الإرث التاريخي والاستعماري: أحد الجذور العميقة لاستمرار التخلف

بقلم محمد العيشوني

خبير في تمويل التنمية والسياسات العامة في إفريقيا

مقدمة

لا يمكن تفسير التخلف في إفريقيا جنوب الصحراء بالاستعمار وحده. لكن من الخطأ بالقدر نفسه الاعتقاد بأن قرونا من تجارة الرقيق والهيمنة الاستعمارية والإدماج القسري في الاقتصاد العالمي لم تترك سوى آثار هامشية. يشكل الإرث التاريخي أحد الجذور العميقة للهشاشة الاقتصادية والمؤسسية والمجالية الراهنة. فقد أثر في تشكل الدول، وتنظيم الاقتصادات، وتوزيع البنية التحتية، ونظم التعليم والصحة، وأنظمة حيازة الأراضي، والعلاقات بين الإدارات العامة والمواطنين. لا تهدف القراءة التالية إلى إنكار مسؤولية القادة الأفارقة منذ الاستقلال، ولا إلى تصوير المجتمعات الإفريقية باعتبارها أسيرة لماضيها. لكنها تساعد على فهم الأسباب التي جعلت العديد من البلدان تبدأ مسارها بعد الاستعمار بسكان يعانون الفقر، واقتصاديات موجهة نحو الخارج، ومؤسسات محدودة الشمول، ومجالات ترابية ضعيفة التكامل، وقدرات بشرية لم تحظ بما يكفي من التطوير. يخلق التاريخ قيودا ويجعل الخيارات اللاحقة مرتبطة بالمسارات السابقة، لكنه لا يشكل قدرا محتوما. كما أن الموروثات الاستعمارية اختلفت باختلاف الأقاليم، وأشكال الإدارة، وحجم الاستيطان الأوروبي، والموارد المستغلة، وقدرات المجتمعات الإفريقية على المقاومة أو التكيف (Austin، 2010).

هشاشة سبقت الاستعمار

حتى قبل الغزو الاستعماري، كانت مختلف أشكال تجارة الرقيق قد أثرت بعمق في بعض مناطق إفريقيا. فعلى مدى قرون، أسر ملايين الأشخاص ونقلوا أو رحلوا إلى الأمريكتين وأوروبا وشمال افريقيا والشرق الأوسط ومناطق المحيط الهندي. وإلى جانب الخسائر الديموغرافية، ساهمت تجارة الرقيق في زعزعة استقرار المجتمعات، وتأجيج النزاعات، وتحويل البنى السياسية، وترسيخ انعدام الثقة بين الجماعات. غير أن هذه الآثار تفاوتت تفاوتا كبيرا بحسب المناطق والفترات وأشكال تجارة الرقيق. استنادا إلى بيانات تاريخية حول أعداد المستعبدين الذين جرى تصديرهم، أبرز ناثان من وجود علاقة سلبية بين شدة تجارة الرقيق والأداء الاقتصادي المعاصر للبلدان الإفريقية (Nunn، 2008). كما توصلت دراسة أخرى أجراها مع ليونارد وانتشيكون إلى وجود علاقة بين التعرض التاريخي لتجارة الرقيق ومستويات الثقة الراهنة بين الأفراد وفي المؤسسات (Nunn و Want Chekon، 2011). ولا تزعم هذه الدراسات أن التاريخ يحدد السلوك المعاصر بصورة آلية، لكنها تظهر أن  الصدمات القديمة يمكن أن تنتقل عبر المؤسسات والأعراف الاجتماعية والذاكرة الجماعية. وهكذا، فرض الاستعمار على مجتمعات كانت قد تأثرت بالفعل، وإن بدرجات متفاوتة جدا، بقرون من استنزاف البشر والاضطرابات السياسية وإعادة تشكيل المبادلات التجارية.

دولة استعمارية صممت أساسا للسيطرة والاستخراج

لم تصمم الدولة الاستعمارية في إفريقيا، في الغالب، لتعزيز تنمية متوازنة بين المناطق، أوتوفير خدمات عامة للجميع، أوتمكين السكان من المشاركة السياسية. فقد تمثلت وظائفها ذات الأولوية في غزو الأقاليم وإدارتها، وحفظ النظام، وجباية الضرائب، وتعبئة اليد العاملة، وتنظيم استغلال الموارد لتلبية احتياجاتها الخاصة. كانت الإدارات الاستعمارية تعمل غالبا بأعداد محدودة من الموظفين، وتركز وجودها في العواصم والموانئ والمناطق المنجمية والأقاليم الزراعية المربحة ومحاور النقل الرئيسية. وكانت تدير جزءا كبيرا من المناطق الريفية بواسطة سلطات محلية، ضمن أنظمة للحكم المباشر أو غير المباشر. وقد حولت  هذه الأساليب، أحيانا، سلطات عرفية مرنة أو قائمة على التفاوض أو التدبير الجماعي إلى هياكل إدارية أكثر صرامة وتسلسلا. وأصبح الزعماء الذين تعترف بهم السلطة الاستعمارية أعوانا يتولون العمل نيابة عن المستعمرين: تحصيل الضرائب، وتجنيد اليد العاملة، وتنفيذ القرارات الإدارية، وحفظ النظام.

اعتمد تمويل الدولة الاستعمارية بدرجة كبيرة على الموارد المقتطعة من الأقاليم نفسها. ففي المستعمرات البريطانية، أثر الحرص على توازن الميزانية، وحفظ النظام بأقل تكلفة، وتشجيع الصادرات، بصورة قوية في السياسة الضريبية والإنفاق العام (Gardner، 2012). وفي عدد من الأقاليم الخاضعة للاستعمار الفرنسي، شكل العمل القسري صورة أساسية من صور الجباية العينية. وتبين كارلوس فان فاينبرغ أن هذه المساهمات في شكل عمل مثلت، في كثير من الحالات المدروسة، عنصرا رئيسيا من الموارد التي عبأتها الإدارة الاستعمارية (van Weijenberg، 2018). ساهم هذا التاريخ في بناء علاقة شديدة الاختلال بين الدولة والسكان. فلم تكن الإدارة ترى بوصفها أداة لخدمة المواطن بقدر ما كانت ترى بوصفها سلطة للرقابة والجباية والإكراه.  وعند الاستقلال، ورثت بلدان عديدة هذا الجهاز المركزي، الذي كان حضوره ضعيفا في بعض أجزاء البلاد، وخضوعه للمساءلة أمام السكان محدودا. تغير القادة، لكن بعض الممارسات استمرت: تركيز السلطة، وضعف آليات الرقابة على ممارستها، والتسلط الإداري، وهيمنة الدولة المركزية على الجماعات المحلية (Young، 1994؛ Cooper، 2002).

اقتصادات نظمت حول استخراج الموارد

وجه الاستعمار الاقتصادات الإفريقية بصورة عميقة نحو إنتاج المواد الأولية وتصديرها. وكان على كل إقليم أن يزود السوق الاستعمارية بالمنتجات التي تتناسب مع إمكاناته المتاحة: الكاكاو، والبن، والقطن، والفول السوداني، وزيت النخيل، والمطاط، والأخشاب، والنحاس، والذهب، والألماس، وغيرها من الموارد المعدنية. لم يكن هذا التخصص موجها، في الغالب، إلى بناء اقتصادات وطنية متنوعة، بل كان يستجيب أساسا لاحتياجات الدول المستعمرة والتجارة العالمية. وظلت أنشطة التحويل الصناعي محدودة، في حين كانت المعدات والمنتجات المصنعة تستورد من الخارج. وقد نشر والتر رودني على نطاق واسع فكرة مفادها أن الاستعمار لم يكتف باستغلال اقتصادات قائمة، بل وجه تطورها بصورة فعلية لخدمة احتياجات القوى الاستعمارية (Rodney، 1972). وقد أدخلت دراسات أحدث بعض التحفظات على التعميمات الواردة في هذه الأطروحة، مع تأكيدها أن التنظيم الاستعماري أثر بقوة في التخصصات الإنتاجية والمؤسسات والتفاوتات المجالية الموروثة (Austin، 2010).

