بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك دول تستبق الكارثة بخطة. ودول تستقبلها بطائرة إطفاء. ودول أخرى، حين تصل النار إلى الغابة والبيت والقرية والذاكرة، تبحث في الدستور عن حبل. في الجزائر، وبعد الحرائق الدامية التي ضربت مناطق من شرق البلاد وشمالها، جاء الجواب الرئاسي سريعًا وحاسمًا: إعادة عقوبة الإعدام بحق من تثبت إدانتهم بإشعال الحرائق، مع تأكيد أن التنفيذ سيقع بعد استنفاد طرق الطعن. وقد تحدث الرئيس عبد المجيد تبون عن تعديل قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر، بينما أعلنت السلطات عن سقوط قتلى وجرحى وخسائر كبيرة في الممتلكات والثروة الحيوانية والأشجار المثمرة. لا أحد يستطيع أن يدافع عن مشعلي الحرائق عمدا. ومن يشعل النار في غابة عامدا، وهو يعلم أنّها قد تتحول خلال دقائق إلى وحش يلتهم البشر والبيوت والقرى، يرتكب جريمة بالغة الخطورة تستحق العقاب الصارم. لكن الدولة ليست بقدرتها على معاقبة اليد التي أشعلت عود الثقاب. الدولة هي بقدرتها على اكتشاف النار قبل أن تصبح غابة. وهنا تبدأ القصة التي لا يحب أن سمعه الرئيس الجزائري. لأنّ السؤال المزعج ليس فقط: من أشعل الحريق؟ السؤال الذي ينام تحت الرماد هو: لماذا استطاع الحريق أن يصبح كارثة؟
وهذا سؤال مختلف تماما. السؤال الأول جنائي. أما الثاني فهو سؤال دولة. السؤال الأول يبحث عن متهم. والثاني يبحث عن سياسة. السؤال الأول يحتاج إلى محقق. والثاني يحتاج إلى عالم مناخ، ومهندس غابات، وطائرة مسيرة، ومركز إنذار مبكر، وشبكة مراقبة، وطرق وصول سريعة، وفرق مدربة، وميزانية وقائية، وخرائط للمخاطر، ونظام اتصال لا ينهار في اللحظة التي تبدأ فيها النار. وهنا تكمن المفارقة السوداء التي تكاد تكون أقسى من النار نفسها: قد تجد الدولة بسرعة اليد التي أشعلت الحريق، لكنها لا تجد بالسرعة نفسها السياسة التي كان يمكن أن تمنع الحريق من التحول إلى جحيم. كأننا أمام طب من نوع جديد. المريض ينزف. فتبحث الدولة عن الجاني الذي جرحه، ثم تعده بالإعدام. لكن لا أحد يسأل الطبيب لماذا لم تكن سيارة الإسعاف موجودة. هذه ليست دعوة إلى التساهل مع الجريمة. بل العكس تماما. إنها دعوة إلى توسيع مفهوم المسؤولية. لأن الدولة الحديثة لا تكتفي بالعقاب بعد وقوع الكارثة.

