جيل قمش واقتصاد الرغبة في عصر الطفولة

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

في السادسة صباحا، حين يكون معظم البشر في ذلك الجزء من العالم قد وضعوا رؤوسهم تحت الأغطية، وحين تكون القهوة نفسها لم تستيقظ بعد لتؤدي وظيفتها التاريخية في إنقاذ البشرية من سوء مزاج الصباح، خرج طفلان ألمانيان في رحلة تسوق. العمر: سنتان وثلاث سنوات. الملابس: حفاضتان وغطاء. الهدف: شراء حذاء جديد. المكان الذي وصلا إليه: محطة قطار. وهنا، لو كان الجاحظ جالسا في ركن من محطة Rülzheim، لربما أغلق كتابه، ونظر إلى الطفلين، وقال: يا قوم، لقد تغيرت الدنيا، وصار الصبيان يذهبون إلى السوق قبل أن يتعلموا كيف يربطون حذاءهم.

والحكاية، في ظاهرها، تصلح لنكتة. لكنّها في باطنها تصلح لفصل كامل من كتاب عن الإنسان. ففي صباح السبت الماضي، عثر مسافرون في محطة Rülzheim، في جنوب ولاية راينلاند-بفالتس الألمانية، على طفلة في الثانية من عمرها وشقيقها البالغ ثلاثة أعوام، يقفان وحدهما على رصيف المحطة، وقد كانا يرتديان حفّاضتيهما ويلتفّان بغطاء. فأبلغ الشهود الشرطة، التي حضرت وأخذت الطفلين إلى مكان آمن. وحين سألهم رجال الشرطة، بلطف، عن سبب وجودهما هناك، جاءت الإجابة التي ربما كان ينبغي أن تدخل كتب الفلسفة الحديثة تحت عنوان «اقتصاد الرغبة في عصر الطفولة»: نريد شراء أحذية جديدة. هكذا ببساطة. لا مؤامرة. لا هروب من السجن. لا انقلاب على الحكومة. لا رسالة مشفرة إلى الأمم المتحدة. فقط أحذية.

الحذاء، في هذه القصة، هو البطل الثالث. فالطفل في الثالثة لا يعرف بعد شيئا عن أسعار الطاقة، ولا عن أسعار الفائدة، ولا عن التضخم، ولا عن الانتخابات، ولا عن مستقبل أوروبا، لكنّه يعرف شيئا عظيما: أن القدم تحتاج إلى حذاء. وهذا، من وجهة نظر فلسفية، اكتشاف مبكر للغاية لمعنى الاقتصاد. كان أرسطو يسأل عن الغاية. والطفلان عرفا الغاية. الحذاء. أما الوسيلة، فقد كانت أكثر تعقيدا قليلا. الخروج من الغرفة. فتح الباب. مغادرة المنزل. الوصول إلى المحطة. ثم انتظار القطار، أو ربما انتظار الحذاء الذي لم يكن موجودا في المحطة أصلا. وهنا تبدأ العبقرية الطفولية. فالطفل لا يرى العالم كما نراه نحن. نحن نرى المسافة. هو يرى الهدف. نحن نقول: «المتجر مغلق». هو يقول: «سنذهب إليه». نحن نقول: «لا نملك مالا». هو يقول: «سنشتري». نحن نقول: «الساعة السادسة صباحا». هو يقول: «وماذا في ذلك؟»

الطفولة، في بعض لحظاتها، هي المرحلة الوحيدة التي يكون فيها الإنسان واثقا من العالم أكثر مما ينبغي. ولذلك فإن الطفل لا يسأل: هل أستطيع؟ إنه يسأل: أين الحذاء؟ وهنا، يا أمي خيرة، يدخل مصطلح «جيل قمش». لا أعرف إن كانت أمي خيرة قد قصدت بهذا التعبير جيلا بعينه، أم كانت تقصد أولئك الذين لا ينتظرون كثيرا كي يفعلوا ما يريدون، لكن الطفلين الألمانيين يبدوان كأنهما خرجا من قاموس «جيل قمش» مباشرة. جيل لا يستأذن الواقع. جيل يفتح الباب. ثم يكتشف بعد ذلك إلى أين ذهب. غير أن الكوميديا تنتهي عند باب البيت. لأن الطفلين لم يكونا في رحلة سياحية. كانا طفلين في الثانية والثالثة، وحدهما، عند السادسة صباحا، في محطة قطار. وهنا يتغير لون الحكاية. فما يضحكنا في الفكرة يصبح مخيفا في الواقع. لأن المسافة بين «يا لهما من طفلين شقيين!» و«كان يمكن أن تقع كارثة» هي مسافة قصيرة جدا. محطة القطار ليست حديقة أطفال. والشارع ليس غرفة ألعاب. والليل لا يصبح آمنا لأن الطفل قرر أنه ذاهب لشراء حذاء. وهذا بالضبط ما يجعل القصة جميلة ومقلقة في الوقت نفسه.

الطفلان لم يخططا لجريمة. لكنّهما ارتكبا، من دون أن يعرفا، مغامرة أكبر من قدرتهما على تقدير الخطر. والأكثر غرابة أن الوالدين كانا نائمين. لقد خرج الطفلان من غرفتهما، وتمكنا من فتح باب المنزل، ومضيا في طريق لم تحدده التحقيقات بعد بدقة، حتى وصلا إلى محطة القطار. هنا يمكن للمرء أن يبتسم قليلا، ثم يتوقف. لأن النوم الذي نحتاجه كي نستعيد إنسانيتنا يمكن، في بعض اللحظات، أن يجعلنا غافلين عن إنسان صغير يتحرك في العالم وحده. والمفارقة أن الطفلين، في هذه القصة، كانا أكثر نشاطا من العالم كله. الأم نائمة. الأب نائم. المدينة نصف نائمة. المحطة تستيقظ. والطفلان في مهمة تجارية. يا له من انقلاب. في القصص القديمة كان الكبار يقولون للأطفال: «ابقوا في البيت». وفي هذه القصة، خرج الطفلان من البيت وتركوا الكبار فيه.

ولو كان الجاحظ بيننا، لربما كتب رسالة بعنوان: «كتاب في الصبيين اللذين خرجا من البيت، وبقي أبوهما وأمهما فيه، وما جرى لهما مع الحذاء والقطار». ولربما قال، بطريقته الساخرة، إن الطفل لا يحتاج إلى جواز سفر عندما يكون فضوله أقوى من الباب. لكن المسألة أعمق من الطرافة. فالطفل في الثانية لا يمتلك بعد القدرة الكاملة على تقدير النتائج البعيدة. هو يستطيع أن يريد، لكنه لا يستطيع دائما أن يتنبأ. يستطيع أن يفتح الباب، لكنه لا يستطيع أن يحسب احتمال اصطدام سيارة. يستطيع أن يمشي إلى المحطة، لكنه لا يستطيع أن يتصور معنى أن يضيع. يستطيع أن يقول «أريد حذاء»، لكنه لا يعرف أن العالم يحتوي على أشياء أخرى كثيرة غير الأحذية. وهنا تكمن وظيفة الكبار. الكبار ليسوا فقط أولئك الذين يدفعون ثمن الأحذية. إنهم، في المعنى الأعمق، حراس المسافة بين الرغبة والخطر. الطفل يقول: أريد. والكبير يقول: انتظر. الطفل يقول: أذهب. والكبير يقول: معي. الطفل يقول: الآن. والكبير يقول: ليس الآن. هذه ليست بيروقراطية الطفولة. إنها هندسة النجاة.

ولذلك، فإن أجمل ما في نهاية هذه القصة أن الشرطة لم تعامل الطفلين بوصفهما مجرمين، بل بوصفهما طفلين ضائعين. أخذوهما، اطمأنوا إلى سلامتهما، ثم أعادوهما إلى والديهما، مع إبلاغ خدمات حماية الطفل لإجراء التحقق المعتاد. وفي ذلك درس حضاري صغير. فالشرطة في لحظة كهذه لا ينبغي أن تسأل فقط: «من خالف القانون؟» بل: «كيف نعيد الطفل إلى المكان الذي يجب أن يكون فيه؟» وهذه نقطة تستحق التأمل. فالطفل ليس مسؤولا عن فهم العالم كله. العالم هو المسؤول عن أن يكون مفهوما وآمنا بما يكفي لطفل في الثانية والثالثة. وفي القرية القديمة، كان الطفل إذا خرج من البيت يعرفه الجميع. الجارة تعرفه. البقال يعرفه. ابن العم يعرفه. الشارع يعرفه. أما المدينة الحديثة، فقد أصبحت غابة من الوجوه التي لا تعرف بعضها. ولهذا تصبح الحكاية أخطر. فالطفل الذي كان يستطيع أن يركض إلى بيت الجيران ويعود، قد يجد نفسه اليوم أمام طريق سريع، أو محطة، أو نهر، أو سكة حديد.

لقد كبرت المدن أسرع من الطفولة. وهذه مشكلة فلسفية لا تحلها الأقفال وحدها. نحن نعيش في عالم صنعناه للكبار، ثم طلبنا من الأطفال أن يعيشوا فيه بأمان. وهذا يشبه أن تبني سفينة ضخمة ثم تضع طفلا عند الدفة وتقول له: لا تغرقنا. لكن هناك مفارقة أخرى أكثر طرافة. الطفلان خرجا لشراء أحذية، وهما في الأصل لا يرتديان إلا الحفاضتين. أي أن البشرية ربما وصلت إلى أعلى درجات العبث حين قرر طفلان بلا ملابس كافية أن المشكلة الأساسية في حياتهما هي نقص الأحذية. لو كان دوستويفسكي حاضرا، لربما جعل الحذاء رمزا للحرية. ولو كان كافكا حاضرا، لربما أرسل الطفلين إلى مكتب حكومي كي يقدما طلبا رسميا للحصول على تصريح بشراء الحذاء. ولو كان سليم بركات جالسا قرب المحطة، ربما رأى في الطفلين كوكبين صغيرين هبطا على رصيف قطار، كل واحد منهما يحمل في رأسه خريطة سرية لا يعرفها حتى القمر.

أحيانا تكمن الحكاية في طفل يقول جملة بسيطة: «خرجنا لنشتري حذاء.» الجملة تبدو مضحكة لأن صاحبها صغير. لكنها تصبح مرعبة حين نعرف أنه قطع مسافة لا نعرفها، ووصل إلى محطة قطار، ولم يكن أحد من والديه يعلم أنه خرج. هنا يتحول الحذاء من نكتة إلى سؤال. من كان سيشتري له الحذاء لو وصل إلى المتجر؟ ومن كان سيعيده إلى البيت لو لم تصل الشرطة؟ ومن كان سيعرف اسمه لو لم يتوقف أحد عند رؤيته؟ هذه الأسئلة هي التي ينبغي أن تبقى معنا بعد انتهاء الضحك. ومع ذلك، لا ينبغي أن نقتل الحكاية بثقل الوعظ. فالطفلان، في نهاية الأمر، نجيا. وهذا أهم شيء. عادا إلى والديهما سالمين. وعادت محطة القطار إلى عملها. وعاد المسافرون إلى قطاراتهم. وربما عاد الأبوان إلى السؤال الذي سيظل يلاحقهما طويلا:ى كيف فتحا الباب؟

والسؤال الذي سيظل يلاحق الطفلين: أين الحذاء؟ وربما، في يوم ما، حين يكبران ويخبرهما أحد بهذه القصة، سيضحكان. سيقول أحدهما: «كنا نريد شراء حذاء.» وسيقول الآخر: «وكيف وصلنا إلى محطة القطار؟» وسيصمتان. لأن الذاكرة لا تحتفظ دائما بالطريق. تحتفظ بالغاية. وهذا هو أجمل ما في الطفولة وأخطر ما فيها. أن الإنسان يبدأ حياته وهو يعرف ما يريد قبل أن يعرف كيف يصل إليه. ثم يقضي بقية عمره في تعلم الطريق. أما «جيل قمش»، كما تقول أمي خيرة، فربما يكون هو ذلك الجيل الذي لا يزال يريد الحذاء قبل أن يتعلم الخريطة. جيل يفتح الباب. يخرج. يمشي. ثم يجعل الكبار يركضون خلفه. وفي السادسة صباحا، على رصيف محطة ألمانية، اكتشف العالم أن الطفلين لم يكونا قد خرجا من البيت فقط. لقد خرجا، للحظات، من منطق الكبار كله. وكانا ذاهبين إلى السوق. من أجل حذاء. وهذا، وحده، يكفي لأن يكتب الجاحظ صفحة جديدة في كتابه عن عجائب الإنسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *