بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أخبار تبدو كأنّها خرجت من رواية كتبها مؤرخ ساخر بعد أن فقد ثقته بالبشر. في 15 سبتمبر 2026، قالت قوات التحالف الذي تقوده السعودية إنها اعترضت طائرة مسيّرة أطلقتها جماعة الحوثيين باتجاه مكة، واعترضتها جنوب المدينة. الحوثيون نفوا أن يكونوا استهدفوا مكة، وقال مسؤول حوثي إن اتهامهم بذلك «كذبة قديمة». وفي المقابل أدانت منظمة التعاون الإسلامي ما وصفته بهجمات حوثية على مكة والمدينة. هذه روايات متعارضة في لحظة شديدة الحساسية، ولذلك ينبغي التفريق بين ما أعلنته الأطراف وبين ما ثبت بصورة مستقلة. لكن الخبر، حتى قبل أن نعرف أين سقطت المسيّرة وأين أقلعت، يفتح بابا أعمق بكثير من باب الحرب. يفتح بابا على اليمن. ثم على إيران. ثم على السعودية. ثم، فجأة، على تاريخ المسلمين كله، ذلك التاريخ الذي يثبت لنا مرة بعد مرة أن الإنسان يستطيع أن يرفع راية الدين بيد، ويحمل المنجنيق باليد الأخرى.
ولعل أم خيرة، لو سمعت الحكاية وهي “تنقي العدس”، لن تحتاج إلى تقرير استخباراتي من واشنطن ولا إلى مؤتمر خبراء في الدوحة. ستقول فقط: «يا بنتي، كي يختلفوا على الدار، أول حاجة يهرسوا بابها.» والباب هنا هو اليمن. اليمن ليس اختراعا إيرانيا، والحوثيون ليسوا جماعة هبطت بالمظلة من طهران. وهذه نقطة ضرورية لأن اختزال القصة كلّها في عبارة «إيران تحرك الحوثيين» يقتل نصف الحقيقة قبل أن تبدأ. الحوثيون، أو أنصار الله، خرجوا من بيئة يمنية شمالية ذات جذور زيدية. والزَّيدية مذهب شيعي تاريخي نشأ في القرن الثاني الهجري، لكنّه يختلف عقائديا وفقهيا عن التشيع الاثني عشري الذي يمثل المذهب الغالب في إيران. وقد نشأت الحركة الحوثية في أواخر القرن العشرين كحركة إحياء ديني وثقافي وسياسي في شمال اليمن، ثم تحولت تدريجيا إلى قوة مسلحة. وهنا ينبغي أن نقتل كذبة مريحة قبل أن تقتلنا هي: ليس كل يمني زيدي حوثيا، وليس كل شيعي إيرانيا، وليس كل حوثي مجرد نسخة يمنية من الحرس الثوري الإيراني. فالخبراء يصفون علاقة الحوثيين بإيران بأنها عميقة عسكريا وسياسيا، مع دعم إيراني بالسلاح والتدريب والاستخبارات، لكنّهم يشيرون أيضا إلى أن الحركة لم تُخلق في طهران، وأنّ لها حساباتها المحلية وهويتها اليمنية. كما أن الزيدية الحوثية ليست هي التشيع الإثني عشري الإيراني. إيران إذن لم تخترع الحريق. لكنها تعلمت، مثل كل القوى الكبرى، كيف تستفيد من النار الموجودة أصلا. وهذه هي السياسة في أكثر صورها برودة. لا تحتاج إلى أن تزرع شجرة. يكفي أن تجد شجرة نمت وحدها، ثم تسقيها بالسلاح.
اليمن كان مهيأ لذلك: دولة هشة، انقسامات قبلية ومناطقية، صراع بين الشمال والجنوب، إرث طويل من الحروب، فقر، مؤسسات ضعيفة، وتنافس على السلطة لا يكاد يترك للناس وقتا كي يتساءلوا: من يحكمنا؟ في 2014، سيطر الحوثيون على صنعاء، ثم توسعوا. وفي 2015 تدخلت السعودية على رأس تحالف عسكري دعما للحكومة المعترف بها دوليا. منذ ذلك الوقت صار اليمن مسرحا لحرب داخلية، لكنه أيضاً تحول إلى ساحة من ساحات التنافس السعودي الإيراني. وهنا، يا أمي خيرة، تبدأ الحكاية التي لا تنتهي. يقال: «إذا تشاجر الجملان، لا تسأليني من الأقوى؛ اسأليني من تحت أقدامهما.» وتحت أقدام الجملين كان اليمنيون. الطفل اليمني لا يعرف شيئا عن الجغرافيا الاستراتيجية لمضيق باب المندب. لا يعرف شيئا عن «محور المقاومة». ولا يعرف شيئا عن «الأمن القومي السعودي». هو يعرف فقط أنّ اللّيل صار أطول. وهذا هو الوجه الذي تختفي منه الجيوسياسة حين تكثر الخرائط.
على الورق هناك إيران والسعودية وأمريكا وإسرائيل والممرات البحرية والطاقة والنفوذ. على الأرض هناك بيت بلا سقف. أمّ تبحث عن الدقيق. ورجل يحمل جثّة ابنه. وهنا تصبح الفلسفة أعمق مما نظن. هوبز كان يرى أن الإنسان، حين يغيب السلطان القادر على ضبط العنف، يمكن أن ينزلق إلى حرب الجميع ضد الجميع. واليمن يبدو أحيانا كأنّه مختبر حي لهذه الفكرة. لكن هوبز لم يعرف شيئا عن الطائرات المسيّرة. كان يحتاج فقط إلى إضافة جملة واحدة: حين يصبح لكل طرف جيش، تصبح الدولة نفسها ضيفة في بلدها. أما مكيافيللي، فكان سيعرف اللعبة بسرعة. القوة لا تسأل دائما: «هل هذا عادل؟» بل تسأل: «هل يخدم مصالحنا؟» وهنا يمكن فهم جزء من الحساب الإيراني. إيران لا تحتاج إلى احتلال اليمن كي تستفيد منه. يكفي أن يكون هناك حليف مسلح قادر على الضغط على السعودية، وتهديد المصالح البحرية، ورفع كلفة أي مواجهة إقليمية، وامتلاك القدرة على فتح جبهة إضافية عندما تتسع الحرب. وقد أدى الدعم الإيراني إلى تطوير قدرات الحوثيين الصاروخية والطائرات المسيّرة، وفق تحليلات دولية. لكن القول إن إيران «تملك الحوثيين» تبسيط آخر.
فالحوثيون ليسوا حزبا إيرانيا في صنعاء. لهم مشروعهم، وقيادتهم، وقاعدتهم الاجتماعية، وحساباتهم اليمنية، وحتى حساسيتهم من تصويرهم كأداة إيرانية خالصة. ويشير باحثون إلى أن الحركة نفسها ترفض هذا الوصف، وأن دوافعها الداخلية تظل مركزية في قراراتها. أمّا السعودية، فترى المسألة من نافذة مختلفة. بالنسبة إلى الرياض، وجود قوة مسلحة مرتبطة بإيران على حدودها الجنوبية ليس تفصيلا أكاديميا. إنّه احتمال لتحول اليمن إلى قاعدة ضغط على المملكة، وخصوصا مع امتلاك الحوثيين صواريخ ومسيّرات وقدرة على استهداف أراض ومنشآت داخل السعودية. وهكذا أصبح اليمن شيئا يشبه رقعة شطرنج، لكن القطع فيها تنزف. والمأساة أنّ الشطرنج له قاعدة بسيطة: الملك هو الأهم. أمّا في اليمن، فلا أحد يعرف من هو الملك. الحكومة المعترف بها دوليا؟ الحوثيون؟ المجلس الانتقالي؟ القبائل؟ السعودية؟ الإمارات؟ إيران؟ أم باب المندب نفسه؟ ربما المشكلة أن الجميع يريد أن يكون ملكا، فيما يتحول المواطن إلى مربع على الرقعة.
ثم تأتي مكة. وهنا يتغير لون الحبر. لأنّ مكة ليست مدينة عادية. وليست مجرد عاصمة رمزية. إنها عند المسلمين بيت مقدس. ولهذا فإن مجرد الحديث عن استهدافها يستدعي تاريخيا لا يستطيع العقل العربي أن يسمعه بهدوء. نعم، لقد قُصفت مكة في التاريخ الإسلامي. لكن المفارقة المذهلة أن أولئك الذين فعلوا ذلك لم يكونوا بالضرورة «شيعة» أصلا. في سنة 683 حوصرت مكة خلال الفتنة الثانية بين الأمويين وعبد الله بن الزبير، وتضررت الكعبة خلال الحصار، وتذكر الروايات أن حريقا ألحق بها أضرارا كبيرة. ثم في 692 حاصر جيش الأمويين مكة مرة أخرى بقيادة الحجاج بن يوسف، واستخدم المنجنيق لقصف المدينة من جبل أبي قبيس، وتضررت الكعبة خلال الحصار. وتختلف الروايات التاريخية في بعض تفاصيل كيفية إصابة الكعبة نفسها. وهنا تأتي المفارقة التي ينبغي ألا نهرب منها: أولئك الذين قذفوا مكة بالمنجنيق في القرن الأول الهجري كانوا يخوضون صراعا سياسيا داخل المسلمين، لا حربا بين «السنة والشيعة» بالمعنى الذي نستخدمه اليوم. وهذا وحده يكفي لتحطيم كثير من الروايات الكسولة التي نحبها لأنّها تجعل التاريخ نظيفا، مقسما إلى أخيار وأشرار. التاريخ أكثر قذارة. وأكثر إنسانية. وأكثر عبثا. فالسلطة تستطيع أن تقصف المكان المقدس وهي تصرخ بأنها تحمي وحدة الأمة. ويمكن لخصمها أن يرفع شعار الدفاع عن الدين وهو يقاتل من أجل السلطة. وفي هذه اللحظة يصبح المنجنيق أكثر من آلة حرب. يصبح رمزا. منجنيق الأمس كان يقذف حجرا. ومنجنيق اليوم يقذف صاروخا. وغدا قد تكون المسيّرة أكثر هدوءا، أكثر ذكاء، وأقل كلفة. لكن السؤال واحد: ماذا يحدث عندما تدخل السياسة إلى الحرم؟
هنا لا بد من الحذر أيضا من عبارة «ماذا يريد الشيعة؟». فالشيعة ليسوا جيشا واحدا، ولا دولة واحدة، ولا عقلا واحدا. الشيعة الإيرانيون، والزيديون اليمنيون، والإثنا عشرية العراقيون، والشيعة اللبنانيون وغيرهم ليسوا كتلة سياسية واحدة. والتشيع نفسه تاريخ طويل من المدارس والتيارات والخلافات، وليس برنامجا موحدا للحرب على مكّة أو العرب. أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية فلها مشروع دولة ومصالح أمنية وإقليمية محددة، وتستخدم شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في المنطقة بدرجات متفاوتة. وقد أدى هذا إلى نشوء ما يسمى «محور المقاومة»، الذي يشمل قوى وحلفاء مختلفين، لكن العلاقة بين طهران وكل طرف ليست متطابقة. إذن، لا ينبغي أن نخلط بين مذهب ديني واستراتيجية دولة. فالخلط بينهما هو أسرع طريق لتحويل السياسة إلى حرب طائفية لا نهاية لها. وهنا ربما يبتسم سبينوزا من قبره. لقد فهم، قبل قرون، أن أخطر شيء يحدث للدّين هو حين تستولي عليه السلطة السياسية. عندها يصبح الإيمان وقودا. ويصبح المقدّس جواز سفر إلى الحرب. ويصبح السؤال: «هل أنت معي؟» أهم من السؤال: «هل أنت محق؟»
وهذه هي الكارثة. حين يصبح الله حاضرا في الخطاب، بينما يختفي الإنسان من المشهد. حين تقول كل جماعة إنها تحمي المقدسات، ثم تنسى أن الإنسان نفسه مقدس في عيون الإنسان. قد تكون مكة اليوم في مرمى خطر حقيقي، وقد تكون بعض الاتهامات في هذه الجولة جزءا من حرب الروايات؛ ولا يمكن تحويل بيان عسكري أو نفي سياسي إلى حقيقة نهائية قبل التحقق المستقل. لكن مجرد وصول الصراع إلى مرحلة يصبح فيها اسم مكة جزءا من رسائل الحرب يكشف حجم الانهيار الرمزي الذي أصاب المنطقة. وهنا أعود إلى أمي خيرة. كانت ستنظر إلى التلفزيون، تسمع المذيع يتحدث عن «محور المقاومة» و«الأمن القومي» و«الردع الاستراتيجي»، ثم تطفئه وتقول: «كل هذا الكلام، وفي الأخير: شكون يموت؟» هذا هو السؤال الذي يكره السياسيون. لأنّ الجغرافيا السياسية تحب الخرائط. أمّا الأمّ فتحب الأسماء. الجغرافيا تقول: «ضربة على محافظة». الأم تقول: «ابني». الجغرافيا تقول: «خسائر جانبية». الأم تقول: «أين دفنوه؟» الجغرافيا تقول: «رسالة ردع». الأم تقول: «ومن سيرد لي ابني؟»
ربما لهذا لا ينبغي أن نقرأ قصة الحوثيين بوصفها قصة طائفة تريد السيطرة على مكة، ولا بوصفها قصة إيران تريد ابتلاع العالم العربي، ولا بوصفها قصة السعودية تريد سحق اليمن. هذه كلها أجزاء من الصورة، لكنها ليست الصورة كلّها. الصورة الأعمق هي أن الدول الضعيفة تصبح ساحات ممتازة لحروب الأقوياء. وأن الحركات المحلية قد تتحول إلى أدوات إقليمية من دون أن تفقد بالضرورة دوافعها المحلية. وأن القوى الإقليمية تستخدم المظالم الحقيقية كي تخوض صراعات أكبر منها. وأن الدين، عندما يدخل لعبة القوة، يستطيع أن يمنح الحرب لغة لا يستطيع السلاح وحده أن يمنحها. وهنا تكمن السخرية السوداء. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين. لدينا أقمار صناعية ترى حبة الرمل. وطائرات بلا طيار تعرف الطريق أكثر من الطيار. وصواريخ تستطيع عبور مئات الكيلومترات. لكننا، في لحظة معينة، نعود إلى السؤال نفسه الذي كان يطارد رجال القرن السابع: من يملك الحق في السلطة؟ وإلى الأداة نفسها التي كان يستخدمها رجل على جبل: المنجنيق. فقط صار المنجنيق اليوم إلكترونيا. والحجر صار مسيّرة. والجبل صار شاشة رادار. والخليفة صار دولة. لكن الإنسان الذي تحت الأنقاض هو نفسه.
ولذلك، فإن أخطر شيء في قصة الحوثيين ليس أنهم شيعة. وأخطر شيء في قصة إيران ليس أنها فارسية. وأخطر شيء في قصة السعودية ليس أنها سنية. أخطر شيء هو أن يتحول كل ذلك إلى ذريعة لكي يتوقف الإنسان عن رؤية الإنسان. عندما يصبح اليمن «ساحة نفوذ»، تختفي اليمن. وعندما تصبح مكة «هدفاً عسكرياً محتملاً»، يختفي الحاج. وعندما يصبح الشيعي رقما في مشروع إيران، والسني رقماً في مشروع السعودية، والعربي رقماً في مشروع الآخرين، يكون الجميع قد ربح الخريطة وخسر الإنسان. ولعل أمي خيرة كانت ستختم الحكاية بجملتها التي لا تحتاج إلى فلسفة كانط ولا جدل هيغل: «يا بنتي، الدين لله… أما الحروب فلها دائما صاحب فاتورة.» ثم تعود إلى المطبخ. وتترك لنا، نحن الذين نحب التاريخ حين يكون بعيدا، مهمة الإجابة عن السؤال الأصعب: هل تعلمنا شيئا من المنجنيق الذي قُذف به الحجر الأسود والكعبة قبل ثلاثة عشر قرنا، أم أنّنا فقط استبدلنا الخشب والحديد بالسيليكون، وسمّينا المنجنيق الجديد «تكنولوجيا»؟ وفي مكان ما فوق البحر الأحمر، تحلق مسيّرة. وفي مكان ما تحتها، بلد اسمه اليمن يحاول منذ سنوات أن يتذكر كيف كان يبدو قبل أن يصبح الجميع بحاجة إليه لكي يحاربوا بعضهم بعضا.
