بقلم الإعلامي حيمري البشير-كوبنهاكن
يبقى استرجاع سبتة ومليلية، في الوجدان السياسي المغربي، قضية وطنية تتجاوز الحسابات الحزبية والظرفيات السياسية العابرة. وهي، في جوهرها، ليست ملفً طارئا أفرزته أزمة دبلوماسية أو تصريحا لوزير أو ردّ فعل على حدث عابر، وإنما قضية متصلة بتاريخ طويل من الصراع حول السيادة والحدود والإرث الاستعماري في شمال المغرب. ولذلك فإن الاختلاف، حين يوجد، لا يتعلق من حيث المبدأ بحق المغرب في إثارة قضية المدينتين، بقدر ما يتعلق بالوسائل والتوقيت والظروف التي يمكن أن تجعل هذا المطلب أكثر حضورا وفاعلية في السياسة الدولية.
من هنا، فإن ردود الفعل الإسبانية الأخيرة على تصريحات بعض المسؤولين المغاربة بشأن سبتة ومليلية تستحق التوقف والتأمل، ليس فقط بسبب حدتها، وإنما بسبب ما تكشفه من حساسية شديدة تجاه مجرد إعادة طرح سؤال السيادة على المدينتين. واللافت أن الخطاب الإسباني الرسمي، في أغلب مكوناته السياسية، يتعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما جزءا غير قابل للنقاش من التراب الإسباني، وكأن مجرد المطالبة المغربية بإعادة فتح هذا الملف يمثل استفزازا أو خروجا عن المألوف السياسي. بينما يرى المغرب، تاريخيا وسياسيا، أن المدينتين واقعتان على التراب المغربي وأن وجود إسبانيا فيهما هو امتداد لوضع استعماري لم يُغلق ملفه بصورة نهائية.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى. فإسبانيا نفسها ما زالت تتمسك، وبقوة، بمطالبتها باستعادة جبل طارق من بريطانيا العظمى. وتعتبر أن وجود السيادة البريطانية على صخرة تقع في أقصى جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية يمثل قضية وطنية لا ينبغي إسقاطها من الذاكرة السياسية، مهما طال الزمن. ومن الطبيعي أن يدفع هذا الموقف الإسباني المغاربة إلى طرح سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته: إذا كان من المشروع لإسبانيا أن تتمسك بمطلب استعادة جبل طارق، فلماذا يصبح من غير المشروع للمغرب أن يتمسك بمطلب استعادة سبتة ومليلية؟ ليست المسألة هنا مقارنة ميكانيكية بين قضيتين تختلف ظروفهما التاريخية والقانونية، وإنما تتعلق بمبدأ سياسي وأخلاقي أكثر اتساعا: هل تتجزأ شرعية المطالبة بالسيادة بحسب هوية الدولة التي ترفعها، أم أن حق الشعوب في الدفاع عن تصورها لوحدة أراضيها ينبغي أن يكون مبدأ عاما لا يخضع للانتقائية؟
لقد أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بجبل طارق إلى الواجهة مسألة لطالما ظلت حاضرة في الوعي المغربي. وما كان بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الإسبان قضية سيادة وطنية، أصبح مناسبة لدى قطاعات من المغاربة لإعادة طرح قضية سبتة ومليلية، لا باعتبارها رد فعل انفعاليا، وإنما باعتبارها جزءا من تصور تاريخي للسيادة الوطنية لم يسقط بالتقادم. ومع ذلك، من المهم التمييز بين الموقف الشعبي المغربي وبين الأحداث التي شهدتها سبتة في الآونة الأخيرة. فالمطالبة السياسية باسترجاع المدينتين قضية، والأحداث الميدانية أو محاولات اقتحام الحدود قضية أخرى. وليس من الإنصاف، سياسيا أو أخلاقيا، تحميل عموم المغاربة مسؤولية أحداث شارك فيها أفراد أو مجموعات، ولا تحويل قضية السيادة إلى ذريعة لإدانة شعب بأكمله أو النظر إلى الجالية المغربية في إسبانيا باعتبارها طرفا في نزاع سياسي.
وهنا تحديدا ينبغي أن يكون الخطاب السياسي أكثر مسؤولية. فالجالية المغربية المقيمة في إسبانيا ليست أداة في صراع الدول، ولا ينبغي أن تتحول إلى ضحية للتوتر الدبلوماسي. إنّ أيّ ارتفاع في خطاب الكراهية أو الإقصاء أو تحميل المغاربة المقيمين في إسبانيا مسؤولية مواقف الدولة المغربية سيكون تطورا خطيرا، لأنه ينقل الخلاف من مستواه السياسي والدبلوماسي إلى مستوى اجتماعي وإنساني لا ينبغي أن يدفع ثمنه مواطنون يعيشون ويعملون ويساهمون في المجتمع الإسباني. لكن الإشكال الأعمق لا يكمن هنا فقط. إن ما يستحق النقاش هو الموقف السياسي الإسباني نفسه، خصوصا عندما يتحول الدفاع عن الوضع القائم في سبتة ومليلية إلى مبدأ ثابت تتفق عليه، بدرجات متفاوتة، قوى سياسية من اتجاهات مختلفة، من اليمين إلى اليسار. فالمسألة، في هذه الحالة، تتجاوز الحكومة القائمة، لتكشف عن تصور راسخ لدى قطاعات واسعة من الطبقة السياسية الإسبانية يعتبر إسبانية المدينتين أمرا محسوما ونهائيا، بينما يُنظر إلى المطالبة المغربية بهما باعتبارها مطالبة غير واقعية أو حتى استفزازية.
وهذا تحديدا ما يجعل النقاش أكثر أهمية. فإذا كانت الديمقراطية تقوم، في أحد أبعادها الأساسية، على احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى رفض منطق فرض الأمر الواقع التاريخي بوصفه حقيقة أبدية، فإن السؤال المشروع هو: كيف يمكن التوفيق بين خطاب ديمقراطي مناهض للاستعمار في مناطق من العالم، وبين الدفاع عن استمرار وضع تعتبره دولة أخرى امتدادا لتراث استعماري؟ ولا يمكن هنا تجاهل الموقف المتقدم الذي اتخذته الحكومة الاشتراكية الإسبانية من القضية الفلسطينية. فقد أظهرت إسبانيا، في السنوات الأخيرة، استعدادا سياسيا واضحا لدعم إقامة الدولة الفلسطينية والتمسك بحل الدولتين، ورفض استمرار الاحتلال والاستيطان، والدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وهو موقف يحظى، من حيث المبدأ، بتقدير واسع في العالم العربي والمغرب، لأنه يستند إلى مفردات سياسية وأخلاقية طالما ارتبطت بالديمقراطية وحقوق الشعوب والقانون الدولي.
لكن المفارقة تبرز عندما ننتقل من فلسطين إلى شمال المغرب. فالدفاع عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، ورفض الاحتلال ومصادرة الأرض وفرض الأمر الواقع، ينسجم منطقيا مع منظومة قيم تقوم على احترام حقوق الشعوب وتقرير مصيرها. غير أن هذه المنظومة نفسها تصبح موضع سؤال عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية، حيث يبدو أن الاعتبارات الوطنية الإسبانية تتقدم على النقاش المرتبط بالإرث الاستعماري وحق المغرب في طرح قضية السيادة على المدينتين. وهنا لا يتعلق الأمر باتهام إسبانيا بازدواجية المعايير بصورة سطحية، وإنما بطرح سؤال أكثر هدوءا وعمقا: هل تستطيع الديمقراطيات أن تطبق مبادئها خارج حدود مصالحها الوطنية المباشرة، أم أن القيم تتغير عندما تصطدم بالسيادة والمصالح الجيوسياسية؟ ذلك هو السؤال الحقيقي. فالمغرب لا يحتاج إلى الانفعال لكي يثبت أن قضية سبتة ومليلية حاضرة في ذاكرته السياسية. ولا يحتاج إلى تصعيد لفظي دائم لكي يؤكد تمسكه بموقفه. وربما يكون الهدوء الرسمي المغربي، في هذه المرحلة، أكثر فاعلية من الدخول في سجال مفتوح مع مدريد، لأن القضايا التاريخية الكبرى لا تُحسم بالبيانات المتبادلة، وإنّما بالنَفَس الطويل، وتراكم المواقف، وإدارة المصالح، وبناء القوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
إنّ اختيار المغرب للهدوء لا يعني، بالضرورة، التخلي عن المطالب الوطنية، كما أنّ غياب التصعيد لا ينبغي أن يُفهم على أنّه قبول بالأمر الواقع. فالسياسة، في كثير من الأحيان، ليست فن إعلان المواقف فحسب، وإنّما فن الاحتفاظ بها إلى أن تتغير الظروف التي تجعل تحقيقها ممكنا. ولعل هذه النقطة هي الأكثر أهمية في قضية سبتة ومليلية. فالمغرب يستطيع أن يختلف مع إسبانيا دون أن يحول الخلاف إلى عداء، وأن يتمسك بمطالبه دون أن يهدد علاقاته مع جار أوروبي تربطه به مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية عميقة. كما تستطيع إسبانيا، إذا أرادت أن تقدم نفسها بوصفها دولة ديمقراطية تؤمن بحقوق الشعوب، أن تتعامل مع المطالب المغربية باعتبارها قضية سياسية وتاريخية قابلة للنقاش، لا باعتبارها استفزازا يجب إسكات صوته. فالاعتراف بوجود قضية لا يعني بالضرورة القبول بمطالب الطرف الآخر، كما أن فتح باب الحوار لا يعني التنازل عن الموقف الوطني.
فإن قوة الموقف المغربي لا تكمن في رفع سقف الخطاب، ولا في الدخول في مواجهة مع إسبانيا، ولا في تحويل الجالية المغربية إلى طرف في النزاع. قوته الحقيقية تكمن في أن تظل القضية حاضرة في الذاكرة الوطنية والسياسة الخارجية، وأن تُدار بعقل استراتيجي طويل النفس، بعيدا عن الانفعال وردود الفعل الآنية. أما إسبانيا، فإن أمامها بدورها فرصة لمراجعة الطريقة التي تتعامل بها مع هذا الملف. فالديمقراطية ليست فقط صناديق اقتراع ومؤسسات منتخبة، وإنما هي أيضا اتساق بين المبادئ والمواقف، واحترام حق الآخر في طرح قضاياه التاريخية، مهما كانت تلك القضايا صعبة أو غير مريحة. وإذا كانت مدريد ترى أن جبل طارق قضية سيادة لا يمكن إسقاطها من الحساب، فمن حق الرباط أن ترى في سبتة ومليلية قضية سيادة لا يمكن دفنها تحت ركام الزمن.
قد يختلف الطرفان حول التاريخ والقانون والتفسير السياسي، وقد يطول أمد الخلاف عقودا أخرى، لكن شيئا واحدا ينبغي أن يكون واضحا: الهدوء المغربي لا يعني النسيان، وعدم التصعيد لا يعني التخلي، وطول الزمن لا يحول بالضرورة القضية الوطنية إلى قضية منتهية. إن الملفات التي ترتبط بالذاكرة والسيادة لا تموت لأنها غابت مؤقتا عن واجهة الأحداث؛ إنها تنتظر اللحظة التي تتغير فيها موازين السياسة، وتصبح فيها التسويات الممكنة أكثر اتساعا من حسابات اللحظة الراهنة. ولهذا، فإن الحكمة اليوم ليست في الصراخ من أجل سبتة ومليلية، ولا في الصمت عنهما، وإنما في امتلاك القدرة على إبقاء القضية حيّة، وإدارتها بذكاء، حتى يأتي الزمن الذي تصبح فيه الأسئلة المؤجلة قابلة للطرح من جديد، بعيدا عن الانفعال، وقريبا من منطق التاريخ والسياسة ومصالح الشعوب.
📲 Partager sur WhatsApp
أمام سؤال السيادة، تخرس ألسن السياسة الحزبية ةالايديولوجا. السيادة هي واحد كل شعب تاريخي.
سؤال السيادة سؤال وجود أبدي، وإلا تعرضت الجغرافيا لحمق العقل السياسي- الشعبوي. والجملة نحن أمام قضية أكون أو لا أكون بالأسلوب الذي أقرر في شأنه ، لما يتعلق الأمر بالإقامة فوق الأرض التي كتبت بالتاريخ والذاكرة والفن …على أنها أرض-يييي.