رشيدة داتي وكارلوس غصن
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
في صباح باريس، حين تنفتح أبواب المحكمة، لا تدخل رشيدة داتي وحدها. يدخل معها شيء أقدم منها ومن كارلوس غصن ومن شركة رونو نفسها: يدخل ذلك الكائن الغامض الذي اسمه السلطة، وهو كائن يعرف كيف يبدل جلده، فيصبح مرة وزيرا، ومرة نائبا أوروبيا، ومرة محاميا، ومرة مديرا عاما، ثم يجلس أخيرا على مقعد خشبي صغير، تحت نظر القاضي. من 16 إلى 28 سبتمبر 2026، تنظر المحكمة الجنائية في باريس في القضية التي تجمع داتي وغصن. داتي تحاكم بتهم من بينها الفساد السلبي واستغلال النفوذ السلبي وإخفاء إساءة استعمال السلطة والثقة؛ وغصن، الذي غادر اليابان إلى لبنان في 2019، أحيل أيضا للمحاكمة في قضايا فساد واستغلال نفوذ وإساءة استعمال السلطة والثقة، لكنه لن يكون في القاعة. والحكاية، في ظاهرها، بسيطة إلى درجة مخيفة: 900 ألف يورو. لكن المال، في القضايا التي تمس السياسة، لا يكون مالا فقط. أحيانا يكون المال حروفا سرية مكتوبة بالحبر غير المرئي على هامش العقد. والسؤال ليس: «من دفع؟ ومن قبض؟» فقط، بل: ما الذي كان يشترى فعلا؟
داتي تقول إن الأمر يتعلق بأتعاب قانونية واستشارات. أما قضاة التحقيق فيرون أن التحقيقات لم تجد إلا أدلة محدودة على حجم الخدمات القانونية الفعلية، وأن العلاقة قد تكون أخفت نشاطا من طبيعة الضغط السياسي لمصلحة رونو-نيسان داخل البرلمان الأوروبي. ويستند الاتهام إلى عناصر منها مداخلات وأسئلة برلمانية اعتبرها المحققون متصلة بمصالح قطاع السيارات. دفاع داتي يرفض هذا البناء، ويصفه بأنّه «بناء فكري» للاتهام، ويؤكد أن موكلتهم أدت عملا قانونيا حقيقيا ولم تمارس لوبيينغ لحساب الشركة. وهنا تبدأ المسألة الأكثر إثارة للاهتمام: متى تنتهي السياسة وتبدأ المهنة؟
قد يبدو السؤال قانونيا، لكنّه في الحقيقة سؤال فلسفي قديم جدا. أفلاطون كان يخشى من المدينة حين يصبح الخطاب فيها أقوى من الحقيقة. ومكيافيللي، الذي علّم السياسة أن تنظر إلى العالم كما هو لا كما ينبغي أن يكون، عرف أن السلطة لا تتحرك دائما بالأخلاق المجردة، بل بالمصلحة والتحالف والقدرة على التأثير. أمّا كانط فكان سيضع أمام السياسي مرآة أكثر قسوة: هل تستطيع أن تجعل القاعدة التي تحكم تصرفك قاعدة عامة للجميع؟ وهناك، في مكان ما بين أفلاطون ومكيافيللي وكانط، تجلس أم خيرة في مطبخها، تقلب الكسكس وتقول: «يا بنتي، اللي يخبي الشمس بالغربال، الشمس ما تتخباش عليه.» الأمثال الشعبية لا تعرف لغة القانون، لكنّها تعرف شيئا عن البشر. فالمشكلة في السلطة ليست أنها تفسد الجميع. هذه عبارة سهلة أكثر مما ينبغي. المشكلة أن السلطة تغير معنى الأشياء. اللقاء يصبح «تشاورا». والهدية تصبح «تقديرا». والخدمة تصبح «استشارة». والعلاقة تصبح «شبكة». والنفوذ يصبح «خبرة». والصمت يصبح «سرية مهنية». ثم تأتي المحكمة وتسأل السؤال الذي يكره الجميع سماعه: وماذا كان في الصندوق؟
القضية أكثر تعقيدا لأنّ داتي لم تكن شخصية عادية في تلك المرحلة. كانت محامية ونائبة أوروبية، وقد أبرمت معها اتفاقية أتعاب مع الشركة في أكتوبر 2009، فيما كانت ولايتها البرلمانية الأوروبية قد بدأت. وتظهر الوثائق التي استند إليها التحقيق أن الاتفاق تحدث عن خدمات قانونية وتنظيمية تتصل بالتوسع الدولي للمجموعة، ولا سيما في الشرق الأوسط والمغرب العربي. وهنا تتسلل مفارقة تكاد تكون روائية. المحامي يعيش من المعرفة بالقانون، والسياسي يعيش من المعرفة بممرات السلطة. فماذا يحدث حين يسكن الشخص الواحد الغرفتين؟ لا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الجمع بين السياسة والمحاماة جريمة. وليس كل أجر فاسدا، وليس كل علاقة مع شركة مؤامرة، وليس كل سؤال برلماني دليلا على شراء النفوذ. ولهذا بالضبط توجد المحكمة: لكي تفرق بين العمل المشروع وما تعتبره النيابة أو القضاء فعلا مجرما، لا لكي تستبدل قرينة البراءة بحكم مسبق. لكن القضية تكشف شيئا أوسع من مصير شخصين. تكشف هشاشة الحدود. فالسياسة الحديثة لم تعد تحتاج إلى حقيبة مليئة بالنقود كي تمارس نفوذا. يكفي أحيانا عقد أنيق، مكتب لامع، بريد إلكتروني مهذب، اجتماع في فندق، ومستشار يعرف الباب الذي ينبغي أن يطرق. الفساد المعاصر، إن وقع، لم يعد دائما يرتدي معطفا أسود ويضع نقودا في درج. أحيانا يرتدي ربطة عنق. وأحيانا يحمل حقيبة محاماة. وأحيانا يتحدث بفرنسية قانونية شديدة النظافة.
أما كارلوس غصن، فهو الوجه الآخر من المرآة: رجل كان يقف في أعلى هرم صناعي عالمي، ثم انتهى به الأمر خارج قاعة المحكمة التي تنظر في القضية التي تجمعه بداتي. وقد أصبح غيابه نفسه جزءا من الحكاية؛ إذ تشير التقارير إلى أنه قد يحاكم غيابيا، من دون محام يمثله في هذا الملف. يا لها من صورة تصلح لرواية عبثية: رجل غائب يحاكم في قضية تتعلق بالنفوذ، وامرأة حاضرة تحاكم حول علاقة بالنفوذ، وشركة تقف كطرف مدني، وقاض يحاول أن يعرف أين ينتهي العقد وأين تبدأ السياسة. وفي الخارج، يمر الناس أمام المحكمة، يشترون القهوة، يركبون المترو، يذهبون إلى أعمالهم. الدولة تستمر. وهذه ربما هي أكثر صور العدالة قسوة وجمالا: أن العالم لا يتوقف عندما يسقط أصحاب النفوذ تحت الضوء. قالت أمي خيرة، لو سمعت الحكاية، ربما: «اللي يطلع للسما، لازم يعرف أن الأرض ما تبدلتش.» السياسة تجعل صاحبها يعتاد أن الأبواب تفتح قبل أن يطرقها. لكن المحكمة تفعل العكس تماما: تجعل الباب ثقيلا، وتجعل على الشخص أن يشرح لماذا كان يملك المفتاح. ولذلك فالمحاكمة ليست فقط عن 900 ألف يورو. إنها عن السؤال الذي يطارد الديمقراطيات الحديثة مثل ظل طويل: هل يستطيع المرء أن يخدم المصلحة العامة وفي الوقت نفسه يرتبط بعقد خاص مع أصحاب المصلحة الذين تقع قراراته السياسية ضمن نطاقهم؟
السؤال لا يحتاج إلى كراهية السياسيين كي يكون مشروعا، ولا إلى تقديسهم كي يكون خطيرا. إنّه سؤال عن تصميم النظام نفسه. عن تضارب المصالح. عن الشفافية. عن الحدود التي يجب أن تفصل بين من يملك السلطة ومن يدفع مقابل الوصول إليها. وعن الإنسان، ذلك الحيوان السياسي الذي اكتشف منذ آلاف السنين أن النفوذ يمكن أن يكون أكثر قيمة من الذهب. أرسطو قال إن الإنسان «حيوان سياسي». وربما نحتاج اليوم إلى إضافة صغيرة ساخرة: وحين يكتشف الإنسان سعر السياسة، يصبح الحيوان السياسي محاسبا أيضا. لكن العدالة لا ينبغي أن تتحول إلى مسرح أخلاقي. ليست مهمتها أن تنتقم من الأغنياء ولا أن تنتقم من السياسيين ولا أن تمنح الجمهور قصة سهلة عن «الأشرار» و«الأبرياء». مهمتها أصعب بكثير: أن تفصل بين الشبهة والدليل، وبين العلاقة والجريمة، وبين النفوذ المشروع واستغلال النفوذ، وبين الأتعاب المهنية والمقابل غير المشروع.
وهذا هو جوهر المحاكمة. فإذا كانت السياسة عباءة، فإن القانون هو اليد التي تبحث داخل جيوبها. وقد تخرج اليد فارغة. وقد تجد شيئا. لكن قبل أن يصدر الحكم، لا يحق لنا أن نسمي ما وجدناه. تلك هي المسافة الصغيرة بين الصحافة والمحكمة، وبين الشائعة والحقيقة، وبين الإنسان الذي يصرخ: «أنا أعرف!» والقاضي الذي يقول: «أرني الدليل.» وفي هذه المسافة تحديدا، بين العباءة والجلد، بين السلطة والقانون، بين رينو والبرلمان، بين داتي وغصن، وبين العقد والكرامة العامة، تجلس فرنسا هذه الأيام أمام مرآتها. ولا أحد يعرف بعد ماذا سترى المحكمة في المرآة. لكننا نعرف شيئا واحدا: السياسة لا تفسد الأخلاق دائما؛ الأخطر أنها تستطيع أحيانا أن تجعل الإنسان ينسى أين تنتهي السياسة وتبدأ الأخلاق.