الدولة الحديثة تحاول أن تجعل الكارثة أقل احتمالا، وأقل اتساعا، وأقل فتكا حين تقع. وهنا تبدو كلمة «الوقاية» أكثر أهمية من كل الخطب التي تعقب الحرائق. فالوقاية لا تظهر في صور المآتم. ولا تصنع مشهدا تلفزيونيا دراميا. ولا تمنح السياسي لحظة غضب بطولية أمام الكاميرات. الوقاية عمل صامت. تشتري الدولة طائرات. تراقب الغابات. تنظف الممرات. تفتح طرقا للوصول. تزرع أجهزة استشعار. تستعمل الأقمار الصناعية. تنشر الدرونات. تدرب السكان. تضع خرائط للإخلاء. تقيم خزانات للمياه. تربط فرق الإطفاء بمراكز قيادة تعمل قبل أن تصبح السماء برتقالية. لا أحد يصفق لهذه الأشياء. لأن أعظم انتصار في إدارة الكوارث هو الانتصار الذي لا يراه أحد. حريق لم يقع. وهذه هي المشكلة السياسية العميقة في الوقاية. إنها لا تمنح الحاكم صورة المنتصر. فالسياسي يستطيع أن يظهر أمام الكاميرات وهو يعلن العقوبة. لكن كيف سيصور نفسه وهو يعلن أن الحريق لم يحدث؟ لا توجد كاميرا تصور «كارثة تم منعها». ولا صحيفة تنشر في الصفحة الأولى صورة غابة لم تحترق. ولا مذيع يصرخ: عاجل! الدولة نجحت اليوم في منع المأساة! وهكذا تصبح الوقاية ضحية لعيب غريب في السياسة: السياسي يحب النتائج التي يمكن عرضها، بينما أكثر النتائج أهمية هي تلك التي لا تحدث.
وهنا تصبح مسألة الإنفاق العسكري سؤالا سياسيا لا يمكن الهروب منه. حين تنفق الدول مليارات على السلاح، فإنها تقول لمواطنيها، ضمنيا، إنّ لديها تصورا شاملا للأمن. لكن الأمن ليس فقط طائرة مقاتلة وصاروخا ودبّابة. الأمن أيضا هو أن تستطيع قرية محاصرة بالنار أن تطلب النجدة فتصلها. الأمن هو أن تكون الغابة مراقبة. الأمن هو أن تعرف الدولة أين توجد النار بعد خمس دقائق، لا بعد خمس ساعات. الأمن هو أن تكون هناك طائرات قادرة على التدخل في اللحظة التي لا تزال فيها النار نقطة صغيرة، لا حين تتحول إلى جبهة. الأمن هو أن يعرف الطفل أين يذهب حين تصبح السماء سوداء. والأمن هو أن لا تتحول الريح إلى جنرال مجهول يهزم الدولة في ساعات. لذلك فإن السؤال ليس: هل تحتاج الجزائر إلى جيش قوي؟ بالطبع. السؤال الأكثر عقلانية هو: هل مفهوم الأمن الوطني يتسع بما يكفي ليشمل النار والماء والمناخ والغذاء والغابة والمدينة؟
لأن العالم تغير. التهديد لم يعد دائما جيشا يعبر الحدود. قد يكون صيفا أكثر حرارة. وقد تكون رياحا أقوى. وقد تكون غابة جافة. وقد يكون حريقا صغيرا. وقد يكون وباء. وقد يكون فيضانا. وقد يكون انقطاعا في الكهرباء. وقد يكون انهيارا في سلسلة الغذاء. الدولة التي تستعد للحرب ولا تستعد للمناخ تشبه رجلا يرتدي درعا فولاذيا وهو نائم فوق برميل بارود. ثم تأتي الطائرات المسيرة. وهنا تكاد المفارقة تصبح سريالية. العالم يطير بالدرونات فوق الحدود. ويراقب بها تحركات الجيوش. ويصور بها الصحارى. ويستخدمها في الاستطلاع والحرب. وفي الوقت نفسه، لا يزال السؤال البسيط مطروحا: لماذا لا تصبح الدرونات جزءا مركزيا من منظومة مراقبة الغابات؟

درون صغير مزود بكاميرا حرارية يمكنه أن يرى ما لا تراه العين. يمكنه التحليق فوق مناطق واسعة. يمكنه اكتشاف بؤر حرارية. يمكنه إرسال إحداثيات فورية. يمكنه مراقبة مناطق يصعب على الإنسان الوصول إليها. ولا يحتاج الأمر إلى اختراع المستقبل. التكنولوجيا موجودة. والأقمار الصناعية موجودة. والذكاء الاصطناعي موجود. والصور الحرارية موجودة. وخرائط المخاطر موجودة. المفقود في كثير من الأحيان ليس التكنولوجيا. المفقود هو تحويل التكنولوجيا إلى سياسة عامة. وهنا يكمن الفرق بين دولة تشتري التكنولوجيا ودولة تفهم ماذا تفعل بها. قد تشتري الدولة ألف درون. ولا تملك نظاما يجعل الدرون جزءا من قرار الإنقاذ. وقد تشتري أحدث المعدات. ثم تتركها في مستودع بارد بينما تشتعل الغابة في الخارج. المشكلة ليست دائما في المال. أحيانا تكون في العقل الذي يدير المال. ثم هناك سؤال أكثر قسوة: لماذا لا تصبح الوقاية من الحرائق صناعة وطنية؟ لماذا لا تكون هناك منظومة كاملة تضم الجامعات، والجيش، والحماية المدنية، ووزارات البيئة والفلاحة والداخلية، وشركات التكنولوجيا، والقطاع الخاص؟
لماذا لا يصبح لكل منطقة سجل رقمي للمخاطر؟ لماذا لا تحدد الدولة مناطق الخطر القصوى قبل الصيف؟ لماذا لا تتحول الغابات إلى أجسام مراقبة على مدار الساعة؟ لماذا لا تستعمل نماذج التنبؤ بالطقس والرياح والجفاف لتحديد احتمالات الاشتعال؟ لماذا لا تكون هناك تدريبات سنوية للسكان؟ لماذا لا تتحول المدارس نفسها إلى مراكز توعية وإخلاء؟ هذه ليست رفاهية. هذه هي الدولة في صورتها الأكثر عقلانية. لأن الكارثة لا تبدأ حين تشتعل النار. الكارثة تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تعرف الدولة أن الخطر موجود ولا تبني حوله جدارا. وهذه الجملة ربما هي الأكثر قسوة في الملف كله. أما عقوبة الإعدام، فهي تطرح سؤالا آخر لا يقل حساسية. العقوبة القصوى قد تكون جزءًا من نقاش جنائي وسياسي طويل حول الردع والقصاص وحدود العقوبة. لكنها لا تستطيع وحدها أن تصبح جهاز إطفاء. المقصلة لا تطفئ الغابة. والسجن لا يخفض درجة حرارة الريح. والقانون الجنائي لا يمطر السماء. والحكم القضائي لا يعوض عن غياب برج مراقبة. قد تعاقب الدولة المجرم، وهذا واجبها إذا ثبتت الجريمة. لكنها لا تستطيع أن تعاقب الطبيعة. ولا تستطيع أن تقدم لأسرة فقدت بيتها مرسوما إداريا يعيد إليها السنوات التي احترقت. ولا تستطيع أن تعيد شجرة عمرها خمسون عاما بقرار حكومي. لهذا يجب أن تكون العدالة في اتجاهين: عدالة تجاه من يرتكب الجريمة. وعدالة تجاه المجتمع الذي يستحق دولة كانت مستعدة للخطر قبل وقوعه.
السخرية السوداء في المسألة أنّ النّار لا تقرأ قانون العقوبات. لا تعرف أنّ الحكومة قررت تعديل المادة الفلانية. ولا تعرف أن البرلمان سيصوت بسرعة. ولا تتوقف أمام تصريح رئاسي. النار لها قانونها الخاص. الريح لها حساباتها. الجفاف له ذاكرته. الحرارة لها منطقها. والغابة، حين تصبح شديدة الجفاف، لا تنتظر السياسة كي تنضج. لذلك فإنّ الدولة التي تريد أن تكون أقوى من الحريق يجب أن تكون أسرع من الحريق. وهذه معادلة علمية قبل أن تكون سياسية: إذا كانت سرعة انتشار النار أكبر من سرعة اكتشافها، فقد خسرت الدولة الجولة الأولى. وإذا كانت سرعة اكتشافها أكبر من سرعة التدخل، فقد خسرت الجولة الثانية. وإذا كان التدخل أسرع من قدرة النظام الصحي والأمني على إخلاء السكان، فقد خسرت الثالثة. أما إذا كانت كل هذه السلسلة موجودة، فإن الحريق قد يبقى حادثا بدل أن يتحول إلى كارثة وطنية. وهنا يظهر الفرق بين إدارة الحادث وإدارة الخطر. الأولى تصل بعد أن يبدأ الدخان. الثانية تعمل قبل أن يظهر الدخان.
لذلك ربما تحتاج الجزائر إلى «عقيدة وطنية للوقاية من الحرائق» لا تقل أهمية عن عقيدتها الدفاعية. عقيدة لا تسأل فقط من أشعل. بل تسأل: أين يمكن أن تشتعل؟ متى؟ وبأي سرعة؟ وأين ستكون الرياح؟ وما القرى التي يجب إخلاؤها؟ وما الطرق التي ستبقى مفتوحة؟ وكم طائرة إطفاء نحتاج؟ وكم درونًا؟ وكم فريقا؟ وكم دقيقة تفصل بين البلاغ والوصول؟ وما حجم المياه المتاحة؟ وما قدرة المستشفيات؟ وما الخطة إذا اشتعلت عشرون بؤرة في الوقت نفسه؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الأمن الحقيقي. أما سؤال «من سنعدم؟» فيأتي بعد ذلك. ليس قبله. في الدول التي تحترم العلم، لا تنتظر الكارثة كي تبدأ التفكير. تجلس مع علماء المناخ قبل الصيف. تجلس مع مهندسي الغابات قبل الجفاف. تجلس مع خبراء الذكاء الاصطناعي قبل أن تبدأ النيران. تشتري المعدات قبل أن تحتاجها. وتدرب الفرق قبل أن تسمع صرخة الاستغاثة. وتختبر خطط الإخلاء قبل أن يصبح الإخلاء مسألة حياة أو موت. هذا هو معنى الدولة الاستباقية. إنها الدولة التي تحاول أن ترى الحريق وهو لا يزال فكرة في عين جهاز استشعار.
ولعل أكثر ما تحتاجه الجزائر اليوم ليس خطابا أكثر غضبا، بل نظامًا أكثر ذكاء. ليس لأن العقاب غير مهم. بل لأن الدولة التي تريد حماية مواطنيها لا ينبغي أن تجعل المقصلة آخر خط دفاع. آخر خط دفاع يجب أن يكون الوقاية. والإنذار المبكر. والعلم. والتكنولوجيا. والحماية المدنية. والتنسيق. والتدريب. والاستثمار. والاستشراف. ثم يأتي القانون ليقول كلمته لمن تثبت مسؤوليته. هكذا فقط يصبح العقاب جزءا من العدالة، لا بديلا عن السياسة. لأنّ الدولة لا تثبت قوتها عندما تجد مذنبا بعد احتراق الغابة. تثبت قوتها عندما تمنع الغابة من التحول إلى مقبرة. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة، وربما الأكثر مرارة: أسهل شيء بعد الكارثة هو العثور على مذنب. الأصعب بكثير هو بناء دولة تستطيع أن تقول قبل الكارثة: كنا نعرف أن النار قادمة. ولذلك كنا ننتظرها. لا بالسيف. بل بالعلم. لا بالمقصلة. بل بالدرون. لا بالغضب. بل بخطة. لأن الحريق لا يهزم بالخطب. ولا بالإعدام. ولا بالوعود. الحريق يهزم حين تكون الدولة قد وصلت إليه قبل أن يصل هو إلى الناس. وهذا هو الاختبار الحقيقي للدولة: ليس كم شخصا تستطيع أن تعاقب بعد أن تشتعل الغابة، بل كم إنسانا تستطيع أن تنقذ قبل أن تشتعل.
📲 Partager sur WhatsApp