نشيد الأكاذيب الفاضلة

كرونيك الا نتخابات

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

كانت المدن تستيقظ كل صباح على همهمة تشبه الصلاة، لكنها لم تكن صلاة. كانت أصواتا تخرج من حناجر الميكروفونات المعلقة فوق الشوارع، ومن مكبرات الصوت التي لا تنام، ومن أفواه المرشحين الذين اكتشفوا منذ زمن أن الناس لا يحتاجون إلى الحقيقة بقدر ما يحتاجون إلى وعد جميل يعلقونه فوق أسرّتهم قبل النوم. في تلك المدن، لم يكن المرشح يظهر كما يظهر البشر. كان يظهر كما تظهر الأحلام حين تكون مصابة بالحمى. يخرج من بين اللافتات، محاطا بالصور التي تشبهه ولا تشبهه، يبتسم ابتسامة واسعة تكفي لإضاءة شارع كامل، ويرفع يده كما لو أنه يحيي جمهورا من الموتى. وكانت صورته تكبر كلما اقترب موعد الانتخابات، حتى صار وجهه أكبر من الجدران، ثم أكبر من الشوارع، ثم أكبر من عقول الذين ينظرون إليه.

كان لكل مرشح وجه للنهار، ووجه للمساء، ووجه للكاميرات، ووجه للباعة، ووجه للعمال، ووجه للفقراء، ووجه للأغنياء، ووجه للذين لا يعرفون ماذا يريدون. وكان هناك وجه سري لا يراه أحد. وجهه حين ينفرد بنفسه في غرفة مغلقة، وينظر إلى المرآة، ويسألها: ماذا وعدتهم هذه المرة؟ فتجيبه المرآة: لا تسأل. لقد نسوا الوعد السابق. وهكذا بدأت اللعبة. كانت الوعود تنزل إلى الشوارع مثل مطر ذهبي، وكل وعد يحمل اسما جميلا: مستقبل، كرامة، عدالة، رخاء، فرصة، تغيير، نهضة، بداية جديدة. لكن أحدا لم يكن يسأل أين تنتهي هذه الكلمات. كانت الكلمات تشبه الطيور المهاجرة. تدخل المدن من جهة، ثم تختفي من جهة أخرى، تاركة وراءها ريشا لامعا وبعض الأغاني القديمة. وكان المرشحون يعرفون أن الوعد لا يحتاج إلى أن يكون قابلا للتحقق. كان يكفي أن يكون قابلا للتصديق.

وهذه كانت الموهبة الكبرى التي يتعلمونها قبل الانتخابات: كيف تجعل المستحيل يبدو مؤجلا فقط. كان أحدهم يعد الناس بأن الغد سيكون أفضل. وكان آخر يعدهم بأن بعد الغد سيكون أعظم. وكان ثالث لا يعد بشيء سوى أنه لن يكون مثل الآخرين. وكان الناس يصفقون. لم يكن التصفيق دائما تصديقا. أحيانا كان خوفا. وأحيانا كان مللا. وأحيانا كان رغبة سرية في أن يكون الكذب هذه المرة صادقا. وفي كل مدينة كان المرشحون يكتشفون شيئا عجيبا: أن الناخب لا يريد دائما مرشحا يعرف الحقيقة، بل يريد مرشحا يعرف كيف يتحدث عنها دون أن يقولها. ولهذا كانت المنصات تمتلئ بالخطابات. كان المرشح يصعد، يضع يده على صدره، ينظر إلى السماء، ثم إلى الجمهور، ثم يقول كلمات يعرف الجميع أنها قد لا تعني شيئا، لكن الجميع يصفقون لها لأنها قيلت بالصوت المناسب. كان لكل كلمة ظل. ولكل وعد تاريخ انتهاء. ولكل ابتسامة فاتورة مخفية.

ومع اقتراب الانتخابات، كانت المدن تتحول إلى مسرح هائل. المرشحون ممثلون. الناخبون جمهور مرتبك. والوعود ديكور يمكن تغييره بين مشهد وآخر. حتى الكذب نفسه كان يرتدي ملابس مختلفة. مرة يرتدي بدلة زرقاء. ومرة ربطة عنق حمراء. ومرة قميصا بسيطا حتى يبدو قريبا من الناس. ومرة يمشي حافيا فوق منصة مزينة بالزهور ليقنع الجميع أنه جاء من بينهم. وكان هناك رجال متخصصون في تعليم المرشحين كيف يضحكون. ورجال يعلمونهم متى يصمتون. ورجال يعلمونهم كيف ينظرون إلى الكاميرا كما لو أنهم ينظرون في عيني أم وأب ينتظران المعجزة. وكان هناك آخرون مهمتهم أخطر: تعليم المرشح كيف ينسى وعده دون أن يبدو أنه نسيه.

في الأسواق، كان الناس يتداولون الوعود كما يتداولون العملات. هذا المرشح وعد بمليون. ذاك وعد بمليارين. وثالث وعد بشيء لا يمكن حسابه. وكان أحد الباعة العجائز يضحك كلما سمع رقما جديدا، ثم يقول: الأرقام أيضا تكذب عندما تدخل موسم الانتخابات. سأله شاب يوما: ولماذا يصدق الناس؟ نظر إليه العجوز طويلا وقال: لأن الحقيقة لا تملك ميزانية للحملة. ثم أغلق دكانه. كان يبيع المرايا. وفي كل المدن، كانت المرايا تعرف أكثر مما يعرف المرشحون. كانت ترى وجوههم قبل أن تصعد إلى المنصات. ترى الخوف تحت المكياج. ترى التعب خلف الابتسامة. ترى اليد التي ترتجف قبل أن تلوح للجمهور. وترى شيئا آخر لا يراه الناس: أن بعض المرشحين كانوا يصدقون وعودهم في اللحظة التي ينطقون بها.

وهذا هو الشكل الأكثر غرابة للكذب. أن يكذب الإنسان على الآخرين حتى يصدق نفسه. كانت الانتخابات تقترب. وكانت الشوارع تمتلئ بالصور. وجه فوق وجه. وابتسامة فوق ابتسامة. ووعد فوق وعد. حتى صار من الصعب على الناس أن يروا الجدران تحت المرشحين. ثم جاء اليوم الذي انتظرته المدن كلها. فتح الناس أبوابهم. خرجوا. دخلوا إلى صناديق الاقتراع. ووقف المرشحون في أماكنهم مثل عرائس خشبية تنتظر أن تحركها يد غير مرئية. في تلك اللحظة، حدث شيء لم ينتبه إليه أحد. تحركت أول أكذوبة. لم تكن على لافتة. لم تكن في خطاب. لم تكن في فم مرشح. كانت بين يد الناخب وورقة الاقتراع. كانت صغيرة جدا، لكنها كانت حية. رفعت رأسها. نظرت حولها. ثم ابتسمت. لأن الانتخابات لم تكن قد انتهت. كانت قد بدأت فقط. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المدن تعرف من الذي ينتخب من. هل كان الناس ينتخبون المرشحين؟ أم كان المرشحون ينتخبون الأكذوبة التي ستعيش بعدهم؟ لم يجب أحد. لأن الجميع كانوا مشغولين بالتصفيق.

يتبع…

One thought on “نشيد الأكاذيب الفاضلة

  1. الحقيقة تهاب الضجيج. منطق هذا الأخير خلط الأوراق يتشابه لغة ما يتم تسويقها بوصف برنامجا، وهو ليس سوى شعارات ودعاية…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *