائما؟ الغني يستطيع أن يغير القائمة. إذا ارتفع سعر البطاطس، اشترى الأرز. إذا ارتفع الأرز، اشترى المكرونة. إذا ارتفعت الخضروات، بحث عن بدائل أخرى. أما الفقير، فخياراته ليست قائمة طعام. إنها خريطة نجاح. كلّما ارتفع سعر مادة أساسية، تقلصت مساحة المناورة. وحين يصبح كل شيء غاليا، لا يختار الفقير الطعام الذي يريده. يختار الطعام الذي يستطيع دفع ثمنه. ثم يأتي يوم يصبح فيه حتى ذلك الطعام غاليا. وهنا تتحول السوق إلى غرفة ذات جدران تتحرك ببطء. كلّما حاول الفقير أن يتراجع خطوة، وجد السعر أمامه.
كانت عبارة «لا غلاء على مسكين» تحمل شيئا من فلسفة السوق القديمة. حتى لو غلي اللحم، يبقى البصل. حتى لو ارتفعت الطماطم، توجد البطاطس. حتى لو صار الزيت غاليا، هناك من يستطيع أن يطهو بالماء والملح. كان للفقر سلم ينزل به الإنسان درجة درجة. اليوم يبدو أن السلم نفسه يتآكل. وهذا هو الخطر الحقيقي. ليس أن ترتفع سلعة واحدة. بل أن تتزامن الأزمات: الماء. الطاقة. النقل. الأسمدة. الحروب. المناخ. الأسواق العالمية. ثم تجتمع كلّها في مكان واحد: في كيس المشتري. هناك، في تلك اليد التي تضع القطع النقدية على طاولة البائع، تتحول الجغرافيا السياسية والمناخ والاقتصاد العالمي إلى سؤال بسيط: «شحال ولات البطاطا؟»
يا لبساطة السؤال. ويا لفداحة ما يقف خلفه. والخطأ أن ننظر الى البطاطس كسلعة منفردة. البطاطس عقدة اقتصادية صغيرة. تحتاج إلى الماء. والبذور. والأسمدة. والطاقة. والجرارات. والعمال. والتخزين. والنقل. والتبريد. والتوزيع. ثم تأتي السوق. كل حلقة من هذه السلسلة يمكن أن تضيف شيئا إلى السعر. ولهذا فإن أزمة المناخ لا تتوقف عند الحقل. إنها تسافر من الحقل إلى المخزن. ومن المخزن إلى الشاحنة. ومن الشاحنة إلى السوق. ومن السوق إلى المطبخ. ثم تجلس معنا إلى مائدة العشاء. هذه هي الطريقة الغريبة التي يعمل بها الاقتصاد الحديث: المطر الذي لم ينزل في مكان ما قد يظهر غدا في فاتورة شخص لا يعرف حتى اسم ذلك المكان.
كنا نتعامل مع الطبيعة باعتبارها خلفية للمشهد. الأرض تحتنا. والسماء فوقنا. والفصول تتعاقب. لكن المناخ اليوم دخل إلى الاقتصاد من الباب الكبير. لم يعد المناخ مسألة بيئية فقط. صار مسألة أسعار. وميزانيات. وتجارة. وهجرة. وأمن غذائي. واستقرار اجتماعي. وهنا تصبح البطاطس، في بساطتها، كأنها رسول صغير يحمل خبرا كبيرا: العصر الذي كانت فيه الزراعة تنتظر المطر وحده ينتهي. الزراعة الحديثة تحتاج إلى سياسة ماء. وإلى تكنولوجيا. وإلى أصناف مقاومة. وإلى تخزين ذكي. وإلى تأمين فلاحي. وإلى سلاسل توزيع اقل هشاشة. وإلى دولة تعرف أنّ الأمن الغذائي ليس شعارا يرفع في المناسبات، بل قدرة يومية على أن يجد المواطن طعامه بسعر يمكنه تحمله.
وهنا ينبغي أن نكون عادلين. لا يجوز ان نطلب من الفلاح أن يتحمل وحده تكلفة المناخ. إذا انخفض المحصول، يخسر الفلاح. وإذا ارتفع السعر، يغضب المستهلك. وبينهما يقف نظام كامل من الوسطاء والتكاليف والنقل والتخزين والتوزيع. ثم يبحث الجميع عن متهم واحد. الفلاح. وهذا غير عادل. الفلاح لا يملك الشمس. ولا يملك المطر. ولا يتحكم في الحرارة. ولا يستطيع أن يكتب في دفتره: «غدا سأطلب من السحابة ان تمطر فوق الحقل». لكن الفلاح يحتاج أيضا إلى سياسة تحميه من الانهيار. لأن حماية المستهلك لا تعني سحق المنتج. والسعر المنخفض جدا قد يكون جميلا في عين المستهلك اليوم، لكنه قد يعني غدا إن الفلاح لم يعد قادرا على الزراعة. وهنا نصل الى المعادلة الصعبة: نريد غذاء رخيصا للمستهلك، ودخلا عادلا للفلاح، وسلسلة توزيع لا تبتلع القيمة بين الإثنين.
وهذه ليست مهمة السوق وحده. إنها مهمة سياسة عمومية. ومن هنا يأتي السؤال الحقيقي: من يحمي طبق الفقير حين يصبح الفقر نفسه أغلى؟ ليس السؤال فقط: كيف نجعل البطاطس رخيصة؟ بل: كيف نحمي القدرة الشرائية للفئات التي لا تملك بدائل؟ الفرق بين السؤالين هائل. لأن خفض سعر سلعة مؤقتا قد يحل المشكلة أسبوعا. أما حماية القدرة الشرائية فتحتاج إلى سياسات أعمق: دخل. تشغيل. نقل. دعم موجه. تخفيض هدر الغذاء. تخزين استراتيجي. تحديث الزراعة. حماية الموارد المائية. وتنظيم أكثر عدلا للسلسلة الغذائية. لأن المواطن لا يعيش من سعر البطاطس وحده. يعيش من الفرق بين ما يدخل جيبه وما يخرج منه. وهذا الفرق هو الاقتصاد الحقيقي.
وفي المغرب تصبح المسألة أكثر حساسية بسبب الماء. الماء لم يعد مجرد مورد طبيعي. إنه أصل استراتيجي. كل قطرة ماء تذهب إلى الزراعة تحمل معها سؤالا اقتصاديا: ماذا نزرع؟ أين نزرع؟ كيف نزرع؟ وبأي مردودية مائية؟ وما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية؟ نحن أمام مرحلة لا يمكن فيها أن نستمر في التفكير في الزراعة فقط بمنطق: «ماذا يمكن أن نزرع؟» بل ينبغي أن نسأل: «ماذا يمكن أن نزرع بشكل مستدام؟» وهذا فرق بين اقتصاد زراعي يعيش على الأمل، واقتصاد زراعي يخطط للمستقبل. وأخطر ما يمكن أن يحدث في مجتمع ما أن يتحول الفقر إلى نظام غذائي. أن يصبح الفقير مضطرا إلى حذف البروتين. ثم الفاكهة. ثم بعض الخضروات. ثم الكميات. ثم التنوع. حتى يصبح الطبق رخيصا، لكنه فقير غذائيا. هنا لا يعود الغلاء مجرد مشكلة اقتصادية. يصبح مشكلة صحية. واجتماعية. وتربوية. فالطفل الذي ينشأ على غذاء ناقص لا يدفع الثمن في السوق فقط. قد يدفعه لاحقا في صحته وقدرته على التعلم ونموه.
وهكذا يمكن لارتفاع سعر البطاطس أن يبدأ في حقل فرنسي، لكنّه يذكرنا في المغرب بملف أكبر: الأمن الغذائي لا يعني فقط أن تكون هناك مواد غذائية في السوق، بل أن يستطيع الناس شراء غذاء لائق. وربما لهذا تبدو البطاطس اليوم أكثر حكمة من بعض الاقتصاديين. كانت دائما تعرف أن الاقتصاد يبدأ من المعدة. يمكن أن نتحدث عن النمو. والناتج الداخلي. والاستثمار. والأسواق. والتضخم. لكن كل هذه الكلمات تفقد شيئا من معناها حين تقف امرأة أمام بائع الخضر وتعيد في رأسها حساب ما تبقى في محفظتها. الاقتصاد الحقيقي لا يعيش فقط في مكاتب الإحصاء. إنه يعيش في المطبخ. في الثلاجة. في حقيبة السوق. في يد الأم التي تحاول أن تجعل وجبة بسيطة تكفي خمسة أشخاص. هناك، في ذلك المطبخ المتواضع، توجد وزارة مالية صغيرة. وزيرة ماليتها أم. وميزانيتها محدودة. ووزارتها لا تقبل العجز. ولا ينبغي ان نقول إن الطبيعة «تغضب من الفقراء». الطبيعة لا تعرف الفقير من الغني. لكن الاقتصاد يعرف.
المناخ يضرب الجميع، بينما القدرة على امتصاص الضربة ليست متساوية. من يملك المال يشتري التأمين. ويبني المخزون. ويغير عاداته. ويشتري البديل. أما من يعيش على الحافة، فإن صدمة صغيرة قد تكفي لدفعه خطوة أخرى نحو الهشاشة. وهذه ربما هي أكبر حقيقة اقتصادية في عصر المناخ: المناخ واحد، لكن ثمن المناخ ليس واحدا على الجميع. وهنا ينبغي أن نقلق من الغد. إذا كان الجفاف قد ضرب البطاطس اليوم، فما الذي سيضربه غدا؟ الزيت؟ الحبوب؟ الفواكه؟ الخضروات؟ وماذا يحدث اذا اجتمعت عدة صدمات في الوقت نفسه؟ هنا يجب أن ننتقل من سياسة رد الفعل الى سياسة الاستباق. نحتاج إلى زراعة اكثر ذكاء. أصناف أكثر مقاومة. استعمال أكثر كفاءة للماء. تخزين أفضل. تقليص الهدر تحديث شبكات التوزيع. تقوية التعاونيات. دعم الفلاح الصغير. تطوير التأمين الزراعي. واستعمال البيانات والتكنولوجيا للتنبؤ بالمحاصيل والطقس والطلب. لأن المستقبل لن يكافئ الدول التي تنتظر الأزمة ثم تبحث عن حل. سيكافئ الدول التي ترى الأزمة قبل أن تصل إلى السوق.
ربّما كانت البطاطس مجرد جرس صغير. بطاطس واحدة لا تستطيع أن تشرح الاقتصاد العالمي. لكنّها تستطيع أن تدق جرسا. جرس يقول لنا: الماء قضية اقتصادية. المناخ قضية اجتماعية. الغذاء قضية سياسية. والفقر ليس رقما في تقرير. والأسعار ليست أرقاما على شاشة. كل رقم له وجه. وكل زيادة لها بيت. وكل موسم سيئ له فلاح. وكل طبق ناقص له طفل. ولهذا، حين ترتفع البطاطس، لا ينبغي أن نضحك ونقول: «حتى هي؟» بل ينبغي أن نسأل: إلى أي حد يمكن أن يتحمل الناس؟ لأنّ أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن تصبح البطاطس غالية. أخطر ما يمكن أن يحدث أن يصبح الرخيص نفسه حلما. وحين يصل المجتمع إلى هذه النقطة، لا يعود السؤال: «ماذا سنطبخ اليوم؟» بل يصبح: «ماذا بقي لنا كي نطبخ؟» وهنا فقط نفهم أنّ البطاطس لم تكن يوما مجرد بطاطس. كانت، في صمتها الترابي، واحدة من آخر اللآلئ التي خبأها الاقتصاد للفقراء. وإذا بدأت هذه اللؤلؤة نفسها في الاختفاء من موائدهم، فعلينا ألاّ نلوم البطاطس. علينا أن نعيد النظر في الطريقة التي نزرع بها، ونوزع بها، ونحمي بها الماء، ونبني بها اقتصادنا، ونحمي بها الإنسان. وإلاّ فإنّ المجتمع لن يعاني فقط من الغلاء.بل سيعاني من خلل في معنى العدالة نفسها.
📲 Partager sur WhatsApp
غلاء البصل والبطاطس، واحد الشعوب في هذا الزمن الرديء.