هل تكون الكرة الذهبية من نصيب ابن مهاجر مغربي؟

لامين يامال بين مجد إسبانيا وذاكرة العرائش

بقلم عبد الله شوكا، كاتب صحافي-المغرب

في كرة القدم لحظات لا تحتاج إلى صافرة حكم كي تبدأ، ولا إلى مدرجات كي تضج. يكفي أن يقترب موعد الإعلان، حتى تتحول الكرة الذهبية إلى كرة من نار، تتقاذفها التكهنات، وتتنازعها الصحافة، ويضع كل بلد في مرشح بعينه شيئا من كبريائه الوطني، وشيئا من ذاكرته، وأحيانا شيئا من الحلم الذي لا تعترف به جداول الإحصائيات. وهذه المرة، يبدو المشهد أكثر التباسا من السنوات التي كان فيها اسم الفائز يكاد يكون مكتوبا على الظرف قبل أن يفتح. لم تعد الكرة الذهبية رهينة عصر ميسي ورونالدو، حين كان السؤال في أحيان كثيرة يبدو كأنه يبحث عن الفائز بين اسمين يعرفهما العالم قبل أن تبدأ الحفلة. أما اليوم، فقد اتسعت الدائرة، وتشابكت المعايير، وأصبح كل مرشح يحمل معه ملفا من الإنجازات يجعل التكهن أقرب إلى السير فوق حبل مشدود. وسيكون مسرح الكرة الذهبية 2026 في لندن يوم 26 أكتوبر، في النسخة السبعين من الجائزة التي انطلقت سنة 1956، والتي باتت تنظم بشراكة بين فرانس فوتبول والاتحاد الأوروبي لكرة القدم منذ 2024. والقائمة الرسمية للمرشحين تضم ثلاثين اسما، بينهم لامين يامال، وأوسمان ديمبيلي، وكيليان مبابي، وأشرف حكيمي، وفيتينيا، وجود بيلينغهام، وغيرهم من كبار نجوم الموسم.

لكن الإسم الذي يجذب العين المغربية قبل غيرها هو لامين يامال. ليس فقط لان يامال لاعب استثنائي، ولا لان سنه ما زال صغيرا قياسا بحجم ما حققه، وإنما لان وراء ذلك الوجه الكروي الذي أصبح مألوفا في ملاعب العالم حكاية أخرى، أكثر تعقيدا من كرة القدم نفسها. إنه ابن مغربي. أو، بدقة أكبر، ابن مونير نصراوي، المغربي المنحدر من مدينة العرائش، وأم من غينيا الاستوائية. أما لامين نفسه فقد ولد في إسبانيا، في إسبلوغاس دي يوبريغات، ونشأ في كاتالونيا، وبين ماتارو وغرانويرس، قبل أن يصبح واحدا من أبرز وجوه برشلونة والمنتخب الإسباني. وقد وثقت صحيفة «ليكيب» صلة عائلة يامال بالعرائش، مشيرة إلى أن والده وجدته من المدينة، وأن يامال نفسه كان يقضي جزءا من طفولته في المغرب. وهنا تبدأ القصة التي تجعل الكرة الذهبية، بالنسبة إلى المغاربة، أكبر من مجرد كأس من ذهب. ففيها شيء من العرائش التي تقف بعيدة عن صخب برشلونة، مدينة أطلسية هادئة، خرج منها الأب يوما، قبل أن يعبر إلى الضفة الأخرى ويبدأ حياة جديدة. وفيها شيء من تلك الهجرة التي لا تعرف كيف تصنف نفسها دائما: هل هي مغادرة؟ أم بحث عن فرصة؟ أم اقتلاع مؤقت؟ أم بداية لحياة أخرى لا يعرف صاحبها أين ستنتهي؟ والأدق هنا ألا نعيد إنتاج الرواية الشائعة التي تقول إن والد يامال وصل إلى إسبانيا عبر «الهجرة السرية». المعطيات المتاحة التي أمكن التحقق منها لا تثبت ذلك. بل تشير رواية «ليكيب» إلى أن جدة يامال وصلت إلى إسبانيا سنة 1990 عبر العبارة من طنجة، ثم عملت على جلب أفراد أسرتها، وكان مونير من بينهم وهو صغير.

وهذه الدقة ليست تفصيلا صغيرا. لأننا حين نحول حياة عائلة إلى أسطورة، قد نكسب جملة مثيرة، لكننا نخسر الحقيقة. والحقيقة في قصة يامال أجمل من الأسطورة أصلا. فذلك الطفل الذي خرج من ذاكرة عائلة مغربية وإسبانية وغينية، وجد نفسه ذات يوم في قلب كرة القدم العالمية، حاملا ثلاث إمكانات وطنية نظريا: إسبانيا، بلد ميلاده ونشأته، والمغرب، بلد أبيه، وغينيا الاستوائية، بلد أمه. وقد اختار إسبانيا، وهو اختيار لم يكن غريبا بالنظر إلى مساره الكروي وتكوينه في برشلونة والمنتخبات الإسبانية. وتؤكد فيفا أنه كان مؤهلا لتمثيل المنتخبات الثلاثة. ومن هنا تأتي تلك الحسرة المغربية الصغيرة التي ترافق كل نجاح لامين يامال: ماذا لو اختار المغرب؟ لكن التاريخ الرياضي لا يعيش على «ماذا لو». لقد اختار يامال إسبانيا، وأصبح جزءا من تاريخها الكروي. وفي كأس العالم 2026 كان واحدا من أبرز نجوم المنتخب الإسباني الذي توج باللقب العالمي على حساب الأرجنتين، بعد الفوز عليها بهدف دون رد في النهائي. غير أن هناك تفصيلا مهما يجب ألا يضيع في الحماسة: الفوز بكأس العالم لا يعني أن يامال كان صاحب الكرة الذهبية للمونديال. جائزة أفضل لاعب في البطولة، المسماة «الكرة الذهبية» للمسابقة، ذهبت إلى الإسباني رودري، بينما حصل كيليان مبابي على الحذاء الذهبي بعد تسجيله عشرة أهداف. وهنا تصبح معركة الكرة الذهبية السنوية أكثر تعقيدا. فإذا كان يامال قد خرج من المونديال متوجا بطلا للعالم مع إسبانيا، فإن الجائزة الفردية الكبرى في البطولة ذهبت إلى زميله رودري. كما أن أوسمان ديمبيلي يدخل السباق وهو حامل الكرة الذهبية لعام 2025، بعدما تفوق في التصويت على يامال الذي حل ثانيا، بينما جاء فيتينيا ثالثا. ولذلك فإن السؤال ليس: هل يكفي كأس العالم وحده لمنح يامال الكرة الذهبية؟

لا. فالكرة الذهبية ليست ميدالية تمنح لأفضل منتخب في العالم، ولا تتحول تلقائيا إلى جائزة للاعب الأكثر لمعانا في الفريق المتوج. إنها حصيلة موسم كامل، ومنافسة بين ملفات مختلفة، وقراءة لأثر اللاعب وأرقامه وإنجازاته وحضوره في اللحظات الكبرى. لكن يامال يدخل هذه المعركة وفي يده شيء لا يمكن تجاهله: الاستمرارية. ذلك الفتى الذي كان يبدو قبل سنوات كأنه مشروع نجم، أصبح اليوم نجما مكتمل الملامح، يحمل قميص برشلونة والمنتخب الإسباني تحت ضغط لا يرحم. وهو ما يجعل مجرد وجوده في قائمة المرشحين، في هذه السن، حدثا في حد ذاته. ثم هناك الجانب الذي لا تستطيع الأرقام أن تقيسه. الكاريزما. ذلك الشيء الغامض الذي يجعل اللاعب لا يكتفي بأن يلعب، بل يترك أثرا بصريا في ذاكرة المتفرج. مراوغة، لمسة، تسديدة، حركة جسد، أو لحظة تجعل المدرج كله يصمت لثانية قبل أن ينفجر. يامال ينتمي إلى هذا النوع. وهو ما جعل صورته تتجاوز حدود الملعب. حتى احتفاله الشهير بالرقم «304»، في إشارة إلى الرمز البريدي لحي روكافوندا في ماتارو، صار جزءا من حكايته الشخصية، كما لو أن اللاعب الذي يحمل قميص إسبانيا يريد أن يقول في كل مرة: أنا أيضا ابن مكان. ابن شارع. ابن حي. ابن قصة اجتماعية لا تختزلها قمصان المنتخبات.

فالبلد الذي ينحدر منه والد يامال لم يصنع هذا النجم كرويا، لكنه حاضر في جذوره. والمدينة التي ينحدر منها والده، العرائش، لم تمنحه ملعبا عالميا، لكنها منحته جزءا من الحكاية التي سبقت ميلاده. إنه واحد من أبناء الهجرة الذين لا يعودون إلى الوطن الذي خرج منه آباؤهم بالطريقة نفسها التي خرج بها الآباء. الأب غادر العرائش بحثا عن حياة. والإبن عاد إليها، في الذاكرة، كاسم عالمي. وهذه واحدة من أكثر مفارقات الهجرة جمالا وقسوة في آن واحد: قد يغادر الأب بلده حاملا حقيبة صغيرة، ثم يعود ابنه إليه ذات يوم محمولا على أكتاف الشهرة. لكن هل يمكن أن تكون الكرة الذهبية من نصيب ابن هذا المهاجر المغربي؟ هذا هو السؤال الذي سيظل مفتوحا حتى ليلة لندن. ولا ينبغي تحويله إلى يقين سابق لأوانه. فالقائمة الرسمية لا تقول إنّ يامال هو الفائز، ولا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بذلك. بل إن وجود ديمبيلي ومبابي وحكيمي وفيتينيا وبيلينغهام وغيرهم يجعل السباق مفتوحا من حيث المبدأ، ولكل مرشح ملفه الذي سيخضع للتصويت. لكن ثمة شيئا آخر يجعل فوز يامال، إذا تحقق، مختلفا عن مجرد انتصار لاعب في مسابقة فردية.

سيكون انتصار لاعب إسباني في الملعب، ولاعب من أصول مغربية في الذاكرة، وابن عائلة مهاجرة في الحكاية الأوروبية. وسيكون في مكان ما من الصورة ظل العرائش. لا لان الكرة الذهبية تمنح للأصول، ولا لان جينات الأب تصوت في صناديق المحكمين، وإنما لان كرة القدم الحديثة أصبحت مرآة كبرى للهجرة نفسها. أبناء المهاجرين لا يعودون مجرد ضيوف على أوروبا؛ بعضهم صار رمزا لها، وبعضهم صار عنوانا من عناوينها الرياضية والثقافية. ولعل هذا هو الدرس الأكثر إثارة في قصة لامين يامال. فالأوطان، في كرة القدم كما في الحياة، لم تعد دائما خطوطا مرسومة على الخرائط. قد يكون الوطن لغة يتحدثها الأب، ومدينة يحملها في ذاكرته، وعلما يظهر على حذاء لاعب، وحيّا يحتفل به بعد كل هدف، ومنتخبا اختار أن يدافع عن ألوانه. يامال إسباني في الملعب. مغربي من جهة الأب. غيني استوائي من جهة الأمّ. ومتوسطي في الحكاية كلها.

وهذه ليست أزمة هوية كما قد يحاول البعض تصويرها، بل ربما تكون الصورة الأكثر صدقا لأوروبا الجديدة: قارة تتغير وجوهها أسرع مما تتغير خرائطها. أما المغاربة، فسيظلون ينظرون إلى لامين بعينين في آن واحد. عين تقول: هذا واحد منا. وعين أخرى تعرف أن كلمة «منّا» نفسها أصبحت أكثر تعقيدا في عالم لا يعود فيه الابن بالضرورة إلى اختيار أبيه. ولذلك، حين تفتح الأظرفة في لندن مساء 26 أكتوبر، لن يكون السؤال المغربي الحقيقي فقط: هل سيفوز لامين يامال؟ سيكون السؤال الأعمق: هل يمكن لكرة من ذهب أن تحمل في لمعانها حكاية مدينة مغربية، وهجرة عائلية، وطفل ولد في إسبانيا، واختار إسبانيا، ثم صار أحد أكثر وجوه كرة القدم العالمية إثارة للدهشة؟ ربما هنا تكمن روعة كرة القدم. أنها تجعل الكرة التي تدور فوق العشب أصغر بكثير من الحكاية التي تدور حولها. والكرة الذهبية، إن وصلت يوما إلى يدي لامين يامال، لن تكون مغربية ولا إسبانية وحدها. ستكون، قبل كل شيء، كرة ذهبية لفتى ولد في الضفة الأخرى من الحكاية، بينما بقيت جذور أبيه في العرائش، تنتظر كل هذا الزمن كي يصبح اسم المدينة جزءا من قصة يعرفها العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *