كان مريضا عند صاحب العمل… وصحيا عند زوجته

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة أخبار صغيرة تمر في الصحف كما تمر حبّة رمل في حذاء أحد المارّة: لا يلتفت إليها أحد، لكنّها قادرة، إذا تأمّلناها طويلا، على إفساد الصورة كلّها. خبر الرجل الإسباني الذي خرج من عمله مريضا بالقلق، ثم ضبطه محقق خاص وهو يساعد زوجته في حانتها، يبدو للوهلة الأولى حكاية تصلح لابتسامة عابرة. موظف في إجازة مرضية يعمل في حانة. صاحب عمل يستأجر محققا. محقق يراقب. قاض ينظر في الصور والشهادات. ثم تنقلب الحكاية على أصحابها: لا يطرد الرجل، بل يصبح لزاما على الشركة أن تعيده إلى عمله أو تدفع له أكثر من ستة وأربعين ألف يورو. لكن ما يبدو نكتة إدارية صغيرة يخفي في داخله سؤالا يكاد يكون فلسفيا: من الذي يقرر أن الإنسان مريض؟ الطبيب؟ الشركة؟ المحقق الذي يراه من خلف زجاج سيارة؟ أم جسد الرجل نفسه حين يكتشف، للمرة الأولى، أن بعض الأمكنة التي تستهلكه قد تكون أشد فتكا من بعض الأعمال التي لا تكلفه سوى حمل بضعة أكياس؟

هنا تبدأ غرابة القصة. فالرجل لم يكن عاجزا عن الحركة. كان عاجزا، على ما يبدو، عن احتمال نوع معين من الحياة. وهذه نقطة شديدة الأهمية. لقد تعاملت الشركة مع المرض كما لو كان مفتاحا كهربائيا: إما أن يكون الإنسان قادرا على العمل، فيعمل، أو عاجزا، فيبقى في المنزل تحت بطانية المرض. لكن النفس البشرية ليست مصباحا. وليست هناك في داخل الإنسان لوحة كهربائية مكتوب عليها: “صالح للعمل” و”غير صالح”. هناك شيء أكثر التواء، وأكثر غموضا، وأكثر شبها بالمتاهة. قد يكون الإنسان عاجزا عن الوقوف ثماني ساعات أمام نظام إداري يطارده بالأرقام والمواعيد والأوامر، وقادرا في الوقت نفسه على الوقوف أربعين دقيقة في حانة صغيرة يحمل فيها كيسا. قد يكون عاجزا عن مواجهة مديره صباحا، وقادرا على مواجهة زوجته مساء. وقد يكون المكان الذي يقال له فيه: “أنت موظف” هو المكان الذي يمرض فيه، بينما المكان الذي يقال له فيه: “أنت إنسان” هو المكان الذي يبدأ فيه بالتحسن. وهنا تصبح الحانة أكثر من حانة. تصبح، في هذه القصة، مختبرا سريا للنفس البشرية.

كان صاحب العمل يرى رجلا يخالف واجب المرض. أما المحكمة فرأت شيئا آخر. المحقق الخاص رآه ست مرات في نيسان ومايو 2023. الشركة قرأت في هذه المشاهد خيانة للثقة وكشفا للقناع. ست مرات، في عين المؤسسة، تكفي لتحويل المريض إلى متهم. لكن المحكمة سألت سؤالا أكثر ذكاء: ماذا كان يفعل الرجل فعلا؟ لم يكن يعمل يوما كاملا. لم يكن يدير المؤسسة. لم يكن يمارس نشاطا مماثلا لنشاطه المهني. بحسب الشهادات، كان يساعد نحو خمس وأربعين دقيقة يوميا، ويحمل أكياسا. وفجأة، صار الكيس أهم من الملف الطبي. ليس لأن الكيس أخف من الملف فحسب، بل لأن المحكمة نظرت إلى العلاقة بين النشاط والحالة النفسية، لا إلى صورة النشاط وحدها. وهذا فارق هائل. فالمرض ليس دائما في العضلة التي تتحرك. أحيانا يكون في اليد التي لا تريد أن ترفع سماعة الهاتف. وفي الرأس الذي لا يحتمل جدول المواعيد. وفي الروح التي تشعر، كل صباح، بأن باب المكتب يشبه باب زنزانة لا يعرف أحد كيف بنيت.

المفارقة المدهشة أن الشركة دفعت ثمنا لخطأ فلسفي قبل أن يكون خطأ قانونيا. لقد افترضت أن العمل واحد. لكن العمل ليس واحدا. هناك أعمال تسحق الإنسان، وأعمال تنقذه من نفسه. هناك عمل يحول الزمن إلى أسنان مسننة، وعمل يعيد إلى الزمن وجهه البشري. هناك مكتب قد يجعل القلب يضيق، وحانة صغيرة قد تمنح الإنسان خمس وأربعين دقيقة من الهواء. ولذلك جاءت العبارة القضائية الأكثر غرابة في القصة: أن مساعدة الرجل في الحانة يمكن أن تكون “مفيدة” لحالته. كأن المحكمة قالت للشركة، بلغة القانون الباردة: ليس كل ما يشبه العمل عملا. وليس كل ما يستهلك الجسد يستهلك النفس بالطريقة نفسها. وهذه الفكرة، إذا خرجنا بها من حدود القضية، تصبح قنبلة صغيرة تحت مبنى العمل الحديث.

نحن نعيش في زمن أصبح فيه الإنسان مطالبا بأن يقدم دليلا على تعبه. إذا قال: “أنا منهك”، سئل عن التحاليل. إذا قال: “أنا قلق”، سئل لماذا يستطيع الضحك. إذا خرج من بيته، قيل: إذن أنت بخير. إذا ذهب إلى البحر، قيل: إذن تستطيع العمل. إذا رقص، قيل: إذن مرضك كذبة. كان ينبغي للإنسان المعاصر، لكي يقنع العالم بمرضه، أن يبدو مريضا في كل ثانية من اليوم. وهذه واحدة من أكثر أفكار عصرنا قسوة. فنحن نريد من المريض أن يؤدي دور المريض. نريد منه أن يجلس في غرفته مثل شاهد على جنازته. لا نريد له أن يضحك كثيرا، ولا أن يمشي كثيرا، ولا أن يتحدث كثيرا، ولا أن يلمس الحياة بأصابعه. لأن المجتمع الحديث لا يثق بالمرض إلا حين يكون مرئيا. أما المرض الذي يسكن خلف الجبهة، خلف الصدر، خلف صمت طويل، فهو بالنسبة إلى العين الإدارية شبح بلا عنوان.

لعل أجمل ما في هذه القصة أن الرجل لم ينتصر على الشركة بالكلام. انتصر عليها بمفارقة. كانت الشركة تريد إثبات أنμه قادر على العمل. فأثبتت المحكمة شيئا أكثر تعقيدا: أنه ربما كان قادرا على نوع من العمل، لكنه غير قادر على العمل الذي أمرضه. وهنا ينفتح باب على سؤال أكبر من القضية نفسها: كم من الناس في عالمنا ليسوا مرضى من العمل، بل مرضى من العمل الخطأ؟ كم من البشر يحملون كل صباح أجسادهم إلى وظائف لا تشبههم، ثم يعودون مساء وهم يعتقدون أن العيب فيهم؟ كم واحدا منهم يحتاج، لا إلى عطلة أطول، بل إلى حياة مختلفة؟ ربما لا يكون بعض الاكتئاب انهيارا في الإنسان، بل احتجاجا صامتا من الإنسان على المكان الذي وضع فيه. وربما لا يكون بعض القلق ضعفا، بل جهاز إنذار داخليا ظل يعمل طويلا حتى احترق هو نفسه.

ثم هناك المحقق. وهنا تصبح القصة أكثر غرابة. رجل يراقب رجلا مريضا لكي يثبت أنه ليس مريضا. كأن عصرنا اخترع مهنة جديدة: مراقبة الحقيقة وهي تحاول الهرب. المحقق يمشي خلف الرجل. يسجل. يصطاد الصور. ست مرات. ست لقطات من حياة كاملة. ثم تقدم هذه اللقطات إلى المحكمة بوصفها الحقيقة. لكن الصورة، مهما بلغت دقتها، لا تصور القلق. الكاميرا ترى اليد وهي تحمل الكيس. لا ترى الثقل الموجود داخل الرأس. ترى الرجل يدخل الحانة. لا ترى ما الذي يشعر به حين يدخل. ترى جسدا واقفا. ولا ترى روحا كانت، ربما، تحاول للمرة الأولى منذ أشهر أن تجلس في مكان آمن. هذه هي مأساة الكاميرا: إنها بارعة في تصوير الحركة، عاجزة عن تصوير المعنى. لقد أخطأت الشركة حين ظنت أن الإنسان آلة ذات وظيفة واحدة. فالآلة، إذا تعطلت، تتوقف. أما الإنسان، فربما يتعطل في مصنع ويعمل في حديقة. قد يختنق في مكتب وينجو في مطبخ. قد ينهار تحت سلطة مدير، ثم يستعيد توازنه وهو يرتب الكراسي في مقهى زوجته. وهذا ليس تناقضا. بل هو الإنسان. فالإنسان ليس جهازا ذا زر واحد. إنه كائن غريب، يستطيع أن يكون منهكا في مكان، ومتعافيا في مكان آخر؛ مكسورا تحت معنى، وقادرا على الوقوف تحت معنى مختلف.

لم تكن القضية حول رجل يحمل أكياسا في حانة. كانت حول سؤال أكثر خطورة: هل نملك الحق في أن نقرر كيف يجب على المريض أن يتعافى؟ إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لا نمنح المرضى إجازة. نحن نمنحهم سجنا ناعما. نقول لهم: لا تعملوا، لا تتحركوا، لا تضحكوا كثيرا، لا تساعدوا أحدا، لا تقتربوا من الحياة، ثم تعالوا بعد أسابيع وقد شفيتم. لكن النفس لا تشفى دائما بالابتعاد عن الحياة. أحيانا تشفى بجرعة صغيرة منها. بخمس وأربعين دقيقة. بكيس يحمل على الكتف. بصوت زوجة. بكرسي يمسح عنه الغبار. بمكان لا يناديك فيه أحد باسم وظيفتك. وربما لهذا السبب بالذات بدت المحكمة، في هذه الحكاية الغريبة، أكثر فهما للإنسان من الشركة التي وظفته سبعة عشر عاما. فالشركة رأت موظفا يخون عقده. والمحقق رأى رجلا يعمل. أما المحكمة فرأت إنسانا يحاول، بطريقته المرتبكة، أن يستعيد نفسه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الرجل الذي خرج من العمل لأنه مريض، ربما لم يكن يبحث عن الراحة من العمل، بل عن الراحة من الحياة التي جعلت العمل شكلا من أشكال المرض. وفي عالم يطلب من الإنسان أن يكون منتجا حتى وهو يحتضر، قد تكون هذه الحكاية الإسبانية الصغيرة تذكيرا هائلا بحقيقة نسيناها: ليس كل ما نفعله عملا. وليس كل ما يشبه العمل شفاء. لكن أحيانا، في زاوية صغيرة من العالم، قد يحمل الإنسان كيسا لمدة خمس وأربعين دقيقة، فيكتشف أن قلبه ما زال يعرف الطريق إلى الحياة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *