حين تصبح «مرحبا» كلمة زائدة

رسالة من مغربية في الغربة إلى وطن نريده أن يتعرف علينا

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

ثمة كلمة صغيرة جدا، لكنّها في السنوات الأخيرة تمدّدت حتّى صارت بحجم مطار. كلمة تقف على أبوابنا مثل موظف استقبال دائم الابتسام، تحمل باقة ورد، وتقول لنا كلّما عبرنا: مرحبا. مرحبا بكم في وطنكم. مرحبا بمغاربة العالم. مرحبا بالعائدين. مرحبا بالأحبّة. مرحبا… ثم ينتهي الترحيب. وهنا تبدأ المشكلة. لأنّني، بكل ما في الأمر من مفارقة، أتمنى أن تختفي هذه الكلمة من قاموس مخاطبة مغاربة العالم. لا أكره «مرحبا». بل ربّما أكره كثرة استعمالها. فالكلمات، مثل البشر، تموت أحيانا من كثرة المجاملة. وحين تتكرر الكلمة التي كان يفترض أن تكون جسرا، قد تتحول إلى ستارة. وأنا لا أريد ستارة. أريد بابا. بل أريد بيتا. لأن المغربي في الخارج لا يحتاج إلى من يقول له «مرحبا» وهو يقف على عتبة وطنه. هو لا يقف على العتبة أصلا. هو صاحب البيت. المغرب أرضنا. وطننا. ذاكرتنا. الملك ملكنا . والصحراء صحراؤنا. ولا تحتاج هذه البديهيات إلى ختم في جواز سفر، ولا إلى مؤتمر صحفي، ولا إلى موسم انتخابي كي تصبح صحيحة. لكن الانتماء، وهذا ما ننساه أحيانا، ليس شجرة نغرسها في الأرض ثم ننام مطمئنين إلى أنّها ستكبر وحدها. الانتماء كائن عطشان. إذا لم نسقه باللغة، والفنّ، والموسيقى، والكتاب، والمدرسة، والفضاء الثقافي، فإنه يذبل بصمت. وقد يبقى الجواز مغربيا، بينما يبدأ المغرب في داخله بالتحول إلى صورة قديمة. فالمشكلة ليست في المسافة، بل في انعدام الجسر.

هناك مغاربة يعيشون على بعد ساعتين من الرباط، ولا يعرفون المغرب. وهناك مغاربة يعيشون على بعد آلاف الكيلومترات، ويحملون المغرب في نبرة كلامهم، في اسم أمّهاتهم، في رائحة خبز لم يأكلوه منذ سنوات، في أغنية يسمعونها في الليل كي لا يشعروا أنهم عبروا المحيط فعلا. المسافة إذن ليست جغرافيا. المسافة قد تكون مؤسسة. وقد تكون لغة. وقد تكون بابا مغلقا. وقد تكون طفلا ولد في باريس ولم يجد مكانا واحدا يقول له: هذا أيضا لك. وهنا يجب أن نتوقّف. لأنّني لا أريد أن أدخل في حفلة الصراخ السياسي التي تتكرر كلّما ذكر اسم مغاربة العالم. تابعت ما قيل ويقال في الرباط وطنجة والدار البيضاء ومكناس ووجدة. أحزاب تصرخ. مسؤولون يعدون. تصريحات تتناسل. أوراق تتنقل. وعناوين تلمع بضعة أيام ثم تنطفئ. أمّا نحن فنعود إلى بيوتنا في الغربة، ونضع الوعود في الدرج نفسه الذي نضع فيه فواتير الكهرباء. ملفات مؤجلة. لهذا أقول: لا نريد منكم شيئا. أو لنقلها بطريقة أدق: لا نريد منكم ما تقولونه لنا. نريد منكم ما تستطيعون فعله. وهناك فرق بين الكلام والفعل بحجم الصحراء.

أنا لست ضد الانتخابات. ولست ضد الاقتراع. ولست ضد حق المغربي في المشاركة في الحياة السياسية لبلده. لكن السياسة ليست صلاة يومية يؤديها الإنسان من بعيد ثم يعتقد أنّه أصبح يعرف تفاصيل بيت لم يدخله منذ سنوات. من يعيش خارج المغرب لا يلامس كل صباح مشاكل المدرسة المغربية، والمستشفى المغربي، والإدارة المغربية، والشارع المغربي، والبطالة المغربية، والماء المغربي، والخبز المغربي. لذلك لا أريد أن أختزل قضية مغاربة العالم في صندوق. الصندوق مهم. لكن الإنسان أهم من الصندوق. وإذا كان هناك من يريد فعلا أن يربط مغاربة العالم بالمغرب، فليبدأ من مكان أبسط بكثير. من المؤسسات. من السفارات. من القنصليات. من فتح عدد محدود ومدروس من المواقع أمام كفاءات مغربية تعيش في الخارج. كفاءات تعرف المغرب وتعرف البلد الذي تقيم فيه. تعرف كيف يفكر المغربي هنا، وكيف تفكر المؤسسة هناك. تستطيع أن تكون مترجما بين عالمين دون أن تبيع أحدهما للآخر. نريد جسورا بشرية. لا جسورا من الإسمنت.

أما الثقافة، فهناك جرح لا يراه أحد في باريس. يمكن أن تجد مركزا ثقافيا من كل قارة تقريبا. يمكنك أن تدخل عالما كاملا بمجرد أن تفتح بابا. يمكن لطفل أن يتعرف على ثقافة لا يعرف لغتها، وأن يسمع موسيقى لم يسمعها من قبل، وأن يرى لوحة جاءت من أقصى الأرض. لكن أين المغرب؟ قد يقول أحدهم: هناك «دار المغرب». نعم. لكنني لا أبحث عن دار بالمعنى الإداري. أنا أبحث عن بيت بالمعنى الروحي. هناك فرق بين الدار والبيت. الدار قد تكون بناية. أما البيت فهو مكان لا تحتاج فيه إلى أن تسأل: هل يسمح لي بالدخول؟ أنا أريد مركزا ثقافيا مغربيا في باريس لا يعرف منطق: هذا يدخل. وهذا لا يدخل. هذا قريب. وهذا بعيد. هذا له علاقات. وهذا ينتظر. الثقافة لا ينبغي أن يكون لها حارس على الباب يحمل دفتر أسماء. الثقافة المغربية ليست ملكا لأحد. لا للسياسي. ولا للموظف. ولا للنخبة. ولا للمقربين. هي ملك الطفل الذي لم يولد في المغرب بقدر ما هي ملك الجد الذي دفن فيه.

أتخيل, قارئي العزيز, مبنى صغيرا أو كبيرا، لا يهم. المهم أن تكون له روح. في الصباح يدخل طفل مغربي ليتعلم العربية. وفي القاعة المجاورة طفلة تتعلم الأمازيغية. وفي قاعة أخرى شاب يتعرف على الحسانية. وفي المساء يجلس شاعر ليقرأ قصيدة. وفي اليوم التالي يعرض رسام لوحاته. ثم يأتي موسيقي يعزف العود. ثم فرقة تؤدي موسيقى أندلسية. ثم ليلة للملحون. ثم عرض عن فنون الصحراء. ثم لقاء عن الريف. ثم محاضرة عن تاريخ وجدة. ثم أمسية من مراكش. ثم صوت من طنجة. ثم حكاية من فاس. ثم أغنية من كلميم. ثم طفل يقف على خشبة صغيرة ويقرأ قصيدة كتبها بنفسه. هنا يبدأ المغرب الحقيقي. ليس المغرب الذي نضعه في منشور على فيسبوك. ولا المغرب الذي نرفعه في خطاب. ولا المغرب الذي نستدعيه حين نحتاج إلى التصفيق. بل المغرب الذي يتنفس. المغرب الذي تتعارف فيه الأقاليم. وتتصافح فيه اللهجات. وتلتقي فيه الذاكرات. ويتوقف فيه المغربي الشمالي لحظة كي يسمع المغربي الصحراوي. ويكتشف ابن الدار البيضاء أن ابن وجدة يحمل مغربا مختلفا لكنه ليس أقل مغربية. ويكتشف الأمازيغي أن العربي ليس غريبا. ويكتشف العربي أن الأمازيغية ليست هامشا. ويكتشف الجميع أن المغرب ليس غرفة واحدة. المغرب بيت كثير الغرف. والمصيبة أننا أحيانا نعيش في كل غرفة وحدها.

الطفل المغربي في باريس لا يحتاج إلى درس إضافي عن الوطنية بقدر ما يحتاج إلى تجربة صغيرة تجعل المغرب محسوسا. دعوه يسمع العود. دعوه يرى لوحة مغربية. دعوه يسمع شعرا. دعوه يتعلم كلمة أمازيغية. دعوه يسمع الحسانية. دعوه يرى راقصة من فنوننا الشعبية. دعوه يسأل عن الصحراء. دعوه يعرف لماذا يتحدث جده بهذه الطريقة. دعوه يختلف. دعوه يكتشف. دعوه يحب. لأن الهوية التي تفرض نفسها على الطفل تتحول إلى واجب مدرسي. أما الهوية التي يكتشفها بنفسه فتصير جزءا من دمه. نحن لا نحتاج إلى تلقين المغرب للأطفال. نحتاج إلى جعلهم يعثرون عليه.

من يملك الثقافة يملك نصف المستقبل وهنا تلتقي المسألة بما قالته الفنانة المغربية سمية عبد العزيز في حديثها الأخير عن الثقافة والفن في جريدة الورقاء. كانت تتحدث عن الفنان. عن ضرورة القراءة. عن التكوين. عن الموسيقى المغربية الغنية. عن حاجة الفن إلى صناعة حقيقية. عن القوة الناعمة. لكن كلامها يصلح أيضا لمغاربة العالم. لأنّ الدولة التي تريد أن تمتلك قوة ناعمة لا يمكن أن تترك أبناءها خارج حدودها يتغذون ثقافيا من كل شيء، ثم تطلب منهم وحدهم أن يحتفظوا بالمغرب في الذاكرة. هذا يشبه أن نترك شمعة في المطر ثم نعاتبها لأنها انطفأت. لا تلوموا الجيل الثالث والرابع إذا لم يعرف المغرب، إذا لم نبن له طريقا إليه. وهناك خطأ آخر ينبغي أن نصححه. مغاربة العالم ليسوا رقما في جدول التحويلات. ليسوا موسما اقتصاديا. ليسوا سيارات تعبر الحدود في يوليوز وغشت. ليسوا جيوبا تتحرك في اتجاه واحد. هم بشر. لهم أبناء. لهم أحلام. لهم أسئلة. لهم خوف من أن تبتلع الغربة ذاكرتهم. ولهم أيضا كفاءات وخبرات وطاقات تستطيع أن تخدم المغرب إذا عرف المغرب كيف يفتح لها الباب. لكن لا تجعلوا العلاقة قائمة على: حول. استثمر. اشتر. تعال في الصيف. ثم عودوا إلى فرنسا. هذه ليست علاقة وطن بأبنائه. هذه علاقة فاتورة بزبون. والوطن أكبر من الفاتورة.

لا نريد «مرحبا» عند الحدود ونسيانا بعد الحدود. أريد أن تختفي «مرحبا» من قاموسنا السياسي. أن تختفي بمعناها الاستهلاكي. أن تتقاعد هذه الكلمة بعد سنوات طويلة من العمل الإضافي. لأنها تعبت. رحّبنا كثيرا. وحان وقت البناء. نريد بدلا منها: أهلا بك في مؤسستك. أهلا بك في مركزك الثقافي. أهلا بك في مكتبتك. أهلا بك في مسرحك. أهلا بك في لغتك. أهلا بك في موسيقاك. أهلا بك في ذاكرتك. أهلا بك بين أبناء بلدك. هذه ليست «مرحبا». هذه شراكة في الوطن.

إلى الثقافة. إلى الخارجية. إلى المؤسسات. إلى الأحزاب التي تتحدث عن مغاربة العالم. لا نريد معركة جديدة. ولا نريد بيانات جديدة. ولا نريد وعدا يلمع أسبوعا ثم يختفي في درج . خذوا فكرة واحدة فقط. فكرة تبدو صغيرة. ابنوا مركزا ثقافيا مغربيا مفتوحا في باريس. ثم راقبوا ما سيحدث. قد تكتشفون أنكم لم تبنوا مركزا. بل بنيتم سفارة من نوع آخر. سفارة لا تحتاج إلى حرس. ولا إلى جوازات. ولا إلى مواعيد. سفارة تدخل إليها القصيدة بلا تأشيرة. والموسيقى بلا موعد. والطفل بلا واسطة. والفنان بلا توصية. والأم بلا ملف. والإبن الذي نسي العربية بلا خجل. سفارة للروح المغربية.

وحينها فقط سنعرف أن الدبلوماسية. قد تكون أحيانا قصيدة يقرأها طفل في باريس. وقد تكون عودا يرن في قاعة. وقد تكون كلمة أمازيغية ينطقها طفل للمرة الأولى. وقد تكون أغنية حسانية يسمعها شاب من طنجة. وقد تكون لوحة تجعل ابنة مغربية مولودة في فرنسا تقول فجأة: «هذا يشبه شيئا رأيته عند جدتي.» في تلك اللحظة، يكون المغرب قد عاد إلى الوطن. لكن الوطن هذه المرة لم يكن في المغرب. كان في قلب طفل. وهذا هو المطلوب. لا نريد أن يقال لنا: مرحبا. نريد أن يكون لنا مكان. مكان لا يغلق أبوابه. مكان لا يسألنا من نعرف. مكان لا يقيس مغربيتنا بعدد الصور التي نلتقطها في الصيف. مكان لا يطلب منا إثبات انتمائنا. مكان يقول لابننا، من دون خطبة واحدة: أنت لست ضيفا هنا. ثم يفتح الباب. ويدعه يدخل. فيدخل المغرب معه.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *