الحجاج وأبو مسلم الخرساني… رجلان حمل كل منهما دولة على كتفيه
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة رجال يدخلون التاريخ من بابه الواسع، لا لأنّهم كانوا أرحم الناس، ولا لأنّ أيديهم كانت نظيفة من الدم، ولا لأن سيرتهم تصلح لتعلق على جدران الفضيلة، بل لأنهم امتلكوا شيئا نادرا ومخيفا في الوقت نفسه: القدرة على أن يذوبوا في فكرة أكبر من ذواتهم. والحجاج بن يوسف الثقفي واحد من هؤلاء. رجل تستطيع أن تكرهه بسهولة، لكن يصعب أن تفسره بسهولة. دموي، نعم. قاس، نعم. صاحب سيف ولسان لا يعرفان كثيرا من الرحمة، نعم. لكن ماذا لو كان الخطأ في قراءته أننا نظرنا إلى الدم الذي على يده ولم نسأل عن الفكرة التي كانت تحرك تلك اليد؟ ماذا لو كان الحجاج، في جانب من جوانب شخصيته السياسية، لم ير نفسه رجلا يخدم الخليفة، بقدر ما رأى نفسه حارسا لدولة؟ وماذا لو كانت الدولة الأموية عنده قد تجاوزت حدود السياسة حتى أصبحت عقيدة سياسية، ومصيرا شخصيا، وشيئا يشبه الوطن حين يتحول الوطن في ذهن بعض الرجال من أرض إلى معنى؟
هنا تبدأ الحكاية الأكثر غرابة. فالحجاج لم يكن مجرد رجل قوي في دولة قوية. كان، في لحظة ما، كأن الدولة قد وجدت له جسدا، ووجد هو لها سيفا. كان معاوية قد أسس البناء، وجاء عبد الملك بن مروان ليعيد شد أوتاره، ثم ظهر الحجاج في اللحظة التي كانت الدولة فيها تحتاج إلى رجل يستطيع أن ينظر إلى الفوضى كما ينظر الجراح إلى الجرح: لا يسأل الجرح إن كان يتألم، بل يسأل كيف يمنع الجسد كله من الموت. وهذه ليست دعوة إلى تبرئة الحجاج. فالاستبداد لا يصبح عدلا لأن صاحبه كان مؤمنا بفكرة الدولة، والدم لا يتحول إلى ماء عذب لأن اليد التي سفكته كانت مقتنعة بأنها تحمي النظام. لكن التاريخ يصبح أكثر عمقا حين نرفض أن نضع شخصياته في صناديق الأخلاق السهلة. الحجاج ليس ملاكا أسود. ولا شيطانا سياسيا خالصا. إنه واحد من تلك الكائنات التاريخية التي تختلط في داخلها الدولة بالعقيدة، والولاء بالقسوة، والانضباط بالخوف، والواجب بالاستبداد.
أخطر ما في الحجاج، وربما أكثر ما يثير الدهشة فيه، أنه لم يكن يبدو منشغلا كثيرا بصناعة مجده الشخصي. كان يمكنه أن يجعل من سلطته سلما يصعد عليه إلى عرش آخر. لكنه ظل، في جوهر مشروعه السياسي، مرتبطا بالدولة الأموية وبالخليفة الذي منحه ثقته. كان يمكنه أن يقول: أنا. لكنه، في كثير من مواقفه، كان يقول: الدولة. وهنا تكمن المفارقة. هناك رجال يدخلون السياسة لكي يكبر اسمهم. وهناك رجال يدخلونها حتى تكبر الفكرة التي ينتمون إليها. الأول يرى الدولة مرآة لوجهه. والثاني يرى وجهه مجرد حجر في جدار الدولة. ولذلك فإن الفرق بين الحجاج وأبي مسلم الخراساني ليس، في القراءة الأدبية، فرقا بين رجل قاس ورجل أقل قسوة، ولا بين الخير والشر بهذه البساطة. إنه فرق بين نوعين من الطموح. الحجاج كان يريد أن تكون الدولة قوية، ولو انكسر هو داخلها. أما أبو مسلم، الذي كان واحدا من أبرز صانعي التحول الذي أفضى إلى قيام الدولة العباسية، فقد أصبح لاحقا أسيرا لسؤال آخر: ماذا أفعل بقوتي بعدما صنعت الدولة؟ وهنا تبدأ المأساة.

تمثال الحجاج بن يوسف الثقفي
أبو مسلم… حين يخرج السيف من يد الفكرة
أبو مسلم الخراساني شخصية من معدن آخر. كان واحدا من الرجال الذين حملوا الثورة العباسية في خراسان، وأصبح نفوذه هائلا، حتى بدا في لحظة من اللحظات كأن الدولة الجديدة لم تولد فوق الأرض، بل خرجت من ظله. لكنه اكتشف، مثل كثير من رجال الثورات، أن السيف الذي يساعد على بناء الدولة يصبح بعد انتصارها سؤالا موجها إلى صاحبه: من أنت الآن؟ وهذا هو السؤال الذي لا يملك كثير من الثوار جوابا عنه. قبل النصر، يكون الرجل خادما للفكرة. بعد النصر، تصبح الفكرة دولة. وحين تتحول الثورة إلى دولة، تبدأ الدولة بالنظر إلى رفاق الأمس بعين مختلفة. الثورة تحتاج رجالا يحطمون الأبواب. أما الدولة فتحتاج رجالا يعرفون متى يغلقونها. وهنا اصطدمت قوة أبي مسلم بالقوة الجديدة التي خرجت من رحم الثورة نفسها. فقُتل سنة 137هـ، وكان في أواخر الثلاثينات من عمره، على يد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، بعد أن أصبح نفوذه مصدر قلق للسلطة المركزية. ولم تكن نهايته مجرد موت رجل. كانت مشهدا رمزيا من أكثر مشاهد التاريخ السياسي قسوة: الرجل الذي حمل الدولة على كتفيه يسقط تحت قدميها. السيف الذي فتح الطريق للدولة أصبح هو نفسه مطلوبا للمحو. وهكذا، في لحظة واحدة، يمكن للتاريخ أن يحول البطل إلى فائض عن الحاجة.
الحجاج وأبو مسلم… رجلان حمل كل منهما دولة على كتفيه
هنا تصبح المقارنة أكثر إثارة. الحجاج لم يؤسس الدولة الأموية، كما أن أبا مسلم لم يؤسس الدولة العباسية وحده. لكن كليهما كان من أولئك الرجال الذين وقفوا في المنطقة التي لا يقف فيها عادة إلا أصحاب الأعصاب الحديدية: المنطقة التي تتشكل فيها الدول من الدم، والخوف، والولاء، والحسابات، والفرص الضائعة. الحجاج كان رجل الدولة الأموية حين كانت الدولة تحتاج إلى رجل دولة. وأبو مسلم كان رجل الثورة العباسية حين كانت الثورة تحتاج إلى رجل ثورة. لكن الفرق الحاسم ظهر بعد ذلك. الحجاج، رغم قسوته، بقي داخل البناء الأموي حتى وفاته سنة 95هـ، ولم يتحول مشروعه السياسي إلى مشروع شخصي ينافس الدولة التي خدمها. أما أبو مسلم، فقد أصبح هو نفسه قوة سياسية هائلة، إلى درجة جعلت وجوده المستقل خطرا على مركز الدولة الجديدة. ولذلك يمكن أن نقرأ مصير الرجلين باعتباره سؤالا فلسفيا أكثر منه حكاية عن شخصين: متى يكون الولاء للدولة فضيلة؟ ومتى يتحول الطموح الشخصي إلى خطر على الدولة؟ وهل يمكن لرجل أن يحب دولة إلى درجة يختفي فيها؟
الوطن الذي يسكن الرجل
نحن نميل اليوم إلى استعمال كلمة الوطن بحذر حين نتحدث عن العصور القديمة، لأن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة لم يكن هو المفهوم السياسي نفسه في العصر الأموي أو العباسي. لكن هناك شيئا أقدم من الدولة الوطنية الحديثة: الولاء إلى كيان سياسي، وإلى جماعة، وإلى دولة، وإلى نظام يراه الإنسان جزءا من وجوده. الحجاج، في هذه القراءة، يمثل صورة قصوى لهذا الولاء. كانت الدولة الأموية عنده أكبر من الحجاج. ولذلك استطاع الحجاج أن يتحمل غضبها، وأن يتحمل نقدها، وأن يتحمل ما يصيبه من عزل أو لوم، من دون أن يتحول ذلك، في جوهر موقفه، إلى خيانة للمشروع الذي خدمه. وهذه نقطة تستحق التأمل. فبعض الناس يحبون أوطانهم لأنهم ولدوا فيها. وبعضهم يحبونها لأنها تمنحهم المال والمكانة. وبعضهم يحبونها ما دامت تمنحهم سلطة. لكن هناك نوعا آخر أكثر غرابة: رجال يحبون الدولة حتى عندما لا تعطيهم شيئا. بل ربما يحبونها في اللحظة التي تأخذ منهم كل شيء. هؤلاء لا يعود الوطن عندهم أرضا. يصير عقيدة. ويصيرون هم أنفسهم، بطريقة ما، وقودا لهذه العقيدة.
لكن هل العقيدة تبرر السيف؟
هنا يجب أن نتوقف. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله في قراءة الحجاج هو أن نحول الولاء إلى صك براءة. ليس كل من خدم الدولة خدم العدالة. وليست كل دولة تستحق أن تكون عقيدة. والتاريخ مليء برجال كانوا أوفياء لأوطانهم، لكن وفاءهم تحول إلى قسوة حين أقنعوا أنفسهم بأن الدولة فوق الإنسان. وهنا تقع المأساة الحقيقية. حين تصبح الدولة غاية مطلقة، يمكن أن يصبح الإنسان وسيلة. وحين يصبح الاستقرار مقدسا، يمكن أن يصبح الخوف قانونا. وحين يصبح الولاء عقيدة مغلقة، يمكن أن يصبح الاعتراض خيانة. الحجاج، بهذا المعنى، ليس نموذجا ينبغي استنساخه، بل مرآة ينبغي النظر فيها طويلا. إنه يسألنا عن الحد الفاصل بين رجل يحمي الدولة ورجل يختبئ خلف الدولة. بين رجل يضحي بنفسه من أجل وطنه، ورجل يطالب الآخرين بالتضحية من أجل السلطة. بين الوطنية بوصفها مسؤولية، والوطنية حين تتحول إلى آلة تبتلع الإنسان.
الطموح… ذلك الوحش الذي ينام تحت السرير
ليس الطموح عيبا في ذاته. الدول لا تبنى دائما بالزاهدين. والحضارات لا تصنعها الأيدي التي تخاف من المجازفة. لكن الطموح يصبح خطرا حين يتحول الرجل من خادم للفكرة إلى مالك لها. في اللحظة التي يقول فيها السياسي: الدولة تحتاجني بدلا من: أنا أحتاج إلى الدولة يبدأ الانحراف. لأن الدولة التي تعتمد على رجل واحد تصبح أسيرة له. والرجل الذي يعتقد أن الدولة لا تستطيع العيش بدونه يبدأ، غالبا، في الاعتقاد بأنه أصبح أكبر من القانون. وهنا يمكن فهم مأساة أبي مسلم من زاوية أخرى. ربما لم تكن مشكلته أنه طمح. بل أن القوة التي صنعها جعلت طموحه قابلا لأن يتحول إلى واقع. لقد أصبح رجلا تملك الدولة من أجله سببا للخوف. وفي السياسة، لا يكفي أن تكون وفيا. يجب أيضا ألا تصبح قويا إلى درجة تجعل السلطة ترى في وفائك منافسة لها. وهذه إحدى أكثر قواعد التاريخ السياسي قسوة: الدولة قد تغفر لك خيانتك إذا استطاعت احتواءها. لكنها لا تغفر بسهولة قوة مستقلة يمكن أن تصبح دولة داخل الدولة.

تمثال أبي مسلم الخرساني
موت الحجاج… وموت أبي مسلم
مات الحجاج مريضا، ومات أبو مسلم مقتولا. لكن المفارقة ليست في طريقة الموت وحدها. المفارقة في المعنى. الحجاج الذي كان سيفا للدولة بقي حتى النهاية داخل غمدها السياسي، رغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليه. أما أبو مسلم، الرجل الذي كان أحد السيوف الكبرى التي فتحت الطريق أمام العباسيين، فقد انتهى السيف نفسه إلى أن يكون هدفا ليد الدولة التي ساهم في صنعها. كأن التاريخ كتب المشهد بهذه العبارة الصامتة: لا يكفي أن تبني الدولة. عليك أيضا أن تعرف ماذا تفعل بنفسك بعد أن تبنى. وهذا سؤال أكبر من الحجاج وأبي مسلم. إنه سؤال كل الثورات. وسؤال كل الدول. وسؤال كل الرجال الذين يضعون حياتهم في خدمة فكرة.
الرجل الذي يختفي داخل الفكرة
لعل أكثر ما يثيرني في الحجاج ليس بطشه. فالطغاة كثيرون. ولا قوته. فالأقوياء كثيرون. بل تلك القدرة النادرة على أن يجعل الرجل نفسه أصغر من الفكرة التي يخدمها. قد نختلف مع الفكرة.وقد نرفض الأسلوب. وقد ندين الدم. لكننا أمام ظاهرة إنسانية شديدة التعقيد: ماذا يحدث حين يصبح الانتماء أقوى من المصلحة الشخصية؟ ماذا يحدث حين لا يعود الرجل يسأل: ماذا سأربح؟ بل: ماذا ستربح الدولة؟ هنا يصبح الإنسان شيئا يشبه الشمعة. تحترق لكي يبقى الضوء. لكن الشمعة لا تعرف دائما إن كان الضوء الذي تحرسه يستحق النار التي تستهلكها. وهنا تكمن المأساة الأخلاقية. ربما يكون الدّرس الأهم الذي يمكن أن نستخرجه من الحجّاج وأبي مسلم, ونقطة لا ينبغي أن تضيع وسط سحر الحكاية. الوطن أوسع من الأشخاص. وإذا كان الحجاج يمثل صورة رجل ذاب في الدولة، فإن عصرنا يحتاج إلى صورة أكثر نضجا: رجل يحب وطنه، لكنّه لا يعبد الظلم. يحمي الدولة، لكنّه لا يحمي الظلم. يعارض إذا أمكنالخطأ، من دون أن يكره الوطن. ويختلف مع الآخرين من دون أن يحرق البيت الذي يعيش فيه. ذلك هو الولاء الناضج. أما الولاء الذي لا يرى إلا اللون الواحد، فقد يتحول بسهولة إلى عمى.
من كان يحب الدولة أكثر؟
ربما لن نعرف. وربما ليس هذا هو السؤال الصحيح. فالتاريخ لا يمنحنا دائما مفاتيح قلوب رجاله. لكنه يمنحنا آثار أقدامهم. الحجاج ترك دولة أكثر تماسكا مما وجدها في مراحل من صعوده السياسي، وترك في الوقت نفسه إرثا ثقيلا من العنف والقمع. وأبو مسلم ساهم في فتح الطريق أمام دولة جديدة، ثم وجد نفسه، بعد أن انتهت مهمته التاريخية، أمام دولة لا تريد لرجل واحد أن يملك ظلها. كلاهما حمل دولة على كتفيه. لكن أحدهما قبل أن يبقى تحت سقفها حتى النهاية، والآخر صار سقفه نفسه مصدر خوف. ومن هنا تأتي المفارقة التي تستحق أن تظل مفتوحة: ربما ليست المشكلة في أن يكون للإنسان طموح. المشكلة في اللحظة التي يصبح فيها الطموح أكبر من الوطن. وربما ليس أعظم رجال الدولة من يقولون: أنا صنعت الدولة. بل من يستطيعون، بعد أن يصنعوها، أن يقولوا: لم أصنعها لي. صنعتها لتبقى. فالدولة التي تصبح مرآة لرجل تموت حين يموت الرجل. أما الدولة التي تصبح فكرة يتجاوز عمرها أعمار رجالها، فهي وحدها التي تعرف كيف تنجو من أصحابها. ولعل الحجاج، بكل تناقضاته، يترك لنا واحدا من أكثر الأسئلة قسوة: هل يستطيع الإنسان أن يحب وطنا إلى درجة ينسى فيها نفسه، من دون أن ينسى في الوقت نفسه أن الوطن وجد من أجل الإنسان؟ ذلك هو الخط الرفيع بين الوطنية والعقيدة. بين التضحية والذوبان. بين الرجل الذي يحمل الدولة على كتفيه، والرجل الذي يريد أن يحمل الدولة في جيبه. وبين الاثنين… يمشي التاريخ. حافيا. وفوق يديه دم كثير، وفي عينيه سؤال لا ينام: من كان يخدم من؟ الرجل الدولة؟ أم الدولة الرجل؟
📲 Partager sur WhatsApp
من اشهر مظاهر قمع الحجاج، حربه ضد جماعة ” القراء” و”دير الجماجم”
وكأن الصراع بين السلطتين العلمية والسياسية: هل يمكن للدولة أن تضع اليد على الحق في الاختلاف على مستوى قراءة النصوص المؤسسة وتأويلها؟ ….