بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هل يمكن أن تمنح الدولة المراهق ساعة واحدة من الإنترنت، ثم تطلب من العالم الرقمي أن يتوقف عن ابتلاعه؟ في بروكسل، يبدو أن أحدا قرر أخيرا أن يرفع الساعة الرملية في وجه الوحش. مقترح EU KIDS Act الأوروبي يريد أن يعيد رسم الحدود بين الطفولة والشبكة: لا حسابات شخصية قبل الخامسة عشرة، وبين الثالثة عشرة والرابعة عشرة حسابات مصغّرة ينشئها الآباء ويظلون قادرين على مراقبتها، مع سقف زمني يصل إلى ساعة واحدة يوميا وموافقة الوالدين على جهات الاتصال. كما يريد النص أن يجبر المنصات على التخلي عن بعض آليات الاستدراج والإدمان الرقمي، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات المصممة لإعادة الطفل إلى الشاشة باستمرار. لكن لحظة, قارئي الكريم,…ساعة واحدة؟ ساعة واحدة أمام عالم صُمّم أصلا لكي يجعلك تنسى الساعة؟
فالطّفل لا يدخل «الأنترنت» كما يدخل غرفة لها باب ومفتاح. إنه يدخل إليها من لعبة، ثم يقفز إلى فيديو، ومن الفيديو إلى محادثة، ومن المحادثة إلى منصة أخرى، ثم يجد نفسه بعد ساعتين في قارّة لم يكن يعرف حتىّ أنّها موجودة. إنّها ليست شبكة بقدر ما هي متاهة بلا جدران. ولهذا تبدو محاولة ضبطها بالساعة شبيهة بمحاولة إيقاف المطر بتحديد عدد القطرات المسموح بها في الدقيقة. تقول أوروبا: سيملك الآباء أدوات التحكّم. لكنّ السؤال الأكثر إزعاجا يطل من النافذة: وماذا عن الطفل الذي يعرف التكنولوجيا أكثر من أبيه؟ ومن يراقب المراقب؟ ماذا يحدث حين يكون الأب ممسكا بمفتاح الباب، بينما يعرف الإبن عشرين نافذة خلفية؟
المقترح لا يكتفي بالاعتماد على صدق الطفل في كتابة عمره؛ بل يقترح آليات للتحقق من السن، مع حلول يفترض أن تحافظ على الخصوصية، بحيث تعرف المنصة ما إذا كان المستخدم فوق سن معين أو تحته، لا هويته كاملة. وهنا يظهر وحش آخر: كيف نحمي الطفل من الأنترنت من دون أن نبني إنترنتا يراقب الطفل؟ ذلك هو السؤال الذي قد يكون أخطر من الساعة نفسها. فأوروبا لا تريد إطفاء الشاشة… بل تغيير الشاشة. فالأمر أعمق من مجرد تقليص الوقت. المشروع يريد أن يغيّر هندسة الإغراء نفسها: منع بعض صور التمرير اللانهائي، والإشعارات التي تستدرج القاصر، وآليات «السلاسل» التي تعاقبه نفسياً إن لم يعد كل يوم، وتغيير طريقة توصية المحتوى بحيث لا يكون الهدف الأوحد هو إبقاء الطفل أطول فترة ممكنة أمام الشاشة. وهنا تكمن الفكرة الأكثر انقلابا: ربما لم يعد السؤال: «كم ساعة يستخدم الطفل الهاتف؟» بل: «لماذا صُمّم الهاتف أصلا لكي يجعل الساعات تختفي؟»

فإذا كانت المنصة مبنية كآلة لصيد الانتباه، فهل يكفي أن نقول للطفل: «لا تستخدمها إلا ساعة»؟ إنها أشبه بمن يضع قطعة حلوى أمام طفل ثم يخبره أن يمتلك إرادة فولاذية كي لا يلمسها. ومع ذلك، فإن «المستحيل» ليس مستحيلا تماما. لأنّه يمكن أن يصبح ممكنا فالاتحاد الأوروبي لا يحاول فقط أن يأمر الطفل بالتوقف؛ إنه يحاول نقل جزء من المسؤولية إلى الشركات نفسها. والمنطق الجديد يقول، باختصار: لا تطلبوا من الطفل أن يقاوم آلة صُممت لتحتجز انتباهه؛ غيّروا الآلة. بل إن المقترح يقلب عبء الإثبات في بعض الحالات: على المنصات أن تثبت أن خدماتها آمنة ومناسبة للقاصرين، لا أن تنتظر وقوع الضرر ثم تبحث عن مخرج. وقد تصل الغرامات إلى 6% من إجمالي رقم الأعمال السنوي العالمي. لكن يبقى السؤال معلّقاً في الهواء مثل مصباح غريب: هل يمكن للقانون أن يسبق التكنولوجيا؟
كلّما كتب المشرّع سطرا، اخترع مهندس صفحة جديدة. كلما أُغلق باب، ظهرت نافذة. وكلما حُددت ساعة، ظهرت منصة تقول: «أنا لست شبكة اجتماعية.» وهنا قد يكون المعنى الحقيقي لـ«Kids Act» ليس أنه سيغلق الأنترنت في وجه الأطفال، بل أنه يفتح معركة أوروبية أكبر حول سؤال لم نكن نعرف كيف نصوغه: من يملك وقت أطفالنا؟ الوالدان؟ الدّولة؟ الشركات؟ أم الطفل نفسه؟ ربّما ستكون الساعة الواحدة مجرد رقم في قانون. لكن خلف هذا الرقم معركة أعمق بكثير: معركة على الزمن نفسه. فالذي يملك انتباه الطفل اليوم، قد يملك شيئا من مستقبله غدا. ولهذا لا تبدو أوروبا هنا وكأنّها تحاول إغلاق باب الأنترنت. إنها تحاول، للمرة الأولى، أن تضع يدها على عقرب الساعة الذي اختفى داخل الهاتف. ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه أي قانون: إذا كان العالم الرقمي قد تعلّم كيف يسرق من الطفل ساعة دون أن يشعر… فهل يستطيع القانون أن يعيد إليه تلك الساعة دون أن يسرق منه شيئا آخر؟
