سبتة ومليلة بين إرث التاريخ ومنطق الجغرافيا

بقلم الإعلامي حيمري البشير, كوبنهاغن- الدنمارك

ليس من السهل قراءة الموقف الأخير لرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز من أحداث سبتة بمعزل عن السياق التاريخي والسياسي والجغرافي الذي يحكم العلاقات المغربية الإسبانية. فالمسألة، في جوهرها، تتجاوز أزمة هجرة عابرة أو توترا حدوديا مؤقتا؛ إنها تختبر قدرة السياسة الإسبانية، وخصوصا اليسار الإسباني، على التوفيق بين خطابها حول العدالة والتحرر وحقوق الشعوب من جهة، وبين حسابات السيادة والمصالح الجيوسياسية من جهة أخرى. لقد كان خطاب سانشيز، في أعقاب أحداث سبتة، حاسما في تأكيد السيادة الإسبانية على المدينة، بل ذهب في خطابه أمام البرلمان إلى التأكيد أن حكومته لن تتخلى عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. كما وصف ما جرى بأنه مساس بالسلامة الإقليمية لإسبانيا، مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة استمرار التعاون مع المغرب.

ومن الطبيعي أن يقرأ المغرب هذا الخطاب من زاوية مختلفة تماما، لأن الرباط لا تنظر إلى سبتة ومليلية وبقية الجيوب والجزر المتنازع بشأن وضعها باعتبارها مجرد قضية حدودية عادية، وإنما باعتبارها امتدادا لملف تاريخي لم يغلق بعد. وهنا تبرز المفارقة التي تستحق التوقف والتأمل. كيف يمكن لسياسي ينتمي إلى اليسار الأوروبي، ويجعل من التضامن الدولي وحقوق الشعوب ومناهضة الاستعمار جزءا من خطابه السياسي، أن يتعامل مع ملف ذي حمولة استعمارية وتاريخية بهذه الحساسية بمنطق السيادة المطلقة، من دون فتح أفق سياسي جدي للنقاش حول جذور القضية؟

هذا السؤال لا يتعلق بشخص بيدرو سانشيز وحده، ولا ينبغي اختزاله في موقف حزبي ضيق. إنه سؤال أوسع يتعلق بالتناقضات التي كثيرا ما تواجه السياسة الأوروبية عندما تصطدم المبادئ المعلنة بالمصالح الاستراتيجية.ة لقد رأينا، على سبيل المثال، مواقف أوروبية شديدة اللهجة في ملفات الاحتلال وحقوق الإنسان في مناطق مختلفة من العالم، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، بينما يصبح الخطاب أكثر تحفظا عندما يتعلق الأمر بتاريخ أوروبي استعماري أو بحدود تركتها الإمبراطوريات وراءها في مناطق أخرى من العالم.

ومن هنا فإن المعضلة ليست في أن تكون لإسبانيا مصالح أو مخاوف أمنية في سبتة ومليلية؛ فمن الطبيعي أن تدافع كل دولة عن مصالحها. المعضلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الدفاع عن المصالح إلى إغلاق كامل لباب النقاش التاريخي والسياسي، وكأن الزمن وحده قادر على إسقاط ذاكرة الشعوب. المغرب لا يعيش قضية سبتة ومليلية باعتبارها مجرد ملف دبلوماسي في أدراج وزارة الخارجية. إنها قضية حاضرة في الذاكرة الوطنية، وفي الوعي السياسي والشعبي، ولذلك فإن تجاهل بعدها التاريخي لا يؤدي إلى اختفائها، بل قد يجعلها أكثر قابلية للتوظيف السياسي. وفي المقابل، فإن من الخطأ أيضا تحويل هذه القضية إلى دعوة للمواجهة أو إلى خطاب يستسهل احتمال الحرب. فالمغرب وإسبانيا دولتان جارتان تربطهما مصالح اقتصادية وأمنية وإنسانية عميقة، وأي صدام بينهما لن يكون حدثا محليا محدودا. فالبلدان يقعان على جانبي واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم: مضيق جبل طارق. ومنطقة غرب المتوسط ليست مجرد فضاء جغرافي، وإنما عقدة تربط أوروبا بإفريقيا، والبحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، وتشكل ممرا بالغ الأهمية للتجارة والطاقة والملاحة الدولية.

ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي ألا يسمح للخلافات الثنائية بأن تتحول إلى أزمة استراتيجية مفتوحة. لقد أظهرت أزمات دولية حديثة، بما فيها تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط، أن اضطراب طرق الملاحة لا يتوقف أثره عند حدود الدول المتحاربة. ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد، وإعادة توجيه السفن، وتأخير حركة التجارة، كلها نتائج يمكن أن تنتقل بسرعة من منطقة جغرافية إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. ومن هنا فإن المغرب وإسبانيا لا يملكان رفاهية تحويل خلافاتهما إلى مواجهة مفتوحة. إن المحافظة على الأمن في مضيق جبل طارق ليست مسؤولية مغربية أو إسبانية فقط، وإنما مسؤولية إقليمية ودولية، بالنظر إلى أهمية المنطقة بالنسبة إلى التجارة العالمية. لكن الاستقرار الحقيقي لا يعني تجميد الملفات التاريخية إلى الأبد. فالتاريخ الذي يتم تأجيله باستمرار لا يموت؛ بل ينتظر اللحظة السياسية التي يعود فيها إلى الواجهة. فالحكمة تقتضي الانتقال من سياسة إدارة النزاع إلى سياسة إدارة الحوار. قد تختلف الرباط ومدريد حول توصيف الوضع القانوني والتاريخي لسبتة ومليلية، وقد يتمسك كل طرف بموقفه السيادي؛ وهذا واقع سياسي قائم اليوم.

لكن استمرار الخلاف لا ينبغي أن يمنع التفكير في آليات جديدة للحوار، تتيح مناقشة القضايا التاريخية والسياسية والأمنية والاقتصادية بعيدا عن منطق التهديد والتصعيد. وهنا تحديدا يمكن لليسار الإسباني أن يستعيد شيئا من المعنى السياسي الذي طالما ارتبط به: القدرة على البحث عن حلول للنزاعات، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات؛ والانفتاح على الحوار، لا تحويل القضايا التاريخية إلى خطوط حمراء لا يجوز حتى مناقشتها. فإذا كان اليسار الإسباني يرفض الاستعمار عندما يتعلق الأمر بمناطق أخرى من العالم، فمن المشروع أن يطرح عليه السؤال: كيف ينظر إلى إرث إسبانيا الاستعماري في شمال إفريقيا؟ وهل يمكن أن تكون هناك مقاربة أكثر جرأة وواقعية لهذا الإرث، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تبني الموقف المغربي أو التخلي الفوري عن الموقف الإسباني؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى إنكار الواقع القانوني والسياسي القائم، وإنما دعوة إلى التفكير في المستقبل. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن الدفاع عن المطالب التاريخية لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب تصعيدي. فالقوة الحقيقية للدبلوماسية ليست في ارتفاع نبرة الخطاب، وإنما في قدرتها على تحويل الذاكرة التاريخية إلى مشروع سياسي طويل النفس، يقوم على القانون والحوار وتراكم الدعم الدولي والمصالح المشتركة. وفي هذا السياق، فإن المغرب وإسبانيا أمام فرصة تاريخية: بدلا من أن تكون سبتة ومليلية عنوانا دائما للتوتر، لماذا لا تصبحان موضوعا لحوار استراتيجي طويل الأمد حول مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية؟ لماذا لا يفتح نقاش هادئ حول الحدود، والتجارة، والهجرة، والأمن، والتنمية المشتركة، والتاريخ، والذاكرة الاستعمارية، ومستقبل العلاقات بين ضفتي المضيق؟

إن العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تختزل في أزمة حدودية، وأعمق من أن تختصر في تصريحات سياسية ظرفية. هناك ملايين المصالح الاقتصادية المشتركة، وحركة بشرية مستمرة، وروابط إنسانية وثقافية، وتاريخ طويل من التفاعل بين الشعبين. والمغاربة، رغم اختلافهم مع السياسة الإسبانية في ملفات متعددة، يدركون أيضا أن إسبانيا جزء أساسي من تاريخ الضفة الجنوبية للمتوسط، وأن الإرث الأندلسي يمثل جسرا حضاريا لا ينبغي أن يتحول إلى جدار سياسي. إن تاريخ الأندلس ليس ملكا لشعب واحد؛ إنه جزء من ذاكرة مشتركة يمكن للمغاربة والإسبان أن يجعلوا منها جسرا للمستقبل بدل أن تبقى مجرد صفحة من الماضي. ولذلك، فإن المسؤولية السياسية اليوم تقع على عاتق العقلاء في الرباط ومدريد معا. ليس المطلوب إشعال مواجهة حول سبتة ومليلية، وليس المطلوب أيضا دفن القضية تحت طبقات من البيانات الرسمية. المطلوب هو شيء أكثر صعوبة وأكثر نضجا: حوار صريح، هادئ، طويل النفس، يعترف بوجود الخلاف، لكنه يرفض تحويله إلى قدر محتوم للصراع. أما استمرار سياسة الإنكار المتبادل، والتصعيد الإعلامي، وتوظيف الهجرة في الخلافات السياسية، فإنه لن يؤدي إلا إلى تعميق انعدام الثقة.

لقد أثبت التاريخ أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وأن الشعوب لا يمكن مطالبتها بنسيان ذاكرتها. كما أثبت التاريخ أيضا أن الحروب لا تحل دائما المشكلات التي تبدأ بسببها. ومن هنا فإن مصلحة المغرب وإسبانيا ليست في البحث عن طريق يؤدي إلى المواجهة، وإنما في البحث عن طريق يجعل من الخلاف نفسه مدخلا إلى تسوية تاريخية متدرجة، تحفظ مصالح السكان، وتضمن الاستقرار، وتفتح الباب أمام مستقبل مختلف للعلاقات بين البلدين. فالمغرب وإسبانيا لا يحتاجان إلى حرب جديدة في غرب المتوسط؛ إنهما يحتاجان إلى شجاعة سياسية من نوع آخر: شجاعة الجلوس إلى طاولة الحوار عندما يكون التصعيد أسهل، وشجاعة الاعتراف بأن بعض ملفات التاريخ لا تغلق بالقوة، وإنما بالسياسة.

و ستبقى سبتة ومليلية جزءا من الذاكرة السياسية المغربية، كما ستبقى المدينتان، وفق الموقف الرسمي الإسباني الحالي، جزءا من تصور إسبانيا لسلامتها الإقليمية. وبين الموقفين مساحة واسعة يمكن أن تتحرك فيها الدبلوماسية. وهذه المساحة هي التي ينبغي أن تستثمر. فالمستقبل لا يبنى بإعادة إنتاج صراعات الماضي، وإنما بتحويل أكثر الملفات حساسية إلى فرصة لصناعة سلام أكثر استدامة، وتعاون أكثر عمقا، وجوار أكثر احتراما. تلك هي مسؤولية السياسة، وتلك هي قيمة الحوار، وتلك هي الحكمة التي يحتاجها مضيق جبل طارق في زمن تتسارع فيه الأزمات من حوله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *