بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير-باريس
في مخباه تحت الأرض، يولد فأر صغير. عيناه مغمضتان، جسده وردي، قلبه يدق بسرعة مذهلة، أكثر من ستمائة نبضة في الدقيقة. لا أحد أخبره أنه لن يعيش أكثر من عامين. لا أحد أخبره أن القط الذي يترصد فوق السطح، والبومة التي تسكن الشجرة، والأفعى التي تزحف في العشب، كلّهم يعرفون أنّه وجبة. لكنّ جسده يعرف. جسده كلّه مبرمج على أن يسرع. أن ينضج في أسابيع. أن يتزاوج في أشهر. أن ينجب قبل أن يموت. الفأر ليس كائنا قصير العمر. الفأر كائن اختار السرعة لأنه لا يملك ترف البطء. أما القرش، في أعماق المحيط، في الظلام الأزلي، في عالم لا يعرف الضوء، فإنه يسبح منذ ثلاثة قرون. ربما أكثر. إنه لم يختر الحياة الطويلة. الحياة الطويلة اختارته. لأنه لم يكن هناك من يطارده. لأنه لم يكن هناك من ينتظره عند الزاوية. لأنه، ببساطة، لم يكن مضطرا أن يموت شابا.
هذه ليست حكاية عن الحيوانات. إنها حكاية عن الزمن نفسه، وعن كيف يشكل الخطر أعمارنا، وعن كيف تصنع البيئة أجسادنا. الفأر الذي يعيش عامين والقرش الذي يعيش أربعة قرون ليسا نقيضين في القدرة، بل نقيضين في الحاجة. الفأر لا يحتاج أن يعمر، لأنه لن يعمر. القرش لا يحتاج أن يسرع، لأنّه لا احد يطارده. الطبيعة لا تمنح الحياة الطويلة لمن يستحقها. تمنحها لمن يستطيع أن ينتظر. وهذا فرق جوهري بين العدالة والبقاء. البيولوجيا هنا تتحول إلى فلسفة. الانتقاء الطبيعي لا يكافأ الأفضل، بل يكافأ الأنسب. والفأر، في بيئته، هو الأنسب. سريع، خصب، قادر على تعويض الخسائر بسرعة. القرش، في بيئته، هو الأنسب أيضا. بطيء، صبور، لا يبذر طاقته. كلاهما نجح، لكن بمنطقين مختلفين. هذا ما يسميه علماء التطور«تاريخ الحياة»: ليس كم تعيش، بل كيف تعيش. وليس كم تنجب، بل متى تنجب. الفأر ينجب كثيرا، سريعا، ثم يموت. القرش ينجب قليلا، ببطء، ثم يعيش. كلاهما يحقق المعادلة نفسها: استمرار النوع. لكن بثمن مختلف: الفأر يدفع عمره، والقرش يدفع نسله.
في هذا التبادل القاسي بين العمر والخصوبة، بين السرعة والطول، تكمن حكمة عميقة. الطبيعة لا تعطي كل شيء. تعطي الاختيار. وكل كائن يختار ما يناسبه. الفأر اختار أن يكون وجبة سريعة. القرش اختار أن يكون لغزا طويلا. الإنسان، في منتصف الطريق، اختار أن يعرف. وهذا أعظم ما يميزه، وأعظم ما يعذبه. لأنه يعرف أنه سيموت، لكنه لا يعرف متى. فيعيش كأنه فأر، ويحلم كأنه قرش. وهذه هي المأساة الجميلة. لكن السؤال الأكبر يبقى: هل الطول مرادف للجودة؟ هل القرش الذي يعيش ثلاثة قرون أسعد من الفأر الذي يعيش عامين؟ هل الزمن يقاس بالسنوات، أم بالتجربة؟ الفأر يعيش أكثر في اللحظة الواحدة. القرش يعيش أكثر في القرون. لكن أيهما يعرف أنه يعيش؟ أيهما يشعر بالحياة؟ الفلسفة لا تجيب. البيولوجيا تجيب جزئيا: الفأر يعيش بسرعة لأنه يموت بسرعة. القرش يعيش ببطء لأنه لا يموت. لكن السؤال يبقى معلقا: هل الحياة كمية أم كيف؟ وهل الأجدر بالبقاء هو من يعمر، أم من ينجب؟
الفأر والقرش ليسا سوى وجهين لعملة واحدة: عملة الزمن. الفأر يمثل اللحظة، القرش يمثل الأبدية. والفأر يعرف، بطريقة ما، أن حياته قصيرة. لهذا يسرع. والقرش لا يعرف، أو لا يهتم، أنّ حياته طويلة. لهذا يسبح. وفي هذا الاختلاف، تكمن الحكمة الكبرى: ليس المهم كم تعيش، بل كيف تحقق ذاتك في الزمن الذي أوتيته. الفأر حقق ذاته في عامين. القرش حقق ذاته في أربعة قرون. كلاهما نجح. كلاهما عاش. كلاهما، بطريقته، فهم سر البقاء. أما نحن، فما زلنا نتعلم.
