النفوذ حين يختبر الحكمة: من يرسم مستقبل الشرق الأوسط، ومن يتحمل الثمن؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير -باريس

في الخرائط السياسية، لا تكون المسألة دائما من يملك النفوذ، بل كيف يستخدمه، وأين تنتهي المصالح المشروعة، وأين تبدأ المخاطر التي قد لا تظهر آثارها إلا بعد سنوات. فالشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج صامتة، ولا مساحة يمكن إعادة ترتيبها من دون اعتبار لتاريخ شعوبها وتطلعاتها. إنه منطقة تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتتشابك فيها اعتبارات الأمن والتنمية والهوية، فيما تبقى المجتمعات المحلية الأكثر تأثرا بنتائج الصراعات والتحولات الكبرى. من هذا المنطلق، تكتسب التحقيقات الصحافية التي تبحث في العلاقة بين السلطة والمال والسياسة أهمية خاصة. ويأتي كتاب Princes and Thieves، المنسوب إلى الصحافي الأمريكي ماثيو كول، ضمن الأعمال التي تثير أسئلة عن شبكات النفوذ، وطبيعة العلاقات بين المسؤولين السياسيين والمستثمرين، وحدود الفصل بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة.

لكن القراءة المسؤولة تقتضي التمييز بين الوقائع المثبتة والادعاءات الصحافية والاستنتاجات التحليلية. فخطورة الموضوع لا تمنحنا الحق في التعامل مع كل ما يرد فيه باعتباره حقيقة نهائية، كما أن مناقشة احتمالات تضارب المصالح لا تعني إدانة أشخاص قبل التحقق من الأدلة. إن القيمة الحقيقية لأي تحقيق من هذا النوع لا تكمن في إثارة الشبهات وحدها، بل في فتح نقاش جاد حول المؤسسات والضوابط التي تحكم صناعة القرار، وحول قدرة المجتمعات على معرفة الكيفية التي تتشكل بها السياسات التي تؤثر في مستقبلها.

حين تقترب السياسة من المصالح الخاصة

تطرح العلاقة بين المسؤولية السياسية والنشاط الاستثماري أسئلة تتجاوز الأشخاص المعنيين إلى طبيعة النظام الذي يسمح بتداخل الأدوار والمصالح. وتبرز هذه المسألة في النقاش المتعلق بجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومستشاره السابق في البيت الأبيض، بالنظر إلى دوره السياسي السابق وعلاقاته الإقليمية ونشاطه الاستثماري اللاحق. وهي تقاطعات تجعل الشفافية وتضارب المصالح موضوعين مشروعين للفحص، من دون أن يعني ذلك أن كل علاقة أو استثمار ينطوي بالضرورة على مخالفة.

ففي السياسة الحديثة، لا يكفي أن يكون القرار متوافقا مع القواعد الشكلية، بل تزداد أهمية القدرة على تفسيره، والكشف عن المصالح ذات الصلة به، وضمان عدم استغلال النفوذ العام لتحقيق منافع خاصة. وتزداد هذه الحاجة عندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، حيث يمكن لقرار واحد أن يؤثر في الأمن القومي، ومسارات الاستثمار، والعلاقات الدبلوماسية، ومصائر مجتمعات بأكملها. المشكلة، إذن، ليست في وجود المصالح؛ فكل دولة تتحرك انطلاقا من مصالحها. وإنما في غياب الضوابط التي تضمن ألا تتحول المصلحة الخاصة إلى عامل خفي يوجه القرار العام.

السعودية بين طموح القوة واستقلال القرار

تحتل المملكة العربية السعودية موقعا مهما في التوازنات الإقليمية والدولية، بفضل ثقلها الاقتصادي والسياسي، ومكانتها العربية والإسلامية، ودورها في أسواق الطاقة والاستثمار. ومن الطبيعي أن تسعى دولة بهذا الحجم إلى تنويع شراكاتها، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع علاقاتها الدولية، وبناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على المنافسة. فهذه أهداف استراتيجية مشروعة، ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد أو ربطها تلقائيا بفرضية وجود مخطط إقليمي متكامل. غير أن أهمية هذه الأهداف تجعل من الضروري طرح أسئلة تتعلق بوسائل تحقيقها ومدى استدامة نتائجها. كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستفادة من الشراكات الدولية والمحافظة على استقلال القرار الوطني؟ وما حدود الاعتماد على القوى الكبرى في الملفات الأمنية؟ وكيف يمكن ضمان أن تخدم الاتفاقات الاقتصادية والدبلوماسية المصالح الوطنية على المدى الطويل، لا أن تخلق ارتباطات يصعب تعديلها لاحقا؟

هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصا بعينهم، ولا تفترض سوء النية في خيارات القيادة السعودية. إنها جزء من النقاش الاستراتيجي الطبيعي الذي ينبغي أن يصاحب القرارات الكبرى في أي دولة تسعى إلى تعزيز مكانتها. فالتحالفات أدوات وليست غايات. وقد تكون ضرورية لتحقيق أهداف محددة، لكنها تظل مرتبطة بتوازن المصالح والظروف المتغيرة. ومن الحكمة ألا تقاس قيمتها بما توفره من مكاسب آنية فقط، بل أيضا بما تتيحه من استقلال في الحركة، وقدرة على المناورة، وحماية للمصالح بعيدة المدى. القوة الحقيقية لا تعني امتلاك أكبر عدد من الشركاء، بل القدرة على التعامل معهم من موقع واضح المصالح، مع الاحتفاظ بحرية مراجعة الخيارات عندما تتغير المعطيات.

فلسطين: القضية التي تكشف حدود الحسابات

تظل القضية الفلسطينية اختبارا أساسيا لأي تصور لمستقبل الشرق الأوسط، لأنها تضع السياسة أمام سؤال يتجاوز المصالح المباشرة إلى الحقوق والعدالة والأمن الإنساني. ففي خضم التحولات الإقليمية، قد تتجه بعض الدول إلى إعادة ترتيب علاقاتها، وتوسيع قنوات التواصل، وإبرام اتفاقات تحقق لها أهدافا سياسية أو اقتصادية أو أمنية. لكن نجاح هذه المسارات لا يمكن قياسه بمجرد توقيع الاتفاقات أو إقامة العلاقات الدبلوماسية. السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه التحولات تفتح طريقا إلى سلام أكثر استدامة، وتساعد على معالجة جذور الصراع، وتوفر للفلسطينيين أفقا سياسيا يحفظ حقوقهم الوطنية وكرامتهم الإنسانية.

ولا يصح افتراض أن جميع الدول التي تتبنى مسارات دبلوماسية متشابهة تتحرك بدوافع واحدة، كما لا يصح تجاهل الاختلافات في حساباتها وأهدافها. لكن من المشروع تقييم نتائج السياسات، والنظر في مدى قدرتها على تخفيف التوتر وتحقيق تقدم فعلي نحو تسوية عادلة. فالتطبيع، مثل غيره من الأدوات الدبلوماسية، يمكن أن يفتح قنوات للحوار، لكنه لا يشكل في حد ذاته حلا للصراع. كما أن الاعتبارات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي الحاجة إلى معالجة المسائل السياسية والحقوقية التي تغذي النزاع. إن السلام المستدام لا يقوم على إبعاد القضية الفلسطينية عن طاولة النقاش، بل على إيجاد صيغة تعالجها بصورة جدية، وتوازن بين متطلبات الأمن والحقوق المشروعة، وتحد من احتمالات تجدد العنف.

إيران ومخاطر الارتهان لمنطق المواجهة

تحتل إيران موقعا محوريا في الحسابات الأمنية للمنطقة، في ظل خلافات متراكمة بشأن النفوذ الإقليمي والقدرات العسكرية والملف النووي وعلاقات طهران بأطراف مختلفة في عدد من الدول العربية. ومن حق الدول أن تتعامل مع هذه الملفات انطلاقا من متطلبات أمنها الوطني، وأن تسعى إلى حماية سيادتها ومصالحها. لكن التعامل مع التحديات الأمنية لا يقتصر بالضرورة على المواجهة المفتوحة، كما أن الحوار لا يعني تجاهل الخلافات أو التقليل من المخاطر.

التحدي هو بناء سياسة تجمع بين الردع والدبلوماسية، وتحد من فرص التصعيد غير المحسوب، وتحافظ على قدرة الدول على حماية مصالحها من دون الانجرار إلى صراعات طويلة الأمد. فحين يصبح العداء أساسا ثابتا لتنظيم العلاقات، قد تتحول الإجراءات المتخذة لاحتواء التهديد إلى عوامل تعيد إنتاجه. ويصبح كل تصعيد مبررا لتصعيد جديد، فيما تتراجع المساحة المتاحة للتسويات وتزداد الكلفة الاقتصادية والاجتماعية. ولا يعني ذلك أن جميع الأطراف تتحمل المسؤولية نفسها، أو أن أسباب الخلاف متطابقة، بل يعني أن تقدير السياسات الأمنية ينبغي أن يشمل نتائجها المباشرة والعواقب التي قد تنتج عنها على المدى البعيد.

ومن هنا تبرز أسئلة ضرورية: كيف يمكن منع الخلافات من التحول إلى مواجهات مفتوحة؟ وما الضمانات التي تحمي الدول من سوء التقدير؟ وكيف يمكن تطوير ترتيبات إقليمية تحد من التوتر، من دون المساس بالسيادة الوطنية أو تجاهل المخاوف الأمنية المشروعة؟ إن إدارة الخلافات بحكمة ليست علامة ضعف، بل مقياس لقدرة الدولة على حماية مصالحها في بيئة شديدة التعقيد.

التكنولوجيا والسلطة وحدود الأمن

أضافت تقنيات المراقبة الرقمية بعدا جديدا إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع. وقد أثارت التقارير والتحقيقات المتعلقة ببرمجيات التجسس، ومنها بيغاسوس، نقاشا دوليا حول حدود استخدام الأدوات التقنية في حماية الأمن، ومخاطر توظيفها في مراقبة الصحافيين والناشطين والمعارضين. ولا تكمن المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، إذ يمكن للأدوات الرقمية أن تؤدي أدوارا مشروعة في مكافحة الجرائم وحماية المؤسسات. وإنما تكمن في طبيعة الاستخدام، والضوابط القانونية، ووجود رقابة مستقلة قادرة على كشف التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها.

فالأمن الوطني ضرورة لا جدال فيها، لكنه يحتاج إلى قواعد واضحة تمنع تحول الوسائل الاستثنائية إلى ممارسات غير خاضعة للمراجعة. كما أن حماية الخصوصية وحرية الصحافة لا تتعارض بالضرورة مع قوة الدولة. بل إن وضوح القواعد، واستقلال القضاء، وإمكانية التظلم، كلها عناصر تساعد على تعزيز الثقة في المؤسسات وتقليل احتمالات إساءة استخدام السلطة. وهنا ينبغي الحذر من التعميم: فوجود تقارير عن استخدام غير مشروع لتقنيات المراقبة لا يبرر توجيه اتهام شامل إلى دولة أو مؤسسة أو مسؤول من دون أدلة محددة. والمطلوب هو التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وفحص الأطر القانونية التي تحكم هذه الممارسات. فالدولة القوية ليست تلك التي تمتلك أكبر قدرة على المراقبة، بل تلك التي تستطيع حماية أمنها مع ضمان ألا تتحول هذه القدرة إلى أداة تتجاوز القانون.

هل تحتاج النتائج إلى مؤامرة كي نفهمها؟

يميل تفسير التحولات الكبرى أحيانا إلى البحث عن عقل واحد يدير المشهد، ويربط بين كل الأحداث في خطة متكاملة. وقد يكون هذا التفسير جذابا بسبب قدرته على تقديم رواية بسيطة لواقع معقد، لكنه لا يكون بالضرورة الأكثر دقة. فالسياسة الدولية تتشكل من تفاعل مصالح متعددة، بعضها متوافق وبعضها متعارض، ومن حسابات قصيرة الأجل قد تتناقض مع الأهداف بعيدة المدى. كما تتأثر القرارات بالمعلومات المتاحة، والضغوط الداخلية، والتغيرات الاقتصادية، وتقديرات المخاطر، وأخطاء الحساب. وقد تؤدي تقاطعات المصالح إلى نتائج يستفيد منها بعض الأطراف على حساب آخرين، من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود اتفاق سري شامل أو قيادة موحدة لكل التحولات.

وهذا لا يقلل من أهمية التحقيق في العلاقات المشبوهة أو تضارب المصالح، بل يجعل التحقيق أكثر ضرورة ودقة. فبدلا من افتراض النتيجة مسبقا، ينبغي البحث عن الأدلة، وتحديد الجهات المعنية، وفهم الآليات التي أثرت في القرار. والسؤال الأجدى ليس فقط من استفاد من قرار معين، بل كيف اتخذ القرار، وما المعلومات التي استند إليها، وما الضوابط التي أحاطت به، وهل كانت هناك بدائل أقل كلفة وأكثر توافقا مع المصلحة العامة. بهذا المعنى، تصبح المساءلة وسيلة لفهم السياسة وتحسينها، لا مجرد أداة لتوزيع الاتهامات.

من مساءلة الأشخاص إلى مساءلة القرارات

إن نقد السياسات لا يتطلب الإساءة إلى صانعيها، كما أن احترام الأشخاص لا يعني إعفاء القرارات من التقييم. يمكن مناقشة الخيارات الاستراتيجية لأي دولة، وفحص نتائج الاتفاقات التي تبرمها، وتحليل أثر تحالفاتها، من دون تعميم الأحكام على الأمراء أو الأسر الحاكمة أو الشعوب. فالأشخاص ليسوا متطابقين في مواقفهم، والدول ليست وحدات جامدة، والقرارات قد تتغير مع تغير الظروف. ومن غير المنصف تحميل جميع المسؤولين أو أفراد الأسر الحاكمة مسؤولية واحدة لمجرد انتمائهم إلى المؤسسة نفسها.

كما أن التمييز بين المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية ضروري. فقد يكون قرار ما موضع خلاف في تقديره الاستراتيجي من دون أن يشكل مخالفة قانونية، وقد تثير علاقة معينة تساؤلات تستدعي التحقيق من دون أن تثبت ارتكاب تجاوز.إن هذا التمييز لا يضعف النقد، بل يمنحه مصداقية أكبر، ويحول دون انزلاق النقاش إلى التشهير أو الأحكام المسبقة. فإن المؤسسات الأكثر قدرة على الاستمرار هي تلك التي تمتلك آليات لمراجعة قراراتها، وتقييم نتائجها، وتصحيح أخطائها، وتعزيز الشفافية في المجالات التي تتصل بالمصلحة العامة.

النفوذ لا يعوض غياب الحكمة

لن يتحدد مستقبل الشرق الأوسط بقدرة دوله على بناء التحالفات أو توسيع الاستثمارات أو امتلاك أدوات القوة فقط، بل بقدرتها على استخدام هذه الأدوات ضمن رؤية متوازنة تحمي المصالح الوطنية وتحد من المخاطر وتفتح المجال أمام الاستقرار والتنمية. فالتحالفات قد توفر فرصا مهمة، لكنها تحتاج إلى إدارة دقيقة. والاستثمارات قد تعزز النفوذ الاقتصادي، لكنها لا تعوض غياب الوضوح المؤسسي. والقوة العسكرية قد تسهم في الردع، لكنها لا تستطيع وحدها بناء سلام دائم.

وإذا كانت التحقيقات الصحافية تذكرنا بأهمية مراقبة العلاقة بين السلطة والمال، فإن الدرس الأعمق يتمثل في ضرورة بناء قواعد تجعل القرار العام واضحا وقابلا للتقييم، وتحول دون تغليب المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية. ولا يتطلب ذلك افتراض وجود مخطط واحد يتحكم في المنطقة، ولا إدانة شخصيات أو دول بأكملها. بل يتطلب شجاعة فكرية تسمح بفحص الوقائع، ودقة في التمييز بين الادعاء والدليل، وإنصافا يحفظ للأشخاص حقهم في عدم إدانتهم مسبقا، وللشعوب حقها في معرفة نتائج السياسات التي تمس مستقبلها.

فالقوة ليست مجرد القدرة على التأثير في الآخرين، بل القدرة على معرفة حدود هذا التأثير. والنجاح السياسي لا يقاس بالمكاسب الآنية وحدها، بل بمدى استدامتها، وبما تتركه من استقرار وثقة وقدرة على مواجهة الأزمات. أما الشرق الأوسط، فلن يصبح أكثر أمنا بمجرد إعادة ترتيب التحالفات، بل حين تتوافر لدى دوله القدرة على إدارة اختلافاتها، وحماية استقلال قراراتها، والتعامل مع حقوق شعوبها ومصالحها بوصفها جزءا أصيلا من أي رؤية للمستقبل. فالنفوذ قد يفتح أبواب القوة، لكن الحكمة وحدها هي التي تحدد إلى أين تقود هذه الأبواب، ومن يتحمل كلفة العبور منها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *