نشيد الأكاذيب الفاضلة

الجزء الثاني: المثقف والانتخابات

بقلم زكية لعروسي، رئيسة التحرير-باريس

كان المثقف في المدن يعيش مشكلة لا يعرف كيف يسميها. لم يكن ضد الانتخابات، ولا مع الانتخابات بالمعنى الذي يجعل المرء يرفع لافتة ويقف تحت الشمس ساعات طويلة كي يثبت أنه يحب صندوقا خشبيا أكثر مما يحب حياته. كان يؤمن أن للناس حقا في أن يختاروا، حتى لو اختاروا ما يندمون عليه لاحقا، وأن الوطن ليس غرفة مغلقة يقرر فيها شخص واحد مصير الجميع، بل بيتا واسعا ينبغي أن يسمع فيه كل صوت، حتى ذلك الصوت الذي يزعج الأثاث. لكنه كان يخاف من شيء آخر. كان يخاف أن تتحول الديمقراطية من وسيلة لكي يتكلم الناس إلى حيلة تجعلهم يتكلمون كثيرا، ثم ينسون ماذا قالوا. ولهذا كان يراقب الانتخابات كما يراقب الطبيب مريضا يحبه. لا يريد له الموت. ولا يريد أن يكذب عليه بشأن الحمى.

كان يفتح الصحف، ويستمع إلى المرشحين، ويشاهد المناظرات، ويقرأ البرامج، ثم يضع نظارته فوق رأسه ويقول: هناك شيء غريب. ثم يسكت. لم يكن الغريب في المرشح الذي يعد الناس. فالوعد جزء من اللعبة., ولم يكن الغريب في الجمهور الذي يصفق. فالجمهور، مثل القلب، يحتاج أحيانا إلى شيء يخفق من أجله. الغريب كان في تلك المسافة الصغيرة بين ما يقوله المرشح وما يسمعه الناس. هناك، في تلك المسافة التي لا تزيد أحيانا على ثانية واحدة، كان المثقف يضع مجهره. وكان يرى أشياء لا تظهر للعين المجردة. يرى كلمة تتغير حين تخرج من فم المرشح. ويرى جملة تبدأ كفكرة وتنتهي كتعويذة. ويرى رقما يرتدي بدلة رسمية حتى لا يسأل أحد من أين جاء. ويرى كلمة «الوطن» تدخل الخطاب من الباب الكبير، ثم تخرج منه وقد فقدت بعض أعضائها. وكان أكثر ما يدهشه أن المرشح حين يقول «نحن»، لا يكون واضحا دائما من يقصد. نحن من؟ المرشح وحزبه؟ المرشح وأنصاره؟ المرشح والناس؟ الناس والمرشح؟ الوطن كله؟ أم ذلك الكائن الغامض الذي يظهر في الخطب الانتخابية ولا يظهر في أي سجل مدني؟

كان المثقف يكتب في هامش الصحيفة: «أخطر كلمة في الانتخابات هي كلمة نحن، لأنها تستطيع أن تجعل شخصا واحدا يتكلم باسم ملايين البشر دون أن يضطر إلى سؤالهم.» ثم يضع نقطة. لا لأنه وجد الحقيقة. بل لأنه يعرف أن النقطة نفسها تحتاج إلى مراجعة. كان يذهب إلى المناظرات. يجلس في الصفوف الخلفية. لا يحمل لافتة. لا يصفق كثيرا. ولا يصفّر. كان يصغي. وحين ينتهي المرشح من كلامه، لا يسأل: هل أنت صادق؟ كان يسأل: ماذا ستفعل إذا لم تستطع تنفيذ ما وعدت به؟ وكان هذا السؤال يزعج المرشح أكثر من سؤال الاتهام. لأن الاتهام يمكن الدفاع عنه. أما السؤال فيترك المرء وحيدا أمام مستقبله. كان أحد المرشحين يجيبه: سأبذل كل جهدي. فيقول المثقف: هذا جميل. لكن ماذا ستفعل إذا لم يكف جهدك؟ فيضحك المرشح. ويضحك الجمهور. ويضحك المذيع. ثم ينتقل البرنامج إلى فاصل إعلاني عن مسحوق يغسل الذنوب من الملابس.

كان المثقف يضحك أيضا. لم يكن يملك ترف الغضب الدائم. الغضب الطويل يجعل المثقف يشبه موظفا غاضبا من الكون. وهو لم يكن يريد أن يصبح موظفا عند غضبه. كان يريد أن يفهم. وكان يعرف أن فهم المرشح لا يعني كرهه. بل ربما كان أصعب أشكال احترامه. فأن تسأل المرشح عن برنامجه ليس عداء له. وأن تكشف تناقض كلامه ليس خيانة للوطن. وأن تقول له إن بعض وعوده غير قابلة للحياة لا يعني أنك تريد للناس أن يعيشوا في اليأس. كان المثقف يرى الوطن أكبر من المرشح، وأكبر من الحزب، وأكبر من الانتخابات نفسها. ولهذا كان يرفض تلك العادة القديمة التي تجعل من نقد المرشح خيانة للوطن. كان يقول: «إذا كان الوطن يحتاج إلى صمتي كي ينجو، فهو يحتاج إلى طبيب لا إلى مواطن.» ثم يسكت قليلا. ويضيف: «الوطن ليس مرشحا حتى ندافع عنه كما ندافع عن مرشح.» وكانت هذه الجملة تثير حفيظة الجميع. فالذين يحبون المرشح كانوا يظنون أنه يهاجمه. والذين يكرهونه كانوا يظنون أنه يمدحه. أما هو فكان يحاول فقط أن يعيد الوطن إلى مكانه الصحيح. فوق الجميع. لا في جيب أحد.

في المدن، كان الناس ينظرون إلى المرشحين بعين القلب. أما المثقف فكان يحاول أن ينظر بعينين: عين تحب الناس. وعين تشك في اللغة. وكانت هذه الازدواجية ترهقه. كان يرى امرأة تنتظر منذ سنوات فرصة لابنها، فتسمع مرشحا يعدها بأن المستقبل سيبتسم. فيرى في عينيها شيئا لا يستطيع السخرية منه. ويرى عاملا أنهكه الانتظار، فيسمع مرشحا يتحدث عن الكرامة، فيفهم لماذا يصفق العامل. ويرى شابا يحمل شهادة ولا يحمل وظيفة، فيسمع كلمة «التغيير»، فيدرك أن الكلمة بالنسبة إليه ليست شعارا. إنها رغبة في أن يتغير شيء، أي شيء. ولهذا لم يكن المثقف يسخر من الناس. كان يسخر من الذين يعرفون حاجة الناس إلى الأمل، ثم يحولون هذا الأمل إلى مادة انتخابية. كان يعرف أن الإنسان الجائع لا يحتاج إلى محاضرة في الاقتصاد كي يصدق وعدا. يكفيه أن يسمع كلمة «غدا». وغدا كلمة خطيرة. إنها اليوم الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يطلب منه إثبات هويته.

كان المثقف يكتب عن ذلك كله. لكن كتابته لم تكن خطبة. كان يدخل إلى خطاب المرشح كما يدخل عالم آثار إلى مقبرة قديمة. يرفع طبقة من الغبار. يجد وعدا. يرفع طبقة أخرى. يجد خوفا. ثم طبقة ثالثة. فيجد حاجة حقيقية اختبأت تحت الكلام. وكان يقول: «المشكلة ليست دائما أن المرشح يكذب. أحيانا المشكلة أن الحقيقة نفسها تصل إلى المنصة مرتدية ملابس لا تناسبها.» ولهذا كان يناقش. يناقش بهدوء. يسأل. يقارن. يفكك الجملة. يعيد ترتيب الأرقام. يضع الوعد بجانب القدرة على تنفيذه. ثم يترك القارئ يحكم. كان يعرف أن المثقف الذي يقرر للناس ماذا يفكرون ليس بعيدا كثيرا عن المرشح الذي يقرر لهم ماذا يريدون. وكانت هذه أكثر فكرة يخاف منها. لذلك لم يكن يقول: «أنا أعرف.» كان يقول: «لننظر معا.»

لم يكن يضع نفسه فوق الجمهور. كان يجلس بينهم. يشعر بالخوف نفسه، ويدفع الضرائب نفسها، ويشتري الخبز نفسه، وينتظر الغد نفسه. لكن الفرق الوحيد أنه كان يحمل قلما. والقلم، في نظره، ليس سلاحا. السلاح ينتهي حين يصيب. أما القلم فيبدأ حين يصيب. كان يعرف أن كلمة واحدة قد تفتح في ذهن قارئ نافذة لا يستطيع المرشح إغلاقها. ولهذا كان المرشحون لا يخافون من كتابه بقدر ما يخافون من سؤال ينتشر بعد كتابه. فالسؤال لا يحتاج إلى حزب. ولا إلى مكتب. ولا إلى منصة. يكفيه رأس واحد. ثم يبحث عن رأس آخر. وهكذا كانت المدن تتغير بطريقة لا تراها الكاميرات. كان سؤال صغير يظهر في مقهى. ثم ينتقل إلى حافلة. ثم إلى جامعة. ثم إلى بيت. ثم يجلس على مائدة العشاء بين الأب وابنه. وفجأة يصبح الوعد الانتخابي الذي كان قبل أيام يبدو مقدسا موضوعا للفحص. كان المثقف يعرف أن هذه ليست ثورة. إنها فقط بداية التفكير. وكان يرى أن بداية التفكير في مدينة معتادة على التصفيق تشبه فتح نافذة في غرفة امتلأت بالدخان. لا ينهار البيت. لا تموت الموسيقى. لا تنتهي الحفلة. يدخل الهواء فقط. وهذا يكفي أحيانا.

في إحدى المناظرات، وقف مرشح شاب وقال: «أنا أعدكم بأنني سأعيد الثقة إلى الناس.» رفع المثقف يده. سمح له المذيع بالكلام. قال: «ومن سيعيد الثقة إليك إذا اكتشف الناس أنك لم تستحقها؟» ساد الصمت. لم يكن سؤالا عدائيا. كان سؤالا بسيطا. لكن البساطة أحيانا أكثر وحشية من السكين. نظر المرشح إلى الجمهور. ثم ابتسم. قال: «أنا أثق بالشعب.» ابتسم المثقف. وقال: «إذن لا تجعل ثقة الشعب بديلا عن ثقتك بالحقيقة.» لم يصفق أحد للحظة. ثم بدأ التصفيق من مكان بعيد. صفق شخص واحد. ثم اثنان. ثم توقفت الكاميرا عن تصوير المثقف. وهنا فهم شيئا. لم تكن المشكلة أن الأفكار ضعيفة. المشكلة أن الأفكار لا تملك دائما مصورين جيدين. عاد إلى منزله في تلك الليلة. فتح النافذة. كانت المدن مضاءة. من بعيد، بدت كأنها كائنات ضخمة نائمة وعين واحدة مفتوحة. قال في نفسه:

ربما لا يحتاج الوطن إلى مثقف يكره الانتخابات. وربما لا يحتاج إلى مثقف يصفق لها. إنه يحتاج إلى مثقف يستطيع أن يحب الوطن بما يكفي لكي يسأل. ويحب الناس بما يكفي لكي لا يسخر من خوفهم. ويحترم الديمقراطية بما يكفي لكي لا يحولها إلى ديانة. ويحترم عقله بما يكفي لكي لا يحوله إلى منصة انتخابية. ثم فتح دفتره وكتب: «أنا لا أريد أن أختار للناس. أريد فقط أن أساعدهم على رؤية ما يختارون.» توقف قليلا. ثم أضاف: «فالانتخابات لا تصبح عظيمة لأن الناس يصوتون. تصبح عظيمة حين يستطيع الناس أن يصوتوا وهم يرون، لا وهم مسحورون بما يكفي كي لا يسألوا.» أغلق الدفتر. وفي الخارج كانت المدن تواصل السير. لم تتغير. ولم تتوقف. ولم تسقط السماء. لكن شيئا صغيرا كان قد حدث. في مكان ما، كان مواطن يقرأ. وفي مكان آخر، كان مرشح يعيد قراءة جملة في خطابه. وفي مكان ثالث، كان شاب يسأل أباه: «هل نختار المرشح، أم نختار الطريقة التي نريد أن نرى بها وطننا؟» لم يسمع المثقف السؤال. لكنه ابتسم. فقد عرف أن القلم، حين ينجح، لا يجعل الناس يتبعونه. يجعلهم يتركونه ويمشون وحدهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *