الدبلوماسية تستعيد صوت العقل في زمن الصمت

بقلم الإعلامي حميري البشير, -كوبنهاكن

في زمن أصبحت فيه الدبلوماسية في الشرق الأوسط تمشي فوق ركام المدن، وتتعثر في دماء المدنيين، وتبدو فيه الكلمات الدولية أحيانا كأنها طقوس لغوية تؤدى أمام كاميرات العالم ثم تنتهي عند أبواب مجلس الأمن، تكتسب الكلمة الصادرة عن رجل دولة قيمة تتجاوز صاحبها. فليست المشكلة اليوم في نقص البيانات، ولا في ندرة المبادرات، ولا في عجز العالم عن معرفة الطريق. المشكلة أن العالم يعرف الطريق، لكنه يفتقد الإرادة السياسية للسير فيه. لهذا تبدو مواقف وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن جديرة بالتوقف. فالرجل، في حديثه عن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لا يقدم وصفة سحرية، ولا يدعي امتلاك مفتاح سري لغرفة مغلقة منذ عقود. يقول شيئا يبدو بسيطا إلى حد البداهة، لكنه في زمن الانقسام الدولي صار أقرب إلى موقف شجاع: لا مخرج مستداما من الصراع إلا عبر حل الدولتين، دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في سلام وأمن، مع الحفاظ على المسار السياسي ووقف إطلاق النار وتثبيت الهدوء.

هذه ليست جملة دبلوماسية. إنها عودة إلى جوهر السياسة حين تكون السياسة بحثا عن الممكن، لا صناعة للمستحيل. لقد أكد راسموسن في مواقف رسمية سابقة أن الرؤية الطويلة الأمد لا ينبغي أن تضيع وسط دخان الحرب: دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية تعيشان جنبا إلى جنب في سلام. كما شددت الدبلوماسية الدنماركية على أن الحل المستدام للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني يمر عبر حل الدولتين، وعلى ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين. ولعل قيمة هذا الموقف لا تكمن فقط في مضمونه، بل في توقيته. فالشرق الأوسط لا يعاني اليوم من نقص في السلاح بقدر ما يعاني من فائض في اليقينيات المغلقة. كل طرف يملك روايته، وكل حكومة تمتلك قاموسها، وكل قوة كبرى تستطيع أن تجد مبررا لما تريد أن تفعله. وحده الإنسان العادي، الفلسطيني أو الإسرائيلي، يبقى خارج هذه المعادلات الكبرى، ويدفع من جسده ثمن القرارات التي تصنعها غرف السياسة.

في غزة، تحولت الجغرافيا إلى مأساة بشرية. مدن دمرت، عائلات فقدت أبناءها، وملايين البشر عاشوا تحت الخوف والنزوح والحصار. وفي إسرائيل أيضا بقي جرح السابع من أكتوبر حاضرا في الذاكرة الجماعية، بما حمله من قتل ورعب واحتجاز للرهائن. ومن الخطأ السياسي والأخلاقي أن نطلب من شعب أن ينسى مأساته حتى نتمكن من سرد مأساة شعب آخر. الدبلوماسية الحقيقية لا تختار بين الضحايا. الدبلوماسية الحقيقية تبحث عن النظام السياسي الذي يمنع إنتاج ضحايا جدد. وهنا يصبح حل الدولتين أكثر من شعار. يصبح محاولة للخروج من الحلقة المفرغة التي تجعل كل جولة من العنف مقدمة لجولة أخرى، وكل هدنة مجرد استراحة قصيرة بين حربين.

لقد جرب الشرق الأوسط كثيرا من الحلول العسكرية، ولم ينجح أي منها في صناعة سلام دائم. جرب الاحتلال والحصار والانتفاضات والعمليات العسكرية والاغتيالات والصواريخ والردع، وجرب أيضا اتفاقات مؤقتة وترتيبات أمنية ومسارات تفاوضية متقطعة. لكن التاريخ، ذلك الأستاذ القاسي الذي لا يمل من إعادة الامتحان نفسه، يصر على أن القوة تستطيع أن تنتج صمتا مؤقتا، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنتج شرعية سياسية يعيش الناس في ظلها. ولهذا فإن راسموسن حين يدافع عن حل الدولتين لا يدافع عن صيغة مثالية معلقة في سماء الدبلوماسية. إنه يدافع عن فكرة أن السلام يحتاج إلى هندسة سياسية: حدود، دولة، اعتراف، أمن، حقوق، ومؤسسات، لا مجرد وقف لإطلاق النار. الهدنة توقف الرصاص. أما السلام فيغير الشروط التي تجعل الرصاص ممكنا. وهذا هو الفارق الذي ينبغي للعالم ألا ينساه.

ومن هنا أيضا تأتي خطورة الحديث عن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى مصر أو الأردن. فالمسألة ليست مجرد نقل للسكان من جغرافيا إلى أخرى. التهجير القسري، أو تحويل النزوح الناتج عن الحرب إلى حل دائم، يمكن أن ينسف الفكرة السياسية التي يفترض أن ينطلق منها أي سلام مستقبلي. لقد رفضت مصر والأردن بوضوح مشاريع التهجير الجماعي للفلسطينيين خارج أرضهم، كما واجه الطرح الأمريكي السابق بشأن نقل سكان غزة إلى دول الجوار رفضا عربيا واسعا، في حين تمسكت دول عربية رئيسية بإعادة الإعمار من دون اقتلاع السكان وبمسار يقود إلى الدولة الفلسطينية. وهنا تظهر أهمية الموقف الذي يتبناه راسموسن: رفض تحويل المأساة الإنسانية إلى عملية إعادة هندسة ديموغرافية. فالفلسطيني الذي فقد بيته لا ينبغي أن يتحول إلى لاجئ جديد كي يصبح السلام ممكنا. والغزي الذي خرج من منزله تحت القصف لا ينبغي أن يكتشف، بعد انتهاء الحرب، أن الطريق إلى بيته قد أغلق باسم إعادة البناء. الإعمار يجب أن يعيد بناء المدن، لا أن يعيد رسم السكان. وهذا من أكثر المبادئ حساسية في أي تصور مستقبلي لغزة.

لكن المعضلة الأكبر أن حل الدولتين نفسه أصبح أكثر صعوبة مما كان عليه قبل سنوات. المستوطنات، وتغير الوقائع على الأرض، والانقسام الفلسطيني، والتشدد السياسي داخل إسرائيل، وتراجع الثقة، وضعف السلطة الفلسطينية، والتوتر الإقليمي، كلها جعلت المسافة بين الفكرة وتطبيقها أكثر اتساعا. وهنا بالضبط تبدأ السياسة الحقيقية. فالحل الذي يبدو صعبا لا يصبح غير ضروري بسبب صعوبته. والحل الذي يبدو مستحيلا قد يصبح أكثر ضرورة كلما فشلت البدائل. ربما تكون أكبر خدعة سياسية في الشرق الأوسط هي الاعتقاد أن عدم إمكان تنفيذ حل الدولتين اليوم يعني أن البديل هو التخلي عنه. لكن السؤال المنطقي هو: ما البديل؟ دولة واحدة؟ هل يمكن أن تقوم دولة واحدة بين شعبين، مع تاريخين وذاكرتين وحقوق متنازع عليها، من دون أن تتحول إلى نظام دائم للصراع على السلطة والهوية؟ كونفدرالية؟

قد تكون فكرة تستحق البحث، لكنها تحتاج إلى شروط سياسية وأمنية واجتماعية لم تتوفر بعد. الضم؟ إنه لا ينهي الصراع، بل يغير شكله. التهجير؟ إنه لا يحل المشكلة، بل ينقلها إلى جغرافيا أخرى ويترك وراءه جرحا سياسيا مفتوحا لعقود. لذلك يظل حل الدولتين، رغم كل عيوبه ومخاطره وصعوباته، الإطار السياسي الأقل سوءا والأكثر قابلية لأن يتحول إلى تسوية تاريخية. وهنا تظهر أهمية شخصية لارس لوكه راسموسن في المشهد الدبلوماسي الأوروبي. الرجل ليس قادما من خارج السياسة. إنه سياسي دنماركي مخضرم، وعاد إلى وزارة الخارجية في يونيو 2026. لكنه، في القضايا التي تمس الشرق الأوسط، يملك شيئا أصعب من الخبرة: القدرة على الجمع بين الواقعية السياسية والمرجعية الإنسانية. وفي مواقف له أمام مجلس حقوق الإنسان، أكد أن حقوق الإنسان عالمية، لا تتغير بتغير جنسية الإنسان أو دينه أو خلفيته، ثم عاد إلى فلسطين وإسرائيل ليؤكد ضرورة عدم فقدان الرؤية بعيدة المدى القائمة على دولتين تعيشان جنبا إلى جنب في سلام.

هذه اللغة مهمة لأنها تعيد الدبلوماسية إلى أصلها الأخلاقي. الدولة ليست قوية فقط عندما تستطيع حماية مصالحها. الدولة تكون أكثر قوة عندما تستطيع أن تقول لحليفها أيضا: هناك حدود لما يمكن تبريره باسم الأمن. وفي المقابل، يكون التضامن مع الشعب الفلسطيني أكثر صدقا عندما يقترن أيضا برفض قتل المدنيين الإسرائيليين ورفض استهدافهم ورفض الإرهاب. هذه ليست مساواة ميكانيكية بين طرفين يملكان القوة نفسها، وليست محاولة لطمس الفوارق التاريخية والسياسية والقانونية. إنها ببساطة محاولة لاستعادة مبدأ أصبح نادرا في زمن الحرب: حياة المدني ليست أقل قيمة لأنها ولدت في الجانب الخطأ من الحدود. ولعل هذا ما يجعل مواقف راسموسن ذات صدى خاص لدى كثير من المسلمين في الدنمارك وأوروبا. فحين يسمع المواطن المسلم سياسيا أوروبيا يتحدث عن فلسطين بلغة الحقوق والكرامة والحل السياسي، يشعر أن صوته لم يختف تماما خلف الاصطفافات الجيوسياسية. وحين يسمع في الوقت نفسه إدانة قتل المدنيين الإسرائيليين والدفاع عن أمنهم، يصبح الموقف أكثر إقناعا، لأنه لا يقوم على انتقائية إنسانية.

لقد عرفته شخصيا في مناسبة مختلفة، خارج صخب المؤتمرات الرسمية، عندما كانت لي فرصة إجراء حوار معه نشر في جريدة الاتحاد الاشتراكي. وكان برفقة عائلته في تركيا، فكان اللقاء، في بساطته، مختلفا عن اللقاءات السياسية المعتادة. بقي في ذاكرتي منه ذلك الإنسان المتواضع قبل السياسي، والوزير الذي يتحدث عن العلاقات المغربية الدنماركية باعتبارها علاقة قابلة للنمو والتطور، لا مجرد ملف دبلوماسي يوضع في أدراج الوزارات. واليوم، حين أتابع مواقفه من الشرق الأوسط، أجد شيئا من تلك الشخصية في طريقة مقاربته للقضية: قدر من الهدوء في زمن الصراخ، وقدر من الواقعية في زمن الشعارات، وقدر من الإنسانية في زمن أصبحت فيه الأرقام تخفي الوجوه. الدبلوماسي الناجح ليس من يملك إجابة لكل شيء. بل من يعرف السؤال الذي يجب ألا نتوقف عن طرحه. والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحا في الشرق الأوسط هو: كيف نخرج من منطق الانتقام إلى منطق التسوية؟ كيف ننتقل من هدنة تخفف الموت إلى سلام يمنع إنتاجه؟ كيف نحول غزة من مقبرة مفتوحة إلى بداية سياسية؟ وكيف نعيد إلى الفلسطيني حقه في وطن ودولة وكرامة، وإلى الإسرائيلي حقه في الأمن والعيش بلا خوف، من دون أن نجعل حق أحدهما شرطا لسلب حق الآخر؟

هذه هي المساحة التي يمكن للدبلوماسية الدنماركية، وخصوصا مع عودة راسموسن إلى الخارجية، أن تحاول العمل فيها داخل أوروبا وبين الشركاء العرب والأطراف الدولية. وربما يكون الدور الأوروبي الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس تكرار البيانات، بل بناء جسر سياسي بين واشنطن والعالم العربي، وبين إسرائيل والدول العربية، وبين المواقف الأوروبية المختلفة، والدفع نحو صيغة تضع نهاية سياسية للحرب لا مجرد إدارة مستمرة لعواقبها. فالدبلوماسية التي تكتفي بإدارة الأزمة تصبح جزءا من الأزمة. أما الدبلوماسية التي تبحث عن نهايتها فهي التي تستحق اسم الدبلوماسية. لهذا أرى في لارس لوكه راسموسن وزيرا للخارجية يمكن أن يصنع المفاجأة، لا لأنه يحمل عصا سحرية، بل لأن الرجل يبدو مدركا لحقيقة بسيطة كثيرا ما ينساها السياسيون: لا يمكن بناء السلام على أنقاض العدالة، ولا يمكن بناء الأمن على إنكار حقوق شعب كامل.

لقد طال الصراع أكثر مما ينبغي. وكل يوم جديد من الحرب لا يضيف فقط قبرا جديدا، بل يضيف طبقة جديدة من الكراهية إلى ذاكرة شعبين. ولذلك فإن الحل العادل ليس الذي ينتصر فيه الفلسطيني على الإسرائيلي، ولا الذي ينتصر فيه الإسرائيلي على الفلسطيني. الحل الحقيقي هو الذي ينتصر فيه الفلسطيني والإسرائيلي معا على الحرب. دولتان. شعبان. أمن متبادل. حقوق متساوية في الكرامة. حدود قابلة للحياة. قدس لها مكان في تسوية تاريخية. وضمانات دولية تمنع العودة إلى منطق القوة. قد يبدو هذا اليوم بعيدا. لكن البديل ليس أكثر واقعية.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى فكرة جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية لتنفيذ الفكرة التي عرفها العالم منذ عقود. وهنا تحديدا تكمن قيمة صوت لارس لوكه راسموسن. إنه يذكرنا، في زمن اختلطت فيه السياسة بالبارود، بأن الحكمة ليست ضعفا، وأن الواقعية ليست استسلاما، وأن الاعتراف بحق شعب في أن تكون له دولة ليس موقفا ضد شعب آخر. بل ربما يكون هو الشرط الأول كي يتوقف شعبان عن دفن أبنائهما في حرب لا تعرف كيف تنتهي. وفي عالم يزداد ظلاما، قد لا يكون أكثر السياسيين تأثيرا هو من يرفع صوته أكثر. قد يكون هو من يستطيع، وسط ضجيج المدافع، أن يقول بهدوء: ليس هناك طريق دائم إلى السلام من دون دولتين، وليس هناك مستقبل آمن لشعب إذا كان مستقبل الشعب الآخر قد سلب منه. تلك ليست مثالية. تلك هي السياسة حين تستعيد عقلها.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *