بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة نساء إذا هبّت العاصفة احتمينَ بجدران الصمت، وثمة نساء إذا انشقّت السماء فوق رؤوسهنّ رفعن أعينهنّ إليها كأنهنّ يعرفن اسم الريح. رشيدة داتي من الصنف الثاني. ليست الحكاية هنا عن امرأة لم تعرف السقوط؛ بل عن امرأة تعلّمت، منذ زمن بعيد، أن السقوط نفسه قد يكون درجة أخرى في سلّم الصعود. ففي اللحظة التي تبدو فيها صورتها السياسية محاصرة بالأسئلة، والمحكمة تفتح أبوابها، والخصوم يحدّقون في مسارها كما يحدّق الصياد في أثر على الثلج، تختار هي أن تعود إلى المكان الذي خرجت منه ذات يوم: إلى القضاء، إلى الرداء الذي تركته وراءها وهي تدخل عالم السياسة. كأنها لا تغادر الأبواب حقا؛ كأن الأبواب هي التي تتبدّل من حولها. في سبتمبر، ستكون أمام القضاء في قضية تتعلق باتهامات بالفساد واستغلال النفوذ على خلفية علاقاتها السابقة بمصالح رينو وكارلوس غصن. إنّها لحظة ثقيلة، لا تخفى ثقلها حتى على أكثر الوجوه السياسية صلابة. لكن المفارقة التي تمنح المشهد غرابته أنّ داتي، بدل أن تتراجع إلى الظل، طلبت العودة إلى جهاز العدالة نفسه، في منصب «نائب أول للنيابة بالإدارة المركزية للعدل»، بانتظار رأي المجلس الأعلى للقضاء. هنا تبدأ الرواية الأكثر غرابة. امرأة تنتظر محاكمة، فتطلب في الوقت نفسه أن تعود إلى بيت العدالة. ليست مفارقة صغيرة. إنها واحدة من تلك المفارقات التي تبدو كأن كاتبا عبثيا جلس ليكتب السياسة الفرنسية تحت ضوء قمر مريض.
قد يقرأ البعض هذه العودة بوصفها مناورة سياسية، وقد يراها آخرون عودة مهنية طبيعية لشخص قضى سنوات طويلة في قلب المؤسسة القضائية قبل أن يعبر إلى السياسة. وبين القراءتين تمتد مساحة واسعة من الشك والتأويل. لكن ما يستحق التأمل ليس فقط السؤال: لماذا عادت؟ بل السؤال الأعمق: أيّ شيء في داخل الإنسان يجعله يعود إلى ماضيه حين يصبح مستقبله غائما؟ ربما لأنّ الإنسان، حين تضيق به الجغرافيا، يبحث عن أوّل أرض عرف فيها اسمه. وداتي تعرف القضاء كما يعرف البحّار رائحة الملح. قبل الوزارة، وقبل الثقافة، وقبل بلدية الدائرة السابعة في باريس، كانت هناك القاضية. كانت هناك امرأة شقت طريقها في مؤسسة شديدة الصرامة، ثم غادرتها إلى المسرح السياسي الأكثر ضجيجا. وفي السياسة، لم تكن يوما شخصية قابلة للذوبان. كانت حادة الخطوط، واضحة الحواف، امرأة لا تحاول كثيرا أن تجعل نفسها محبوبة. وهذا تحديدا جزء من سرّها. ففي زمن سياسي يميل إلى صناعة الوجوه الناعمة، اختارت داتي أن تكون وجها صعبا. والوجوه الصعبة لا تنكسر بسهولة؛ لكنها لا يغفر لها بسهولة أيضا.
ثمة شيء من الحزن في هذه الحكاية. ليس حزن امرأة ضعفت، وإنّما حزن امرأة تضطر باستمرار إلى إثبات أنّها لم تضعف. ذلك النوع من الحزن الذي لا يبكي. حزن يجلس مستقيم الظهر. يضع يديه فوق الطاولة. وينظر إلى العاصفة دون أن يطلب منها الرحيل. لقد هُزمت داتي في الانتخابات البلدية في باريس في مارس. وهذه، في حد ذاتها، ضربة سياسية. لكن الهزيمة الانتخابية لم تتحوّل في قصتها إلى نهاية فصل، بل إلى ممر آخر. وها هي، في سن الستين، تستعيد صلتها بالمؤسسة القضائية. كأنها تقول للحياة، من دون أن تقول شيئا: لم تنته القصة بعد. وهذه ربّما هي الصفة الأكثر إثارة للانتباه فيها: القدرة على تحويل الانكسار إلى حركة. هناك أشخاص إذا أُغلقت أمامهم نافذة جلسوا تحتها يبكون. وهناك أشخاص يبحثون عن باب آخر. وداتي، على ما يبدو، من أولئك الذين لا يملكون غواية البكاء طويلا.
لكن عودة القاضية السابقة إلى القضاء، وهي على مشارف محاكمة، تحمل سؤالا أخلاقيا وسياسيا لا ينبغي أن يختفي خلف براعة الشخصية. فالعدالة ليست مسرحا للرموز. والقضاء، تحديدا، يفقد شيئا من هيبته حين يُنظر إليه باعتباره مجرد محطة في لعبة المواقع. لذلك فإن حساسية اللحظة لا تتعلق بداتي وحدها، بل بالصورة التي يمكن أن تتركها هذه العودة في وعي الناس: أين تنتهي الحياة المهنية، وأين تبدأ المسؤولية الأخلاقية؟ وهل يستطيع المرء أن يعود إلى المؤسسة التي ستنظر في قضية تخصه، أو إلى محيطها الإداري، من دون أن تلاحقه ظلال موقعه السياسي السابق؟ هذه أسئلة لا تجيب عنها الصلابة الشخصية. ولا تحسمها الكاريزما. ولا تكفيها القدرة على الوقوف أمام الكاميرات. الذي يحسمها هو شيء أكثر برودة من كل ذلك: المؤسسات، والقواعد، والاستقلال، والوقائع التي ستظهر أمام القضاء. وهنا تحديدا يجب أن يبقى الهدوء. فالقضية لم تُحسم بعد، والاتهام ليس إدانة، والمحكمة وحدها تملك الكلمة القانونية الأخيرة.
ومع ذلك، تظل داتي شخصية عصية على القراءة السريعة. هي ابنة مسار اجتماعي لم يكن مفروشا بالحرير، وامرأة دخلت دوائر السلطة الفرنسية من باب لم يكن يتوقع كثيرون أن يفتح لها. ثم أصبحت وزيرة للعدل، وبعدها وزيرة للثقافة، وظلت حاضرة في السياسة حتى حين بدا أن السياسة نفسها تريد طرد بعض وجوهها القديمة. ولذلك فإن قصتها أكبر من قضية. إنها قصة علاقة الإنسان بالسلطة حين تصبح السلطة جزءاً من جلده. السلطة، في حياة بعض السياسيين، ليست كرسيا. إنها لغة. وحين يتقن الإنسان لغة زمنا طويلا، يصبح الصمت عنها شبيها بفقدان الصوت. ربما لهذا لا تبدو عودة داتي إلى القضاء مجرد انتقال إداري من منصب إلى منصب. تبدو، في بعدها الرمزي، كأنها محاولة لاستعادة لغة قديمة؛ لغة أكثر صرامة، أقل لمعانا، وأكثر قربا من الجذور الأولى.
في الخارج، سبتمبر يقترب. باريس تستعد لخريفها. الأوراق ستبدأ بالسقوط من الأشجار، والمحكمة ستفتح أبوابها، والصحافة ستملأ الهواء بالأسئلة، والخصوم سيجدون في كل حركة مادة جديدة للتأويل. وفي الداخل، ستكون امرأة في الستين من عمرها أمام امتحان لا تستطيع فيه البلاغة أن تنقذها. هناك لحظة، في حياة كل شخصية عامة، يتوقف فيها الجمهور عن التصفيق والهتاف، ويجلس ينتظر الوقائع. هناك فقط يصبح المرء وحيدا. وحينها لا تنفع الصورة. لا ينفع اللقب. لا تنفع الوزارة السابقة. ولا البلدية. ولا شبكة العلاقات. يبقى الإنسان وحده أمام ميزان لا يعرف المجاملة. وهذا هو المشهد الذي يجعل قصة داتي مثيرة إلى هذا الحد: امرأة أمضت حياتها وهي تصارع لكي تصل إلى مركز الضوء، تجد نفسها الآن أمام ضوء آخر، أكثر قسوة، لا يصنعه التلفزيون ولا الانتخابات، وإنما تصنعه قاعة المحكمة. ومع ذلك، ها هي تمضي. لا تركض. لا تختبئ. لا تصرخ. تمشي. كأن العاصفة، مهما ارتفع صوتها، لا تزال مجرد طقس.
قد يختلف المرء مع رشيدة داتي. وقد يعترض على خياراتها. وقد يرى في مسيرتها نموذجا للصعود السياسي الجريء، أو مثالا على براعة سياسية لا تخلو من الجدل. لكن من الصعب ألا يتوقف أمام هذه القدرة الغريبة على البقاء. إنّها ليست بطولة بالمعنى الرومانسي للكلمة. فالبطولة ليست أن لا تخاف. البطولة، أحيانا، أن تعرف أن شيئا ثقيلا ينتظرك خلف الباب، ثم تفتح الباب على مهل. وربما لهذا تبدو داتي، في هذه اللحظة، كأنّها امرأة خرجت من لوحة سريالية: بيد تحمل ملفات القضاء، وبالأخرى بقايا السياسة، وخلفها باريس، وفوق رأسها سماء مشقوقة بالبرق. لا شيء في المشهد طبيعي تماما. امرأة ستُحاكم في سبتمبر، وتعود في الوقت نفسه إلى مؤسسة العدالة. مدينة هزمتها في الانتخابات، لكنها لم تستطع أن تخرجها من المشهد. وماض قضائي تعود إليه بعدما ظن الجميع أنها أصبحت ابنة كاملة للسياسة. كل شيء يلتقي في نقطة واحدة. امرأة لا تهزها العواصف، ليس لأنها أقوى من العاصفة، بل لأنها تعلّمت أن تعيش وفي صدرها عاصفة أخرى. وهنا تكمن غرابة رشيدة داتي. ليست امرأة بلا جراح. بل امرأة لا تعرض جراحها للبيع. ولا تطلب من العالم أن يشفق عليها. تتركه يحدق. ثم تمضي. وفي السياسة، كما في الحياة، ربما تكون أقسى أشكال القوة أن تمضي بهدوء، بينما العالم من حولك يرفع صوته. فهي لا تنتصر دائما. لكنّها، حتى حين تخسر، تعرف كيف تبقى واقفة. وفي انتظار أن تتكلم المحكمة، يبقى الصمت أبلغ من كل الأحكام. ويبقى سبتمبر، في آخر الممر، واقفا مثل باب لا يعرف أحد بعد ماذا سيخبئ وراءه.
📲 Partager sur WhatsApp