لم يكن الاستقلال السياسي كافيا لإنهاء هذه البنية. فبحسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، ظلت السلع الأساسية تمثل أكثر من 60٪ من صادرات البضائع في 45 بلدا من أصل 54 بلدا إفريقيا، خلال الفترة التي تناولها تقريره الصادر سنة 2022. ويعرض هذا الاعتماد الاقتصادات لتقلبات الأسعار العالمية، ويحد من قدرتها على خلق قيمة مضافة ووظائف صناعية وإيرادات عامة مستقرة. وهكذا، يظل تناقض موروث عن هذا الاندماج الاقتصادي واضحا: بلدان غنية بالموارد الطبيعية تصدر أساسا منتجات خاما، وتستورد سلعا مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى. فهي تصدر الكاكاو وتستورد الشوكولاتة، وتبيع القطن وتشتري الملابس، أو تصدر المعادن الاستراتيجية ثم تستورد المعدات المصنعة من الموارد نفسها.

بنية تحتية موجهة نحو الموانئ

عكست البنية التحتية الاستعمارية المنطق نفسه. فقد ربطت السكك الحديدية والطرق، في المقام الأول، مناطق الإنتاج بموانئ التصدير. ولم تكن وظيفتها الأساسية ربط المناطق الافريقية بعضها ببعض، أو بناء أسواق وطنية وإقليمية متكاملة. وكانت لهذه الاستثمارات آثار متباينة. فقد ساهمت البنية التحتية الاستعمارية في نمو بعض المدن والأنشطة الاقتصادية، لكن توزيعها الانتقائي خلق أيضا اختلالات مجالية مستمرة، لا تزال ملموسة اليوم. وتظهر دراسة حول كينيا أن السكك الحديدية التي أنشئت خلال الفترة الاستعمارية أثرت بصورة دائمة في مواقع المدن والأنشطة الاقتصادية، حتى بعد زوال بعض الخطوط الحديدية أو تغيير مساراتها (Jedwab وKerby و Moradi، 2017). وبالمثل، تظهر أبحاث إليز هوييري حول إفريقيا الغربية الفرنسية أن المناطق التي تلقت استثمارات استعمارية أكبر في التعليم أو الصحة أو البنية التحتية، استمرت غالبا في الحصول على استثمارات أكبر بعد الاستقلال (Huilerie، 2009). لذلك، لا يقتصر الإرث الاستعماري على البنى التحتية التي أنشئت، بل يشمل أيضا  تلك التي لم تنشأ، والتوزيع الجغرافي غير المتكافئ للاستثمارات الذي نتج عن ذلك.

حدود لا تتلاءم بما يكفي مع الواقع الإفريقي

أنتج التقسيم الاستعماري حدودا حددتها، إلى حد كبير، موازين القوى والمفاوضات بين الدول الأوروبية. وقد فصلت هذه الحدود بعض الجماعات، وجمعت داخل الكيانات الإدارية نفسها شعوبا ذات مسارات تاريخية مختلفة، وقطعت فضاءات قديمة للتواصل الاقتصادي والسياسي والثقافي. ومع ذلك، ينبغي تجنب التفسير المفرط في التبسيط. فلم ترسم جميع الحدود دون أي معرفة بالواقع المحلي، كما أن التنوع الإثني لا يؤدي تلقائيا إلى النزاعات. إن ضعف المؤسسات، و التفاوتات المجالية، والإقصاء السياسي، والتوظيف السياسي للهويات، هي العوامل التي تحول التنوع، أساسا، إلى مصدر لعدم الاستقرار.

ومع ذلك، تظهر أبحاث ستيليوس ميخالوبولوس وإلياس بابايوانو أن آثار التقسيم الاستعماري لا تزال قابلة للقياس.  فوفقا للخرائط التي أعداها، قسمت المجالات التاريخية نحو 28٪ من الجماعات الإثنية اللغوية التي شملتها الدراسة بفعل الحدود الدولية. وقد شهدت المناطق التي تقطنها هذه الجماعات المقسمة، خلال الفترة محل التحليل، مستويات أعلى من العنف السياسي والتمييز وصعوبات الوصول إلى المنافع العامة، مقارنة بمناطق الجماعات غير المقسمة (Michalopoulos و Papaioannou، 2016). تكمن المشكلة الأساسية في صعوبة بناء جماعات سياسية تقوم على مواطنة مشتركة، وتوزيع منصف للموارد، ومشروع وطني جامع، انطلاقا من أقاليم صممت في البداية بوصفها وحدات إدارية استعمارية. كما أفرزت بعض الحدود دولا حبيسة لا منفذ لها إلى البحر، أو دولا تفتقر إلى التماسك الاقتصادي الكافي. ولا يزال هذا التجزؤ يثقل تكاليف النقل والمبادلات الإقليمية والبنية التحتية العابرة للحدود، ويعرقل تشكل أسواق واسعة بما يكفي لدعم التصنيع.

استثمار غير كاف وغير متكافئ في رأس المال البشري

كان التعليم الاستعماري موجها، في الغالب، إلى تلبية الاحتياجات المحدودة للإدارة والبعثات الدينية والشركات. وكان الهدف الأساسي تدريب الأعوان والكتبة والمترجمين والمعلمين والموظفين من الرتب الدنيا، لا إرساء تعليم شامل أو بناء قدرات علمية وتقنية واسعة. غير أن السياسات التعليمية اختلفت باختلاف القوى الاستعمارية والأقاليم ودور البعثات الدينية. فقد استفادت بعض المناطق من انتشار أوسع نسبيا للتمدرس، بينما بقيت مناطق أخرى محرومة تقريبا من المؤسسات التعليمية. وعند الاستقلال، لم يكن عدد من البلدان يمتلك سوى أعداد محدودة جدا من الأطر والمهندسين والأطباء والمعلمين والإداريين المؤهلين. وكان على الحكومات الجديدة أن تبني مؤسساتها، وتوسع الخدمات العامة، وتطور اقتصاداتها، وتكون نخبها الوطنية في الوقت نفسه.

وتظهر أعمال إليز هوييري أن التوزيع غير المتكافئ للاستثمارات الاستعمارية في التعليم خلف آثارا مجالية طويلة الأمد في إفريقيا الغربية الفرنسية. فقد احتفظت المناطق التي حظيت بالأفضلية منذ البداية بامتيازها في كثير من الأحيان، ولا سيما لأن الاستثمارات بعد الاستعمار اتجهت إلى اتباع  مواقع الاستثمارات السابقة (Huillery، 2009). أثر هذا الضعف الأولي في رأس المال البشري على تخطيط السياسات العامة وتنفيذها. كما عزز اعتمادا طويل الأمد على المساعدة الفنية الأجنبية، والاستشاريين الدوليين، ونماذج التنمية المصممة خارج القارة، ولا سيما لدى الجهات الدولية المانحة والممولة.

تفاوتات مجالية ترسخت على المدى الطويل

أعطى الاستعمار الأولوية للمناطق ذات الأهمية الاقتصادية أو الاستراتيجية: المناطق المنجمية، والأقاليم الزراعية المصدرة، والعواصم الإدارية، والموانئ، والممرات التجارية. وفي المقابل، تلقت المناطق الريفية النائية أو التي اعتبرت ضعيفة الربحية استثمارات أقل بكثير. ولا يزال هذا التوزيع الجغرافي غير المتكافئ للتنمية ملموسا. ففي بلدان عديدة، تتركز الإدارات والجامعات والمستشفيات  والاستثمارات الخاصة والبنى التحتية الحديثة في العاصمة وبعض المراكز الاقتصادية الكبرى، بينما تظل المناطق الطرفية ضعيفة التجهيز، أو محرومة منه تماما. لذلك، لا يمثل التخلف مجرد تأخر على المستوى الوطني. إنه أيضا نتاج تنظيم مجالي تتعايش فيه جيوب حديثة، غالبا ما تكون مرتبطة جيدا بالأسواق الخارجية، مع مساحات واسعة متروكة على هامش الاستثمار العام والخاص، وبالتالي على هامش التنمية.

نظم قانونية وعقارية مزدوجة

أضافت الأنظمة الاستعمارية القانون المستورد إلى الأعراف والممارسات المحلية. وقد أوجد هذا التعدد، على وجه الخصوص، تمييزا بين الملكية المسجلة قانونيا والحقوق العرفية. ولا يزال جزء مهم من الأراضي الريفية يستغل وفق حقوق تقليدية لا تحظى دائما باعتراف قانوني كاف. وقد يؤدي تعايش مصادر متعددة للشرعية، تشمل الدولة والسلطات العرفية والجماعات المحلية والأسر، إلى انعدام الأمن العقاري، وتسهيل النزاعات، وتمكين الأطراف الأقوى من الاستحواذ على الأراضي (Boone، 2014). وتظهر هذه الازدواجية المؤسسية أيضا في الاقتصاد. إذ يتعايش قطاع حديث ورسمي ومحمي نسبيا مع اقتصاد غير رسمي واسع، ضعيف التمويل، ومحدود الإنتاجية، ونادرا ما تشمله أنظمة الحماية الاجتماعية.

الاستقلال: قطيعة سياسية لم تكتمل

شكل الاستقلال إنجازا تاريخيا أساسيا. لكنه لم يحدث بصورة تلقائية تحولا في البنى الاقتصادية والإدارية والمجالية الموروثة عن الاستعمار. فقد تولت الحكومات الجديدة إدارة أجهزة مركزية، و اقتصادات تعتمد على صادرات المنتجات الأولية، وبنى تحتية موجهة نحو الخارج، وحدود يصعب تحقيق التكامل داخلها. كما اضطرت إلى مواجهة تنافس القوى خلال الحرب الباردة، والتدخلات الأجنبية، والانقلابات، وأزمات الديون، وبرامج التكيف الهيكلي في ثمانينيات القرن الماضي، من بين تحديات أخرى. ويصف فريدريك كوبر عددا من الدول الإفريقية بعد الاستعمار بأنها «دول حارسة للبوابة»، إذ كانت سلطتها ومواردها تعتمد  بدرجة كبيرة على التحكم في منافذ العلاقة مع الخارج: الجمارك، والمساعدات الدولية، والعملات الأجنبية، والامتيازات المنجمية، والعلاقات الدبلوماسية (Cooper، 2002). وقد شجع هذا النمط، أحيانا، على تركيز السلطة والتنافس من أجل السيطرة على الثروات والريع المرتبط بالدولة.

وفي عدد من البلدان، استخدمت النخب الوطنية أيضا المؤسسات الموروثة لتعزيز سلطتها، وتوزيع الموارد وفق منطق الزبونية و الانتماءات الإثنية، وإضعاف آليات الرقابة على السلطة. وهكذا، حلت أحيانا نظم داخلية للاستحواذ والنهب محل الهيمنة الخارجية. وبالمثل، انتظم التنافس على السلطة في عدد من دول ما بعد الاستعمار حول الانتماءات الإثنية أو القبلية. فقد تأسست بعض الأحزاب على هذه الأسس، أو وظفت هذه الهويات لتعزيز الدعم الذي تحظى به والوصول إلى موارد الدولة. ولا ينشأ هذا التطور آليا عن الاستعمار، لكنه يندرج ضمن مجتمعات كثيرا ما أدارتها السلطات الاستعمارية بالاستناد إلى تصنيفات إثنية وسلطات محلية وأشكال متفاوتة من التمثيل. وبعد الاستقلال، أمكن للنخب الوطنية أن تعيد توظيف هذه الموروثات، محولة الانتماءات الجماعية إلى محاور للهيمنة السياسية. وعليه، فإن الإرث الاستعماري لا يفسر  كل شيء. لقد خلق قيودا أولية وأشكالا مستمرة من التبعية، لكن السياسات المتبعة بعد الاستقلال استطاعت أن تفاقمها، أو تعيد إنتاجها، أو تتجاوزها في بعض الحالات.

إرث حقيقي، لكنه ليس قدرا محتوما

لم تعش إفريقيا جنوب الصحراء تجربة استعمارية موحدة. فقد اختلفت أشكال الهيمنة، ومدة الاستعمار، والنظم الإدارية، وحجم الاستيطان الأوروبي، والتخصصات الاقتصادية، اختلافا كبيرا من بلد إلى آخر. وحتى أطروحة «المؤسسات الاستخراجية»، التي اشتهرت بفضل دارون عجم أوغلو وسايمون جونسون وجيمس روبنسون، ينبغي استخدامها بحذر. فدراستهم تظهر أن أشكال الاستعمار قد تؤثر بصورة دائمة في جودة المؤسسات، لكنها تتناول مجموعة من البلدان، ولا تكفي وحدها لتفسير تنوع المسارات الافريقية (Acemoglu Johnson و Robinson، 2001). وقد حققت بلدان واجهت موروثات صعبة نتائج مهمة بفضل مؤسسات مستقرة نسبيا، وسياسات تعليمية متواصلة، وإدارة أفضل للموارد، أو استراتيجيات للتنويع الاقتصادي. وتؤكد هذه  التجارب أن التاريخ يؤثر في المسارات دون أن يحددها بالكامل. ومع ذلك، فإن تجاوز الإرث الاستعماري يتطلب تحويل البنى التي تبقى آثاره قائمة، من خلال:

– تنويع الاقتصادات وتطوير التصنيع المحلي للموارد.

– ربط المناطق الافريقية بعضها ببعض.

– تعزيز التعليم والبحث والكفاءات العلمية.

– بناء إدارات موجهة لخدمة المواطنين.

– ضمان الحقوق العقارية وتقليص التفاوتات المجالية.

– تعميق التكامل الإقليمي.

– إعادة التوازن إلى العلاقات التجارية والمالية والتكنولوجية.

– إعادة وضع السيادة الاقتصادية والتحول الإنتاجي في صميم السياسات العامة.

خاتمة

لا يمثل الاستعمار السبب الوحيد للتخلف الافريقي، ولا يشكل عذرا يعفي الحكومات المعاصرة من مسؤولياتها. لكنه يمثل  قطيعة تاريخية كبرى أسهمت بصورة دائمة في تشكيل الاقتصادات والمؤسسات والمجالات الترابية وعلاقات القوة. لذلك، لا يتعلق الأمر بالاختيار بين المسؤولية التاريخية والمسؤولية الراهنة. بل ينبغي النظر إليهما معا. ففهم الإرث الاستعماري يساعد على تحديد البنى التي يجب تحويلها، بينما يذكر الاعتراف بمسؤولية الفاعلين المعاصرين بأن هذا التحول يعتمد أيضا على الخيارات السياسية الإفريقية. يفسر الماضي جزءا من الحاضر، لكنه يجب ألا يتحول إلى ذريعة للجمود. إن التحرر الحقيقي من الاستعمار لا يقتصر على إدانة التاريخ، بل يتطلب تحويل البنى الاقتصادية والمؤسسات وعلاقات التبعية ونظم المعرفة ونماذج التنمية التي لا تزال تعيد إنتاج آثاره.

المراجع الببليوغرافية

ترجمت عناوين المراجع إلى العربية أدناه، مع الإبقاء على أسماء المؤلفين ودوريات النشر بلغتها الأصلية لتيسير الرجوع إليها.

Acemoglu, D., Johnson, S. et Robinson, J. A. (2001). «الأصول الاستعمارية للتنمية المقارنة: دراسة تجريبية»، American Economic Review، المجلد 91، العدد 5، ص 1369–1401.

Austin, G. (2010). «التنمية الاقتصادية الإفريقية والموروثات الاستعمارية»، International Development Policy، العدد 1، ص 11–32.

Boahen, A. Adu, éd. (1987). التاريخ العام لإفريقيا، المجلد السابع: افريقيا تحت الهيمنة الاستعمارية، 1880–1935، باريس: اليونسكو.

Boone, C. (2014). الملكية والنظام السياسي في إفريقيا: حقوق الأرض وبنية السياسة، كامبريدج: Cambridge University Press.

CNUCED (2022). تقرير التنمية الاقتصادية في إفريقيا 2022: إعادة التفكير في أسس تنويع الصادرات في افريقيا، جنيف: الأمم المتحدة.

CNUCED (2023). تقرير السلع الأساسية والتنمية 2023: التنويع الشامل والتحول في مجال الطاقة، جنيف: الأمم المتحدة.

Cooper, F. (2002). إفريقيا منذ عام 1940: الماضي الكامن في الحاضر، كامبريدج: Cambridge University Press.

Gardner, L. A. (2012). فرض الضرائب على إفريقيا الاستعمارية: الاقتصاد السياسي للإمبريالية البريطانية، أكسفورد: Oxford University Press.

Herbst, J. (2000). الدول والسلطة في إفريقيا: دروس مقارنة في السلطة والسيطرة، برينستون: Princeton University Press.

Huillery, E. (2009). «للتاريخ أثر: التأثير طويل الأمد للاستثمارات العامة الاستعمارية في إفريقيا الغربية الفرنسية»، American Economic Journal: Applied Economics، المجلد 1، العدد 2، ص 176–215.

Jedwab, R., Kerby, E. et Moradi, A. (2017). «التاريخ والاعتماد على المسار والتنمية: أدلة من السكك الحديدية الاستعمارية والمستوطنين والمدن في كينيا»، The Economic Journal، المجلد 127، العدد 603، ص 1467–1494.

Michalopoulos, S. et Papaioannou, E. (2016). «الآثار طويلة الأمد للتكالب الاستعماري على إفريقيا»، American Economic Review، المجلد 106، العدد 7، ص 1802–1848.

Nunn, N. (2008). «الآثار طويلة الأمد لتجارة الرقيق في افريقيا»، The Quarterly Journal of Economics، المجلد 123، العدد 1، ص 139–176.

Nunn, N. et Wantchekon, L. (2011). «تجارة الرقيق وجذور انعدام الثقة في افريقيا»، American Economic Review، المجلد 101، العدد 7، ص 3221–3252.

Rodney, W. (1972). كيف تسببت أوروبا في تخلف افريقيا، لندن: Bogle-L’Ouverture Publications.

Van Waijenburg, M. (2018). «تمويل الدولة الاستعمارية الافريقية: ضرورة تحصيل الإيرادات والعمل القسري»، The Journal of Economic History، المجلد 78، العدد 1، ص 40–80.

Young, C. (1994). الدولة الاستعمارية الافريقية من منظور مقارن، نيو هيفن: Yale University Press.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *