بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
هناك أوطان تعيش في التاريخ، وهناك أوطان يصنع التاريخ جزءا من ملامحها. والمغرب واحد من تلك الأوطان التي لا تستطيع أن تنظر إلى خريطتها باعتبارها مجرد حدود مرسومة بالحبر؛ فهذه الأرض أقدم من كثير من الخرائط، وأثقل من كثير من الشعارات، وأكثر تعقيدا من أن تختزل في نشرة أخبار أو في موجة غضب عابرة. منذ الاستقلال، وجد المغرب نفسه مرارا في مهب رياح إقليمية عاتية. وحين اندلعت حرب الرمال سنة 1963 بين المغرب والجزائر، لم تكن المسألة مجرد اشتباك حدودي؛ فقد كانت المنطقة العربية والإفريقية تعيش صراعا على الاتجاهات والنفوذ والتحالفات، ووجدت القاهرة نفسها في صف الجزائر، بينما حاولت وساطات إفريقية لاحقة إطفاء النار.
ثم جاءت موريتانيا. كان المغرب يرى في المجال الموريتاني جزءا من تصوره التاريخي لوحدة المجال، بينما كانت فرنسا تدفع نحو استقلال الجمهورية الإسلامية الموريتانية، التي أعلنت استقلالها سنة 1960، ولم يعترف المغرب باستقلالها إلا سنة 1969. وفي الأمم المتحدة، وقفت غالبية الدول العربية إلى جانب قبول موريتانيا، مع استثناء تونس في التصويت المشار إليه تاريخيا. هذه الوقائع لا تحتاج إلى شتيمة أحد. يكفي أن تروى. فالتاريخ، حين يكون صادقا، لا يحتاج إلى رفع الصوت.
ثم جاءت قضية الصحراء، فدخل المغرب مرحلة أخرى من الصراع الإقليمي. وحين ظهر البوليساريو في سبعينيات القرن الماضي، حصلت الحركة على دعم من الجزائر وليبيا، بينما تحولت الصحراء إلى واحدة من أكثر ملفات المغرب العربي تعقيدا واستمرارا. وتظهر وثائق الخارجية الأمريكية في تلك الفترة الدور الجزائري والليبي في دعم البوليساريو، خصوصا لوجستيا وسياسيا. وهنا ينبغي أن نفهم شيئا جوهريا: الدول لا تتحرك دائما بمنطق الأخوة التي تتغنى بها الخطب. الدولة تتحرك وفق مصالحها، ومخاوفها، وتحالفاتها، وقراءتها لموازين القوى. ولهذا ربما كان أحد أسرار استمرار المغرب أنه تعلم، في وقت مبكر، ألا يضع كل بيضه في سلة واحدة. لم يقل المغرب إنّ العالم كلّه يحبه. ولم يقل إن الجغرافيا العربية ستتحول تلقائيا إلى جبهة واحدة كلما تعلق الأمر بالمغرب. بل بدأ، ببطء، يبني لنفسه سياسة خارجية تقوم على تعدد الدوائر: العربية، والإفريقية، والأوروبية، والأمريكية، والمتوسطية. إنها سياسة تشبه شجرة أركان عتيقة: جذورها في أرضها، لكن أغصانها لا تخاف السماء.

حتى في قضية جزيرة ليلى سنة 2002، ظهر وجه آخر من وجوه هذه اللعبة المعقدة. دخل المغرب وإسبانيا في مواجهة حادة حول الجزيرة، وأرسلت إسبانيا قواتها فأخرجت الجنود المغاربة منها، ثم انتهت الأزمة باتفاق أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل الأزمة، بوساطة أمريكية. لم يكن ذلك انتصارا عسكريا مغربيا. ولم يكن استسلاما مغربيا. كان درسا آخر في أن بعض المعارك لا تحسم بمن يرفع صوته أعلى، وإنما بمن يعرف متى يخرج من الغرفة دون أن يترك وراءه مفتاح البيت. وهنا تكمن إحدى سمات الدبلوماسية المغربية: الهدوء ليس دائما ضعفا، والصمت ليس دائما عجزا، والتأني ليس خوفا. أحيانا يكون الصمت غرفة عمليات.
وإذا انتقلنا إلى القضية الفلسطينية، نجد مفارقة أخرى لا يجوز أن تدفن تحت ضجيج الشعارات. المغرب لم يتخل عن فلسطين باعتبارها قضية إنسانية وسياسية. بل استمر في تقديم المساعدات للفلسطينيين، وفي عهد الملك محمد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، أرسلت مساعدات إنسانية وطبية إلى غزة والقدس، من بينها 40 طن من المستلزمات الطبية سنة 2024، ثم مساعدات إنسانية وطبية قدرت بنحو 180 طنا سنة 2025. وهنا بالضبط يجب أن نفرق بين فلسطين كشعب وبين مواقف الحكومات والأحزاب والتنظيمات والدول. فحب فلسطين لا يعني أن على المغربي أن يلغي المغرب. والتعاطف مع غزة لا يعني أن تتحول الرباط إلى مدينة بلا مصالح وطنية. والدفاع عن القدس لا يعني أن يتخلى المغاربة عن تاريخهم وحدودهم ومصالحهم. يمكن للإنسان أن يحمل مفتاح القدس في قلبه، ومفتاح المغرب في يده، دون أن يرى في ذلك تناقضا.
أما المغرب اليوم، فهو ليس مغرب الستينيات. تغيرت الأدوات. لم تعد القوة تقاس بعدد الدبابات وحدها. هناك الموانئ، والطرق، والطاقة، والاستثمارات، والصناعة، والبنية التحتية، والرياضة، والدبلوماسية الاقتصادية، والعلاقات الإفريقية، والشراكات الدولية. حتى كرة القدم تحولت في الحالة المغربية إلى إحدى أدوات الحضور الخارجي، مع استضافة البطولات وتقديم مرافق وتسهيلات لمنتخبات إفريقية مختلفة. وقد وصفت تقارير دولية تنظيم المغرب لكأس إفريقيا 2025 بأنه مشروع ضخم استثمر فيه المغرب أكثر من 21 مليار درهم في البنية التحتية الرياضية والمرافقة. لكن النجاح نفسه لا يعني أن كل الانتقادات مؤامرة. وهذه نقطة يجب أن يفهمها الوطني الحقيقي. الوطنية ليست أن تقول إن المغرب لا يخطئ. الوطنية أن تقول إن المغرب يستطيع أن يخطئ دون أن يصبح حقا مشاعا لمن يريد إضعافه. وأن تقول إن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية للوطن، كما أن حب الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى عمى عن مشكلاته.
لقد تعاقبت على المغرب عواصف كثيرة. بعضها جاء من الشرق. وبعضها من الشمال. وبعضها خرج من داخل البيت نفسه. وبعضها لم يكن يعرف المغرب أصلا، لكنه كان يريد أن يستخدم المغرب حجرًا في رقعة شطرنج أكبر. ومع ذلك بقيت الدولة. بقيت المؤسسات. بقيت الملكية. وبقي المجتمع. وبقيت الأرض. وهذه ليست جملة عاطفية. هذه حقيقة سياسية وتاريخية تستحق التأمل. فالدول التي تعيش قرونا لا تفعل ذلك لأنها لم تتعرض للخطر، وإنما لأنها تعلمت كيف تجعل الخطر جزءا من خبرتها.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «لماذا لا يحبنا الآخرون؟» السؤال الأكثر نضجا هو: «كيف نجعل المغرب قويا إلى درجة لا يصبح فيها حب الآخرين أو كرههم شرطا لبقائه؟» ذلك هو الاختبار. أن يكون للمغرب أصدقاء، نعم. أن تكون له علاقات عربية، نعم. أن يدافع عن فلسطين، نعم. أن يتعاون مع أوروبا، نعم. أن يبني جسوره مع إفريقيا، نعم. أن يحافظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وآسيا وأمريكا اللاتينية، نعم. لكن فوق كل ذلك: أن تكون للمغرب بوصلة. وأن تكون له ذاكرة. وأن يعرف أن العلاقات الدولية ليست مجلس عزاء تتبادل فيه الدول الوعود، بل بحر بارد، والسفن التي تعبره تحتاج إلى قبطان يعرف الريح قبل أن يرفع الشراع.
المغرب لا يحتاج إلى أن يكره العرب حتى يحب نفسه. ولا يحتاج إلى أن يخاصم فلسطين حتى يدافع عن مصالحه. ولا يحتاج إلى أن يقطع أوروبا حتى يحافظ على سيادته. ولا يحتاج إلى أن يصرخ في وجه العالم حتى يسمع العالم صوته. المغرب يحتاج إلى شيء أصعب: أن يبقى مغربيا. هادئا حين يجب الهدوء. حازما حين تصبح الحزم ضرورة. ذكيا حين تكون السياسة أعقد من البندقية. وصبورا حين يريد الآخرون جره إلى معارك لا تخدمه. فقد تكون أذكى المعارك تلك التي لا تخوضها. وقد يكون أقوى الردود هو أن تواصل البناء بينما ينتظر خصومك سقوطك. وقد تكون أعظم رسالة إلى الذين يراهنون على إنهاك المغرب هي أن يستيقظوا ذات صباح، فيجدوا أن البلد الذي أرادوا إغراقه قد بنى ميناء جديدا، وطريقا جديدا، وجامعة جديدة، ومصنعا جديدا، وعلاقة جديدة، وجيلا جديدا لا يعرف معنى الاستسلام.
لهذا سيبقى المغرب واقفا. ليس لأنّه محاط بالملائكة. بل لأنّه تعلم أن العالم مليء بالمصالح. وليس لأنّه لم يطعن في تاريخه. بل لأنّه تعلم أن بعض الجروح تتحول، مع الزمن، إلى ندوب تذكر الجسد بأنّه نجا. وليس لأن كل من حوله سيصفق له. بل لأنه لم يجعل التصفيق شرطا للاستمرار. هذا المغرب يشبه الأطلس: قد تغطي الثلوج قمته، وقد تعصف الرياح بسفوحه، وقد يختفي وجهه وراء السحاب، لكن الجبل لا يركض خلف السحابة. يبقى هناك. ثابتا. صامتا. شامخا. ينتظر أن تمر العاصفة. المغرب لا يحتاج إلى أن يثبت أنه أقوى من الجميع؛ يكفي أن يثبت، مرة بعد مرة، أنه قادر على أن يبقى نفسه وسط عالم يريد من كل دولة أن تصبح نسخة من غيرها.
وهنا تكمن الحكاية كلها: راية لا تسقط. دولة لا تتعجل. شعب لا ينسى. ومملكة تعرف أنّ الدبلوماسية ليست فن الكلام فقط، وإنما فن الانتظار أيضا. أما المستقبل، فلن يكون لمن يصرخ أكثر. سيكون لمن يعرف أين يقف، ومتى يتحرك، ومتى يصمت، ومتى يقول للعالم كلّه: هذه أرضي، وهذا تاريخي، وهذه دولتي؛ وسأدافع عنها بالعقل حين يكفي العقل، وبالدبلوماسية حين تنفع الدبلوماسية، وبكل ما يلزم حين تصبح السيادة نفسها على المحك. ذلك هو المغرب. ليس جزيرة معزولة في بحر العرب. وليس تابعا لأحد. إنه بلد له ذاكرة طويلة، ومصالحه الخاصة، وحقه الكامل في أن يختار طريقه. ومن عرف قيمة أرضه، لا يحتاج إلى إذن أحد كي يحبها.
