بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست الحرب في أوكرانيا اليوم مجرد حرب على الأرض، ولا مجرد مبارزة بين مدفعين على خط جبهة طويل. لقد تحولت، بعد أكثر من أربع سنوات من النار، إلى حرب على السماء نفسها؛ حرب تريد فيها موسكو أن تجعل من الليل غرفة عمليات مفتوحة، ومن المدن خرائط قابلة للمحو، ومن صفارات الإنذار موسيقى يومية لقلق الشعوب. في هذا المشهد المشبع بالدخان، يخرج إيمانويل ماكرون ليعلن إرسال صواريخ اعتراضية جديدة إلى أوكرانيا، بعد الضربة الروسية الدامية التي حولت مركزا تجاريا في كريفي ريه، مسقط رأس فولوديمير زيلينسكي، إلى شاهد أسود على حرب لم تعد تكتفي باختبار الجبهات، بل تختبر قدرة العالم على احتمال صور الموت من دون أن يفقد عقله. لكن المسألة، في جوهرها، ليست عدد الصواريخ التي ستصل إلى كييف. المسألة هي: ماذا يعني أن تصبح السماء الأوكرانية جزءا من الأمن الاستراتيجي الأوروبي؟
هنا تكمن الحكاية التي تتجاوز الصاروخ نفسه. فالصاروخ الاعتراضي لا يغير خطوط الجبهة وحدها؛ إنه يغير معادلة الخوف. إنه لا يهاجم مدينة روسية، ولا يحتل تلة، ولا يعبر نهرا. إنه يفعل شيئا أكثر تعقيدا: يقول للطرف المهاجم إن السماء التي اعتقد أنها مفتوحة ليست مفتوحة تماما، وإن الصاروخ الذي ينطلق من منصة ما قد يجد في منتصف الطريق صاروخا آخر ينتظره، كأن السماء نفسها بدأت تضع حواجز أمام الموت. وهنا تتحول الدفاعات الجوية إلى لغة سياسية. كل صاروخ اعتراضي هو، في جانب منه، قطعة من الهندسة العسكرية، لكنه في جانب آخر قطعة من هندسة الردع. وكل بطارية دفاع جوي تصل إلى أوكرانيا هي رسالة موجهة في آن واحد إلى موسكو وكييف والعواصم الأوروبية وواشنطن: الحرب لم تعد شأنا شرقيا محصورا بين دولتين، بل صارت امتحانا لمنظومة الأمن التي نشأت في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، ثم تصدعت جدرانها تحت وقع الصواريخ والطائرات المسيرة.
لقد تغيرت طبيعة الحرب. في الحروب القديمة كان الجيش يبحث عن اختراق الأرض. أما في حرب القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح الاختراق الحقيقي هو اختراق السماء. من يسيطر على السماء يملك قدرة أكبر على فرض إيقاع الحرب، ومن يستطيع منع خصمه من السيطرة عليها يستطيع، ولو مؤقتا، أن يمنع الحرب من التحول إلى آلة سحق كاملة. ولهذا تبدو أزمة الصواريخ الاعتراضية أخطر مما يوحي به المصطلح العسكري البارد. أوكرانيا لا تعاني فقط من نقص في السلاح؛ إنها تعاني من نقص في الزمن. كل دقيقة لا تملك فيها اعتراضا كافيا هي دقيقة يمكن أن تتحول إلى بيت مدمر، أو مستشفى مضروب، أو عائلة تنتظر خبرا لا يأتي. وتزداد المشكلة تعقيدا مع كثافة الهجمات وتنوعها، خصوصا مع استخدام روسيا مزيجا من المسيرات والصواريخ، بينها صواريخ باليستية تتطلب قدرات اعتراض متقدمة.
لقد دخلت الحرب مرحلة تستطيع فيها الطائرة المسيرة الرخيصة أن ترهق منظومة دفاعية باهظة الثمن، بينما يمكن لصاروخ باليستي واحد أن يفرض على دولة بأكملها أن تعيد حساباتها في ثوان. إنها حرب تجعل الاقتصاد والرياضيات والاستراتيجية تجلس حول الطاولة نفسها. كم تكلف المسيرة؟ كم يكلف اعتراضها؟ كم عدد الصواريخ التي يمكن إنتاجها؟ كم عدد الصواريخ التي يمكن إطلاقها؟ وكم عدد الليالي التي تستطيع أوروبا أن تمول فيها دفاع دولة تخوض، عمليا، حربا دفاعية عن نفسها وعن جزء من المجال الاستراتيجي الأوروبي؟ لهذا فإن إعلان ماكرون لا ينبغي أن يقرأ كخبر عسكري . إنه إشارة إلى أن فرنسا تريد أن تكون داخل المعادلة، لا على هامشها. وقد أكد ماكرون أن دعمه يندرج ضمن مسار الائتلاف الأوروبي الخاص بالدفاع المضاد للصواريخ الباليستية، في وقت تحتاج فيه أوكرانيا إلى مزيد من منظومات الاعتراض، بما فيها المنظومات القادرة على مواجهة التهديدات الأكثر تطورا.
وهذا التطور يكشف شيئا أعمق من مجرد التضامن مع كييف. أوروبا بدأت تدرك، ببطء مؤلم، أن أمنها لم يعد يمكن استيراده بالكامل. لقد عاشت القارة طويلا تحت مظلة أمنية جعلتها تتعامل مع الحرب بوصفها شيئا يحدث في مكان آخر، ومع الجيوش بوصفها مؤسسات ينبغي أن تكون موجودة من دون أن تكون حاضرة بقوة في الوعي العام. ثم جاءت أوكرانيا لتعيد الحرب إلى قلب الوعي الأوروبي. وفجأة صار السؤال الذي كان يبدو قديما يعود بكل ثقله: هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها؟ السؤال ليس تقنيا. إنه سؤال فلسفي. لأن الدولة التي لا تستطيع حماية سمائها تصبح، في لحظة ما، دولة تنتظر قرار الآخرين بشأن مصيرها. وهذا هو جوهر المعضلة. ماكرون لا يرسل فقط صواريخ. إنه يرسل، بمعنى سياسي، جزءا من الجواب الفرنسي عن سؤال السيادة الأوروبية. لكن الجواب لا يزال ناقصا. فالقوة العسكرية ليست صندوقا يفتح حين تبدأ الحرب. إنها مصنع طويل من الصناعة والبحث والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموارد البشرية والقرار السياسي.
ولهذا، فإن أوروبا إذا أرادت تحويل الحرب الأوكرانية إلى درس استراتيجي، فعليها أن تنتقل من سياسة الاستجابة إلى سياسة الاستعداد؛ من انتظار سقوط الصاروخ إلى بناء القدرة على منعه قبل أن يصبح خبرا عاجلا. وهنا يطل شبح آخر: الولايات المتحدة. فالحاجة الأوكرانية إلى منظومات أمريكية متقدمة تكشف مرة أخرى مدى اعتماد الأمن الأوروبي على قدرات أمريكية لا تستطيع القارة الأوروبية تعويضها بسرعة. وبذلك تبدو الحرب الأوكرانية كمرآة ضخمة، كلما اقتربت منها أوروبا رأت فيها صورتها المستقبلية. إذا كانت القارة تريد استقلالا استراتيجيا حقيقيا، فعليها أن تنتج أدواته. لا يكفي أن تمتلك أوروبا لغة سياسية مستقلة إذا كانت عاجزة عن حماية المجال الذي تتحدث باسمه. ولا يكفي أن ترفع راية السلام إذا كانت لا تملك القدرة على ردع من يعتقد أن الحرب أكثر ربحا من السلام. فالسلام، في السياسة الدولية، ليس دائما ابنا بريئا للنية الحسنة. أحيانا يكون ابن القوة المنضبطة. وأحيانا أخرى يكون ثمرة خوف الطرف الآخر من ثمن الحرب. وهنا يجب أن نفهم المفارقة الكبرى في إرسال صواريخ الاعتراض: قد يكون السلاح الذي يصل إلى أوكرانيا جزءا من الطريق إلى السلام، لا لأنه يقرب الحرب من نهايتها مباشرة، بل لأنه قد يرفع ثمن الاستمرار فيها. هذه هي اللغة القاسية للاستراتيجية.
لكن خلف كل هذه الحسابات توجد حقيقة لا تستطيع الخرائط العسكرية إخفاءها. هناك إنسان. هناك طفل. هناك أم. هناك أب. هناك شخص ذهب إلى مركز تجاري ولم يعد. هناك رجل إطفاء يصل إلى مكان الانفجار ولا يعرف إن كانت الموجة الثانية في الطريق. السياسة تحب الأرقام. الحرب تكرهها. لأن الرقم عندما يكون ستة عشر قد يبدو صغيرا على شاشة الأخبار، لكنه في الواقع قد يعني ستة عشر عالما انهار في لحظة واحدة. ولهذا فإن كريفي ريه ليست مجرد نقطة على خريطة أوكرانيا. إنها جرس آخر في قارة اعتادت سماع الأجراس من بعيد. وماكرون، حين يتحدث عن حماية السماء الأوكرانية، يتحدث في الحقيقة عن شيء أكبر: عن الحدود التي يريد الأوروبيون رسمها بين روسيا وأوروبا، بين الحرب والسلام، وبين الردع والتورط. فالسؤال الذي سيحكم المرحلة المقبلة ليس: هل ستصل الصواريخ الاعتراضية؟ بل: هل تستطيع أوروبا أن تحول هذا الدعم العسكري المتفرق إلى عقيدة استراتيجية متماسكة؟ هل تستطيع بناء صناعة دفاعية قادرة على الإنتاج بوتيرة الحرب؟ هل تستطيع تنسيق منظوماتها؟ هل تستطيع تحمل الكلفة السياسية والاقتصادية؟ وهل تستطيع، في الوقت نفسه، إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحا من دون أن تجعل كلمة السلام مرادفا للاستسلام؟
هذه هي المعضلة. لأن الحرب التي طال أمدها لا تحتاج فقط إلى جنرالات يعرفون كيف يربحون معركة، بل إلى سياسيين يعرفون كيف يمنعون الانتصار العسكري من ابتلاع المستقبل. وفي نهاية المطاف، قد لا تكون أخطر لحظة في هذه الحرب حين يسقط صاروخ. قد تكون حين يعتاد العالم سقوط الصواريخ. حين تصبح الجنازات خبرا يوميا. حين يصبح الركام منظرا مألوفا. حين تتعلم البشرية كيف تقلب الصفحة قبل أن يجف الدم على الصفحة السابقة. هناك، في تلك اللحظة، لا تكون المشكلة في أوكرانيا وحدها. تكون المشكلة في الإنسان نفسه. ولذلك فإن الدفاع عن سماء أوكرانيا ليس دفاعا عن فضاء جوي فحسب. إنه دفاع عن فكرة أن المدن ليست أهدافا، وأن المستشفيات ليست خرائط، وأن الأطفال ليسوا هوامش في بيانات وزارات الدفاع، وأن السلام لا ينبغي أن يكون مجرد هدنة بين حربين.
في سماء أوكرانيا، اليوم، لا تتقاطع الصواريخ وحدها. تتقاطع رؤيتان للعالم. رؤية ترى القوة بابا إلى إخضاع الآخر. ورؤية تحاول أن تجعل القوة حارسا للحدود التي لا يجوز تجاوزها. وبين الرؤيتين تقف أوروبا، مثل قارة تمسك بمرآة مشروخة، وترى في شظاياها ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي لصواريخ ماكرون. إنها ليست مجرد مقذوفات تصعد إلى السماء. إنها، في لغة السياسة، محاولة لإعادة كتابة معادلة الردع. وفي لغة التاريخ، محاولة لمعرفة ما إذا كانت أوروبا قد تعلمت أخيرا أن السلام الذي لا تحرسه قدرة سياسية واستراتيجية قابلة للتصديق، قد يتحول في لحظة واحدة إلى باب واسع تدخل منه الحرب. أما أوكرانيا، التي تنظر إلى السماء كل ليلة، فلا تريد فلسفة. تريد أن تنجو. وتريد فقط أن تستيقظ ذات صباح، فلا تجد السماء تحمل لها الموت. وربما تكون تلك، وسط كل هذا الجنون الجيوسياسي، أبسط مطالبة يمكن أن يقدمها إنسان إلى العالم: أن يحق له أن يعيش.
📲 Partager sur WhatsApp
الدفاع على النفس حق مشروع وضروري إن جرت دولة لحرب لا تريد دخولها. نص هذا المقال يتعلق بضرورة الإستعداد للدفاع ضد الصواريخ والمسيرات المدمرة بتطويرها وصنعها المحلي.
لكن لم أقرأ شيئا حول بديل الدمار والدفاع ضده، ألا وهو عبقرية تجنب الحروب بطرق سلمية. هناك بلدان نجحت في رفض المشاركة في الحروب. لماذا تعجز الأخرى عن حفظ السلام. صانعو الحروب يسعون للهيمنة علما أن السيطرة الغير مشروعة لا تدوم ومنحكم عليها بالفشل كما فشلت شتى الأمبراطوريات من قبل. سائقوا الحروب عبارة عن مراهقين حصلوا على السلطة قبل أن يبلغوا سن الرشد. فليمنعوا من استعمال السلاح كلعبة لإرضاء غرائزهم الأنانية والوحشية. ثم ماذا عن المفاوضات والتفاهم الموضوعي وماذا عن صوت الشعوب التي تخشى الحروب وعواقبه ولا تريد خوضها إلا مرغمة من عطشى الدماء؟