حين تتبادل العواصم ظلال الانقلابات

النيجر وفرنسا… حرب الاتهام حين يصبح الصمت دليلا والكلام دخانا

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

هناك بلدان لا تصلها السياسة في هيئة بيانات رسمية، بل تأتيها ليلا، حافية، كريح تعرف طريقها إلى الأبواب المغلقة. والنيجر، في هذه الأيام، تبدو كأنها تستيقظ كل صباح على سؤال جديد، فيما السؤال القديم لم يجد بعد مكانا يدفن فيه. في قلب الصحراء، حيث يبدو الرمل أحيانا كأنه أرشيف هائل لما لم يقل، انفجرت أزمة جديدة: تمرد عسكري أجهض، سلطة عسكرية تقول إنها أحبطت مؤامرة، وحكومة في نيامي تشير بأصبعها إلى باريس. وفي الجهة الأخرى، تجلس فرنسا خلف طاولة الدبلوماسية، وتردّ ببرودة تكاد تكون أكثر صخبا من الصراخ: «هذه محض خيالات». كلمات قليلة، لكنها في مناخ كهذا تشبه حجرا أُلقي في بئر عميقة؛ لا نسمع ارتطامه بالقاع، وإنّما ننتظر دوائر الماء وهي تتسع. وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو نفى، وفق التصريحات المنقولة عن مقابلة مع إذاعة RFI، أن تكون لفرنسا نية أو وسائل لتدبير تمرد داخل المؤسسة العسكرية النيجرية. أما نيامي، فقد ذهبت أبعد من مجرد الاتهام السياسي، متحدثة عن شبكة واسعة من المتواطئين تقودها فرنسا، مع تلويح بإمكان اللجوء إلى القضاء الدولي. هنا لا يعود الخلاف مجرد خلاف بين دولتين. إنه شيء أشد تعقيدا: صراع على تفسير الحقيقة نفسها. فالانقلاب، في إفريقيا الساحلية، لم يعد مجرد لحظة عسكرية تعبرها الدبابات ثم تنتهي. لقد صار لغة سياسية كاملة، تُستدعى فيها الذاكرة الاستعمارية، والتحالفات الجديدة، والروس، والفرنسيون، والجيوش، والحدود، والجماعات المسلحة، وكل الأشباح التي تراكمت على مدى عقود. والنيجر، في هذا المشهد، ليست جزيرة معزولة. إنها إحدى العقد الأكثر حساسية في منطقة تعيد ترتيب خرائط النفوذ بعنف صامت.

فرنسا التي غادرت… ولم تغادر تماما

تكمن قوة الاتهام النيجرِي، بصرف النظر عن صحة أدلته أو ضعفها، في أنه لا يقال في فراغ. ففرنسا ليست بالنسبة إلى السلطة الحالية في نيامي دولة أجنبية عادية. إنها القوة الاستعمارية السابقة، واللغة الفرنسية ما تزال حاضرة في الإدارة والتعليم، فيما الذاكرة السياسية للاستعمار لم تتحول بالكامل إلى صفحة تاريخية مغلقة. لذلك حين تقول نيامي: «فرنسا وراء المؤامرة»، فهي لا تنطق باسم واقعة محددة فقط؛ إنها تستدعي قرنا كاملا من الشكوك. وهذه إحدى أخطر خصائص السياسة في البلدان الخارجة من الاستعمار: الماضي لا يموت حين تنتهي الإدارة الاستعمارية. إنه يغيّر ملابسه. مرة يظهر في الاقتصاد، ومرة في اللغة، ومرة في القواعد العسكرية، ومرة في صورة السفارة، ومرة في خطاب سياسي يبحث عن خصم خارجي كي يشرح للداخل لماذا ما تزال البلاد غارقة في أزماتها. ولهذا يمكن للاتهام أن يكون سياسيا وذاكرة في الوقت نفسه. وقد يكون هذا تحديدا ما يجعل رد باريس شديد الحساسية. ففرنسا لا تدافع عن نفسها أمام اتهامٍ واحد، بل أمام تاريخ كامل يُعاد فتحه كلما ارتجف كرسي السلطة في نيامي.

«لا نية ولا وسيلة»… العبارة التي تحاول إطفاء الحريق

حين يقول وزير الخارجية الفرنسي إنه لم تكن هناك لا «نية» ولا «وسيلة» لتدبير تمرد، فهو لا يكتفي بالنفي. إنه يبني النفي على ركيزتين:

غياب الإرادة، وغياب القدرة-

لكن السياسة الدولية لا تعمل دائما وفق منطق المحاكم، حيث تكفي القرائن لإدانة طرف أو تبرئته. في عالم النفوذ، الشك نفسه يمكن أن يصبح أداة سياسية. وهنا تكمن المفارقة. قد تنفي فرنسا الاتهام نفيا قاطعا، وقد تعجز نيامي عن تقديم دليل علني حاسم، ومع ذلك يبقى الاتهام حيا، لأن البيئة السياسية التي ولد فيها قابلة لتصديقه. وهذا هو الوجه الأكثر مأساوية في الحكاية:

حين تفقد الثقة قدرتها على التنفس، يصبح الدليل متأخرا دائما-

كل طرف يملك روايته. باريس تقول: نحن متهمون بلا أساس. نيامي تقول: نحن نواجه شبكة من المتآمرين. والجمهور، في المسافة بين الروايتين، يقف مثل مسافر في محطة بلا لوحات إرشاد، يسمع قطارين يطلقان صفارتهما في الوقت نفسه ولا يعرف أيهما يحمل الحقيقة.

انقلاب داخل انقلاب

المفارقة التاريخية الأكثر قسوة أن السلطة التي تتحدث اليوم عن حماية الدولة من التمرد وصلت هي نفسها إلى الحكم عبر انقلاب عسكري في يوليو/تموز 2023. ومن هنا تتشكل دائرة سياسية شديدة الغرابة. سلطة وُلدت من انقلاب، ثم تجد نفسها مضطرة إلى مقاومة انقلاب محتمل داخل المؤسسة التي منحتها السلطة. إنه كأن السيف الذي قطع الحبل أول مرة اكتشف أن الحبل نفسه يستطيع أن يلتف حول عنقه. لكن هذه المفارقة لا تعني بالضرورة أن الخطر كان وهما. فالأنظمة العسكرية، مثل الأنظمة السياسية الأخرى، ليست كتلا صلبة. داخل الجيش نفسه مصالح، وولاءات، وتصورات مختلفة لمستقبل البلاد، وعلاقات متباينة مع القوى الخارجية. ولهذا فإن أخطر ما يكشفه التمرد، حتى عندما يفشل، ليس عدد الجنود الذين حملوا السلاح. بل درجة هشاشة الإجماع داخل السلطة. فالسلطة قد تنتصر عسكريا في ليلة، لكنها تكتشف في صباح اليوم التالي أن شيئا ما قد انكسر في جدارها.

روسيا تدخل من النافذة التي أغلقتها فرنسا

منذ وصول المجلس العسكري إلى الحكم، اتجهت النيجر نحو تقليص علاقتها بفرنسا وتعميق تعاونها مع روسيا. وهنا لا يمكن قراءة الأزمة الجديدة بمعزل عن التحول الجيوسياسي الأوسع في الساحل. إنها ليست فقط قصة نيامي وباريس. إنها أيضاً قصة انتقال تدريجي من منظومة نفوذ إلى أخرى. الفراغ لا يبقى فراغا طويلا في السياسة الدولية. إذا خرجت قوة منه، ستدخل قوة أخرى. وإذا أُغلقت بوابة، بحثت المصالح عن نافذة وهكذا أصبحت روسيا، بالنسبة إلى السلطات العسكرية في منطقة الساحل، شريكا بديلا أو سندا أمنيا وسياسيا في مواجهة ما تعتبره إرثا من الوصاية الغربية. لكن هنا ينبغي الحذر من الوقوع في سردية بسيطة تقول إن إفريقيا انتقلت من «فرنسا» إلى «روسيا». الحقيقة أكثر تعقيدا. الدول الإفريقية ليست رقع شطرنج تنتقل عليها أصابع القوى الكبرى فحسب. لديها حساباتها الداخلية، وأزماتها الأمنية، وجيوشها، وشوارعها، ونخبها، وذاكرتها، ومصالحها. إنها تحاول، في كثير من الأحيان، أن تستخدم التنافس الدولي لصالحها. غير أن اللعب بين العمالقة يحمل دائما خطرا قديما: أن يظن اللاعب أنه يدير اللعبة، بينما اللعبة هي التي تدير خطواته.

لماذا تحتاج السلطة إلى عدوّ خارجي؟

هذه هي النقطة الأكثر حساسية. حين تواجه سلطة عسكرية اضطرابات داخلية، يصبح وجود خصمٍ خارجي مفيدا سياسيا. ليس بالضرورة لأن المؤامرة الخارجية غير موجودة. بل لأن وجودها، إذا أمكن إثباته، يمنح السلطة تفسيرا جاهزا للفوضى. المشكلة الأمنية تصبح «اعتداء خارجيا». المعارضة تصبح «امتدا لمؤامرة». والغضب الشعبي يمكن أن يعاد توجيهه نحو الخارج. لكن الخطر هنا أن تتحول هذه الآلية إلى إدمان سياسي. كل أزمة تحتاج خصما. وكل تمرد يحتاج يدا أجنبية. وكل فشل يحتاج إلى سفارة تقف في الظلام خلف الستارة. وحين يحدث ذلك، يصبح من الصعب جدا على السلطة أن تنظر إلى داخل المرآة.

باريس أيضا لا تتحرك في فراغ

لكن اختزال كل شيء في «دعاية المجلس العسكري» سيكون تبسيطا لا يقل خطرا. فرنسا نفسها تحمل إرثا ثقيلا في المنطقة. عقود من الحضور العسكري والسياسي والاقتصادي جعلت اسمها أكبر من حدود سفاراتها. وحين تتراجع القوة الفرنسية من الساحل، فإنها لا تفقد مواقع عسكرية فقط؛ إنها تفقد جزءا من نفوذ تاريخي كان يبدو في وقت ما شديد الرسوخ. لذلك فإن كل أزمة في منطقة الساحل تُقرأ في باريس أيضا من زاوية المنافسة الاستراتيجية. ما الذي ستفعله روسيا؟ كيف ستتطور الجماعات المسلحة؟ ما مصير المصالح الأوروبية؟ كيف ستتغير موازين القوى؟ وما الذي سيبقى من النفوذ الفرنسي؟ هذه الأسئلة تجعل فرنسا طرفاً في المعادلة حتى عندما تنفي أن تكون طرفا في المؤامرة. وهذه نقطة جوهرية: أن تكون لاعبا في البيئة السياسية لا يعني بالضرورة أن تكون مدبرا لكل حدث يقع فيها. والخلط بين الأمرين هو الذي يحول التحليل إلى أسطورة.

الحقيقة في مكان ما بين الدخان

حتى الآن، وفق الرواية الواردة في التصريحات، يظل الاتهام النيجرِي بحاجة إلى أدلة علنية مقنعة تثبت تورط فرنسا مباشرة في تحريك العسكريين. وفي المقابل، فإن النفي الفرنسي لا يكفي وحده لإغلاق الملف. ذلك لأن السياسة لا تُحسم دائماً بعبارة «نعم» أو «لا». السؤال الحقيقي يجب أن يكون: من خطط؟ من موّل؟ من اتصل؟ من حرّك؟ ما الوثائق؟ ما الاتصالات؟ ما الشهادات؟ وما سلسلة الأحداث التي تربط الفاعلين بعضهم ببعض؟ من دون هذه الأسئلة، يتحول الملف إلى حرب روايات. والروايات، في زمن الاستقطاب، تستطيع أن تعيش أطول من الحقائق.

النيجر أمام مرآة مكسورة

ربما تكون المأساة الأكبر أن النيجر، التي تحتاج إلى الاستقرار أكثر من أي وقت مضى، تجد نفسها عالقة في معركة على من يملك حق تعريف الخطر. في بلد يواجه تحديات أمنية واقتصادية عميقة، يصبح الصراع على السلطة أكثر من مجرد منافسة بين رجال يرتدون بزات عسكرية. إنّه صراع على مستقبل الدولة نفسها. هل تستطيع السلطة العسكرية بناء شرعية تتجاوز شرعية السلاح؟ هل يمكنها أن تقنع المجتمع بأن التحالفات الخارجية تخدم البلاد لا النظام؟ هل تستطيع مواجهة الجماعات المسلحة من دون أن تتحول الحرب على الإرهاب إلى مبرر دائم لتأجيل السياسة؟ وهل يمكنها أن تنفتح على العالم من دون العودة إلى علاقة التبعية التي تقول إنها تريد التخلص منها؟ تلك هي الأسئلة الثقيلة التي تختبئ خلف عبارة واحدة: «فرنسا متورطة».

وفي آخر المشهد… لا أحد يملك السماء

في هذه الحكاية، يبدو كل طرف كأنه يحمل قطعة من الليل. فرنسا تحمل نفيها. النيجر تحمل اتهامها. روسيا تحمل حضورها الجديد. والجيش يحمل خوفه من انقسام الصفوف. أما المواطن العادي، فيحمل شيئا أثقل من الجميع: انتظارا طويلا لدولة لا تضطر كل صباح إلى البحث عن عدو كي تشرح لنفسها سبب بقائها. الصحراء لا تصرخ. إنها فقط تحفظ آثار الأقدام. ولعل هذا ما ينبغي أن تفعله السياسة أيضا: أن تحفظ آثارها، وأن تتوقف لحظة قبل أن تطلق أحكامها. ففي النيجر، كما في الساحل كله، ليست المشكلة في أن هناك من يتهم فرنسا، أو أن فرنسا ترد بالنفي. المشكلة الأعمق هي أن الثقة نفسها أصبحت أرضا محروقة. وحين تحترق الثقة، لا يكفي أن تقول الحقيقة إنها موجودة. عليها أن تجد طريقا إلى الناس. أما البيانات، مهما كانت قوية، فتظل أوراقا بيضاء في مهب الصحراء. تطير. تدور. ثم تختفي. ويبقى الرمل وحده، صامتا، شاهدا على أنه حين نغادر الأرض لا نأخذ معها ذاكرتها، وأن الانقلابات حين تفشل لا تعني أن جذورها ماتت، وأنّ الدّول حين تتبادل الاتهامات قد تكتشف، بعد فوات الأوان، أنها كانت تتقاتل على الظلال بينما كان الجرح الحقيقي ينزف في مكان آخر. هناك، في قلب النيجر، حيث لا يحتاج الليل إلى مؤامرة كي يكون طويلا.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *