قراءة في المسودة الأمريكية المتداولة بتاريخ 20 أكتوبر 2026: الحكم الذاتي، وحدود الشرعية الدولية، ومستقبل المينورسو، ومعركة المغرب من أجل تحويل الواقعية السياسية إلى تسوية تاريخية دائمة.
بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير -باريس
ماذا يكشف تغير اللغة الدولية
قد لا يتغير التاريخ بقرار معلن، بل يبدأ تغيره حين تتبدل اللغة التي يصف بها العالم الوقائع. فالكلمات التي تستخدمها القوى الكبرى ليست دائما أوصافا محايدة للأحداث؛ إنّها أدوات لترتيب الأولويات، وتحديد هوامش التفاوض، ورسم الحدود بين ما تعتبره الدبلوماسية ممكنا وما تدفعه إلى هامش الاستبعاد. ومن هذه الزاوية، تستحق المسودة الأمريكية المتداولة بشأن الصحراء المغربية، والمؤرخة في 20 أكتوبر 2026، قراءة تتجاوز ظاهر الصياغات إلى ما قد تكشفه من تحول في التفكير الدولي، إذا ثبتت صحتها ونسبتها إلى واشنطن. فالمسألة لا تتعلق بمجرد تجديد ولاية أممية، ولا بتبديل عبارة بأخرى، بل باحتمال انتقال المقاربة من إدارة نزاع طال أمده إلى البحث عن تسوية تنطلق من الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بوصفه إطارا واقعيا للحل.
لكن الدقة تفرض التمييز بين المسودة المتداولة والوثيقة الرسمية المعتمدة، وبين النص الحرفي وتأويله السياسي. فلا يمكن اعتبار وثيقة غير متحقق من أصالتها موقفا أمريكيا نهائيا، ولا قرارا صادرا عن مجلس الأمن. غير أن هذا التحفظ لا يمنع تحليل ما تتضمنه من فرضيات، بل يجعله أكثر ضرورة، لأن الحقيقة في القضايا الاستراتيجية لا تحمى بالمبالغة، وإنما بالقدرة على الفصل بين الثابت والمحتمل، وبين الخبر والاستشراف. والسؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية هو: إذا كانت القوى الدولية تتجه فعلا إلى إعطاء الأولوية للحلول القابلة للتنفيذ، فهل نشهد بداية مراجعة لمنطق ظل يسمح بإطالة النزاع أكثر مما يسمح بإنهائه؟ وهل باتت كلفة استمرار الجمود أعلى من كلفة الاعتراف بأن الحل السياسي الواقعي لا يمكن أن يتجاهل المبادرة المغربية للحكم الذاتي؟
المغرب لا ينتظر أن يمنحه التاريخ شرعيته
بالنسبة إلى المغرب، ليست الصحراء قضية ولدت داخل قاعة أممية، حتى تنتهي بمجرد تغير اتجاهات التصويت فيها. إنها قضية وحدة ترابية وذاكرة وطنية ومسؤولية دولة تجاه مجال تعتبره جزءا من كيانها التاريخي والسياسي. ولذلك فإن اختزالها في سجال حول صيغ إجرائية، أو التعامل معها كأنها ملف دبلوماسي منفصل عن هوية الدولة ومشروعها الاستراتيجي، يفوته جوهر الموقف المغربي. لقد تعاملت المملكة مع أقاليمها الجنوبية باعتبارها جزءا من مشروعها الوطني، وربطت الدفاع عن وحدتها الترابية ببناء المؤسسات وتطوير البنية التحتية وتوسيع الربط الاقتصادي والانفتاح على العمق الإفريقي والمجال الأطلسي. وهذه المقاربة لا تعني أن التنمية تحسم وحدها كل خلاف سياسي، لكنها تؤكد أن المغرب لم يجعل الزمن مجرد انتظار لقرار خارجي، بل سعى إلى تحويله إلى عنصر من عناصر تثبيت الحضور وبناء المستقبل.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في النزاع: هل يمكن إبقاء قضية سياسية معلقة إلى أجل غير محدد، بينما تتغير الوقائع الإقليمية وتتطور المصالح الاقتصادية وتتبدل أولويات الأمن؟ وهل ينبغي أن تظل التسوية رهينة تكرار صيغ لم تنتج حلا نهائيا، لمجرد أنها أصبحت جزءا من المألوف الدبلوماسي؟ إن الموقف المغربي ينطلق من أن استمرار النزاع ليس قيمة في ذاته، وأن الجمود لا يكتسب الشرعية بمجرد طول عمره. فليس كل وضع قائم وضعا قابلا للاستمرار، وليس كل مسار أممي ناجحا لمجرد أنه ما زال قائما. المعيار الأهم هو قدرته على تقريب الحل، وحماية الاستقرار، وفتح أفق سياسي واقتصادي لشعوب المنطقة.
الحكم الذاتي: من مقترح مغربي إلى معركة على تعريف الحل الواقعي
تكمن الأهمية المحتملة للمسودة في العبارات المنسوبة إليها، ولا سيما الحديث عن الحكم الذاتي باعتباره «الإطار الوحيد للتفاوض» أو «الأساس الوحيد للتفاوض»، وصولا إلى وصفه بأنه «الحل الوحيد القابل للتطبيق». وإذا ثبت ورود هذه الصيغ في وثيقة رسمية، فإن الفارق بينها وبين عبارات الدعم العامة سيكون فارقا سياسيا مهما. فحين يوصف مقترح بأنه أساس للنقاش، يبقى النقاش مفتوحا على بدائل متنافسة. أما حين يوصف بأنه الإطار الوحيد للتفاوض، فإن مركز الثقل ينتقل من البحث عن طبيعة الحل إلى التفاوض بشأن شروطه وتفاصيله. وحين يقدم باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق، تكون الدبلوماسية قد اقتربت من إعلان حكم سياسي على جدوى المسارات الأخرى، وإن لم يكن ذلك وحده كافيا لإنهاء النزاع قانونيا أو سياسيا.
إنها ليست لعبة مفردات. فالدبلوماسية في جوهرها معركة على تعريف الممكن. ومن ينجح في جعل تصوره نقطة الانطلاق، لا يضمن النتيجة بالضرورة، لكنه يؤثر في حدود النقاش وفي كلفة البدائل وفي طبيعة التنازلات التي تصبح مطروحة على الطاولة. ومن هنا، فإن المكسب المغربي المحتمل لا يتمثل فقط في اكتساب تأييد دولي إضافي، بل في ترسيخ فكرة أن التسوية ينبغي أن تنطلق من مقترح عملي قابل للتنفيذ، لا من إعادة فتح جميع الاحتمالات من دون أفق زمني أو معيار واضح للنجاح. لكن السؤال الأعمق هو: ما الذي يجعل الحل واقعيا؟ هل يكفي أن تؤيده قوى دولية نافذة، أم ينبغي أن يستند أيضا إلى قابلية مؤسساتية للتطبيق، وضمانات سياسية، ومشاركة فعلية، وأفق تنموي واضح؟ إن الواقعية التي يحتاج إليها المغرب ليست مجرد واقعية ميزان القوة، بل واقعية قادرة على تحويل السيادة إلى مؤسسات فعالة، والحكم الذاتي إلى ممارسة مسؤولة، والتسوية إلى استقرار طويل الأمد.
تقرير المصير: من يحدد معناه، ومن يحتكر تفسيره؟
من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى قراءة دقيقة في هذا النزاع مفهوم تقرير المصير. فقد ظل حاضرا في الخطاب الأممي والسياسي، لكنه أصبح أيضا مجالا لتنازع التفسيرات والغايات. فهل ينبغي اختزال تقرير المصير في صيغة واحدة لا تتغير، بصرف النظر عن تطور السياقات والخيارات السياسية؟ وهل يمكن التعامل مع المفهوم باعتباره شعارا نهائيا، من دون فحص النتائج التي أنتجها تطبيقه أو تعثر تطبيقه على مدى عقود؟
الموقف المغربي لا يقوم على قبول الانفصال، بل على طرح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره صيغة سياسية لتدبير الشؤون المحلية ضمن وحدة الدولة. وهذا يفتح نقاشا جوهريا حول العلاقة بين وحدة التراب، والمشاركة السياسية، وتدبير الخصوصيات المحلية، والقدرة على بناء مؤسسات تستجيب لاحتياجات السكان. غير أن قوة الحجة المغربية تزداد حين لا تكتفي برفض التفسير الانفصالي، بل تشرح كيف يمكن للحكم الذاتي أن يترجم المشاركة إلى اختصاصات واضحة، وأن يجعل تدبير الشأن المحلي قائما على التمثيل والمساءلة والفعالية.
فالمفاهيم الكبرى لا تحسمها الشعارات وحدها؛ تحسمها أيضا المؤسسات التي تمنحها معنى ملموسا في حياة الناس. وهنا يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه: إذا كان الهدف هو مستقبل أفضل للسكان، فأي صيغة تستطيع أن تجمع بين الاستقرار السياسي، والحقوق، والتنمية، واستمرارية المؤسسات، وتجنب إعادة إنتاج النزاع في أجيال جديدة؟ وكيف يمكن الانتقال من صراع حول التعريفات القانونية والسياسية إلى نموذج للحكامة يجعل التسوية قابلة للحياة؟
إن الرهان المغربي الأبعد هو أن يثبت أن الحكم الذاتي ليس مجرد جواب دبلوماسي عن نزاع دولي، بل تصور مؤسساتي يمكن تطويره وتدقيق اختصاصاته وضمانات تنفيذه. فكلما اتضحت تفاصيله العملية، ازدادت قدرته على مواجهة الأسئلة الصعبة، وتقلصت المسافة بين قوة الموقف وواقعية الحل.
مجلس الأمن: هل تقاس المصداقية بإدارة النزاعات أم بإنهائها؟
تختبر قضية الصحراء المغربية مصداقية النظام الدولي في مسألة جوهرية: هل تظل المؤسسات الدولية قادرة على مراجعة أدواتها حين يتبين أن مسارا ما لم يحقق الغاية المنشودة، أم تتحول الإجراءات المتكررة إلى بديل عن القرار السياسي؟ إن مجلس الأمن ليس مجرد فضاء تتجاور فيه المواقف الوطنية، بل مؤسسة يفترض أن تسهم في حفظ السلم والأمن الدوليين. ومن ثم فإن السؤال ليس ما إذا كان لكل طرف أن يكرر حجته إلى ما لا نهاية، بل ما إذا كان المجتمع الدولي قادرا على بناء مسار يفضي إلى تسوية قابلة للاستمرار، بدلا من إبقاء المنطقة في دائرة الانتظار. وهل يكون الحفاظ على كل الصيغ السابقة وفاء للشرعية الدولية، حتى حين تتعثر نتائجها، أم أن الشرعية نفسها تقتضي مراجعة الوسائل عندما تفقد فعاليتها؟ وهل تعني الواقعية السياسية التخلي عن المبادئ، أم أنها قد تكون الوسيلة التي تسمح بتحويل المبادئ من نصوص معلقة إلى تسوية عملية؟
لا ينبغي تقديم هذه الأسئلة باعتبارها أحكاما مسبقة على الأمم المتحدة، بل باعتبارها اختبارا لمعيار نجاحها. فالمؤسسات تكتسب قيمتها من قدرتها على معالجة المشكلات، لا من استمرار حضورها الإجرائي فحسب. وإذا كان هناك تحول دولي نحو دعم الحكم الذاتي باعتباره أساسا واقعيا للتسوية، فإن قيمته ستتوقف على مدى قدرته على دفع المسار السياسي إلى الأمام، وعلى التزام الأطراف بالعمل الجاد من أجل إنهاء النزاع. أما بالنسبة إلى المغرب، فإن المصلحة الاستراتيجية تكمن في مواصلة العمل داخل الأطر الدولية، مع الدفاع بوضوح عن ثوابته، وشرح مبادرته، وإظهار قابليتها للتطبيق. فالقوة الدبلوماسية لا تعني الانسحاب من المؤسسات، بل القدرة على التأثير فيها وتوسيع دائرة الاقتناع بأن الحل الواقعي يخدم الاستقرار الإقليمي والدولي.
المينورسو: حين يصبح السؤال عن الغاية أهم من السؤال عن المدة
يطرح مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية، المعروفة باسم المينورسو، سؤالا يتجاوز التفاصيل التقنية لتجديد ولايتها. فإذا تطور المسار السياسي نحو تسوية تقوم على الحكم الذاتي، فهل ينبغي أن تبقى وظائف البعثة محكومة بالتصورات التي صاحبت بداياتها، أم أن أي تسوية جديدة ستستدعي إعادة تقييم دورها بما يتلاءم مع المرحلة المقبلة؟
ليس من الدقة استنتاج أن دور البعثة قد انتهى، أو أن تغييرا نهائيا في ولايتها قد تقرر، استنادا إلى مسودة متداولة لم يثبت اعتمادها. لكن من المشروع التساؤل عن العلاقة بين أدوات الأمم المتحدة والهدف الذي يفترض أن تخدمه. فإذا كان الهدف هو تسوية سياسية مستدامة، فينبغي أن تخضع الآليات لتقييم مستمر يبين ما إذا كانت تساعد على تحقيق هذا الهدف أم أصبحت، بحكم الجمود، جزءا من إدارة الوضع القائم. وهنا تبرز المفارقة: كيف يمكن أن تنتقل الأمم المتحدة من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة مواكبة التسوية، من دون أن تتحول الآليات الانتقالية إلى مؤسسات دائمة بلا نهاية واضحة؟ وكيف يمكن ضمان أن يكون أي تغيير في دور البعثة نتيجة لمسار سياسي جاد، لا مجرد تعديل شكلي في لغة القرارات؟
إن الموقف المغربي الأقوى ليس في إعلان نهاية مؤسسة أممية قبل أوانها، بل في المطالبة بأن تكون كل آلية دولية ذات وظيفة واضحة، ومردودية سياسية قابلة للتقييم، وارتباط فعلي بهدف إنهاء النزاع. فالسلام لا يقاس بعدد السنوات التي تحضر فيها المؤسسات، بل بقدرتها على جعل الحاجة إلى استمرارها أقل إلحاحا مع تقدم التسوية.
الصحراء المغربية في قلب المعادلة الأطلسية والإفريقية
لا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية للصحراء المغربية خارج موقعها الجغرافي وما يتيحه من فرص للربط بين المغرب وعمقه الإفريقي والفضاء الأطلسي. فالأقاليم الجنوبية ليست هامشا بعيدا عن المشروع الوطني، بل جزء من تصور اقتصادي وجيوسياسي يتطلع إلى تعزيز المبادلات التجارية، وتطوير البنيات التحتية، وتوسيع فرص الاستثمار، وترسيخ حضور المغرب بوصفه جسرا بين إفريقيا وأوروبا والمحيط الأطلسي. ومن هذا المنظور، لا يقتصر أثر استمرار النزاع على العلاقات المغربية الجزائرية أو على المسار الأممي، بل يمتد إلى إمكانات التكامل المغاربي، وإلى قدرة دول المنطقة على بناء فضاء اقتصادي أكثر انفتاحا وتعاونا. كم من فرصة تنموية ضاعت أو تأخرت لأن الخلاف السياسي ظل يتقدم على المصالح المشتركة؟ وكم من إمكانات التعاون في التجارة والطاقة والأمن والتنمية بقيت رهينة حدود نفسية وسياسية صنعها نزاع طال أكثر مما ينبغي؟
لا يعني ذلك أن تسوية الصحراء وحدها ستنهي جميع الخلافات الإقليمية، أو أن المصالح الاقتصادية كافية لتجاوز التوترات التاريخية. لكنه يعني أن إنهاء النزاع يمكن أن يزيل أحد أهم العوائق أمام بناء علاقات إقليمية أكثر عقلانية، وأن الاستقرار في الأقاليم الجنوبية قد يفتح آفاقا تتجاوز حدود الملف نفسه. وهنا تظهر قيمة الرؤية المغربية: فالدفاع عن الوحدة الترابية ليس منفصلا عن الدفاع عن حق المنطقة في مستقبل اقتصادي أفضل. إن السيادة تمنح الدولة مسؤولية حماية المجال الوطني وتطويره، كما تمنحها فرصة توظيف موقعه لخدمة التنمية والتعاون. وكلما ارتبطت الوحدة الترابية بمشروعات ملموسة تعود بالنفع على السكان والمنطقة، ازدادت قوة الحجة التي تربط الاستقرار بالواقعية السياسية.
من قوة الاعتراف الدولي إلى قوة النموذج المغربي
مع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه أي نجاح دبلوماسي هو الاعتقاد بأن المعركة انتهت بمجرد اتساع دائرة التأييد. فالمواقف الدولية مهمة، لكنها ليست بديلا عن العمل المستمر، ولا ضمانة تلقائية لتنفيذ تسوية مستدامة. وقد تتغير أولويات الدول، وتتحرك التحالفات، وتتبدل حسابات المصالح. لذلك فإن الاستراتيجية المغربية الأبعد ينبغي أن تقوم على الجمع بين تثبيت المكاسب الدبلوماسية وتعزيز الأسس الداخلية التي تمنحها الاستمرارية. ما الذي يجعل الحكم الذاتي مقنعا، ليس فقط لدى العواصم، بل لدى كل من يتساءل عن مستقبل المؤسسات والحقوق والتمثيل؟ كيف يمكن ضمان أن تكون المشاركة المحلية فعالة، وأن تكون المسؤوليات محددة، وأن تقوم الحكامة على المساءلة والشفافية، وأن تنعكس التنمية على حياة السكان بصورة عادلة وملموسة؟
هذه ليست أسئلة تنتقص من الموقف المغربي، بل تمنحه عمقا إضافيا. فالدولة الواثقة من قضيتها لا تخشى الانتقال من الدفاع عن المبدأ إلى شرح آليات تطبيقه. وكلما كان المشروع واضحا في مؤسساته واختصاصاته وضماناته، ازدادت قدرته على مواجهة النقد، وتراجعت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الدعاية المضادة. إن قوة المغرب لا تكمن في أن يطلب من العالم تصديق روايته فحسب، بل في أن يواصل بناء واقع سياسي وتنموي يجعل موقفه مفهوما وقابلا للدفاع عنه بالحجة والنتيجة. فالدبلوماسية الناجحة تفتح الأبواب، لكن المؤسسات الجيدة هي التي تجعل ما وراء الأبواب جديرا بالثقة.
السؤال الذي ينبغي أن يقلق خصوم التسوية
بعد عقود من التعثر، لم يعد السؤال الجدي هو كيف يمكن إبقاء النزاع قائما، بل ما الكلفة التي تتحملها المنطقة بسبب استمراره، ومن يستفيد من بقاء المستقبل معلقا؟ وهل تستطيع الأطراف الإقليمية أن تبرر للأجيال الجديدة استمرار الجمود، بينما تتطلب التحديات الاقتصادية والأمنية والتغيرات الدولية قدرا أكبر من التعاون والاستقرار؟ وأي معنى يبقى للواقعية السياسية إذا ظلت الحلول القابلة للتنفيذ مؤجلة لمصلحة تصورات لا تجد طريقها إلى التطبيق؟ وأي دور للشرعية الدولية إذا لم تساعد على تقليص المسافة بين المبدأ والواقع؟ ثم هل يكون الاعتراف بصعوبة بعض المسارات تراجعا عن المبادئ، أم تعبيرا عن نضج سياسي يدرك أن السلام يحتاج إلى خيارات قابلة للتحقق؟
بالنسبة إلى المغرب، لا تتمثل الإجابة في التخلي عن ثوابته أو التراجع عن وحدته الترابية، بل في مواصلة طرح الحكم الذاتي باعتباره إطارا للحل، وتطوير حجته السياسية والقانونية، وتوسيع دائرة الدعم له، وربط ذلك كله بمشروع تنموي ومؤسساتي متماسك. أما بالنسبة إلى المجتمع الدولي، فإن الاختبار هو ما إذا كان مستعدا للانتقال من تكرار إدارة الأزمة إلى دعم مسار جاد ينهيها.
المغرب يراهن على المستقبل لا على تجميد التاريخ
إذا ثبت أن المسودة الأمريكية المتداولة تعكس توجها جديدا، فإن دلالتها الأهم قد تكون في اقتراب المقاربة الدولية من اعتبار المبادرة المغربية للحكم الذاتي نقطة الارتكاز الأكثر واقعية للتسوية. لكن لا ينبغي الخلط بين هذا الاحتمال وبين صدور قرار نهائي أو انتهاء النزاع؛ فذلك يحتاج إلى نصوص رسمية ومسار سياسي واضح والتزامات قابلة للتنفيذ. ومع ذلك، فإن الدرس الاستراتيجي يظل واضحا: المغرب لا يحتاج إلى انتظار وثيقة دولية كي يحدد ثوابته، لكنه يستطيع أن يستثمر التحولات الدولية لتعزيز فرص الحل الذي يدافع عنه. فالدبلوماسية ليست بديلا عن الرؤية الوطنية، بل أداة لترجمتها إلى توافقات؛ والتنمية ليست زينة للخطاب السياسي، بل جزء من بناء الاستقرار؛ والحكم الذاتي ليس مجرد عنوان في مشروع قرار، بل مشروع ينبغي أن يكتسب قوته من وضوحه المؤسسي وقابليته للتطبيق.
قد تتغير صياغة في مجلس الأمن، وقد يعاد ترتيب الأولويات في واشنطن أو غيرها من العواصم، لكن القيمة الحقيقية لأي تحول لن تقاس ببلاغة العبارة، بل بما يفتحه من طريق نحو تسوية دائمة. والتاريخ لا يعيد كتابة نفسه لأن قوة كبرى غيرت مفرداتها، بل لأن الدول التي تملك رؤية واضحة تعرف كيف تحول تغير المفردات إلى تغير في الواقع. وهنا يكمن الرهان المغربي: صلابة في الدفاع عن الوحدة الترابية، ومرونة في بناء الحل السياسي، ونفس طويل في العمل الدبلوماسي، وإصرار على جعل التنمية والمؤسسات والحقوق ركائز للاستقرار. فمغربية الصحراء، في المنظور الوطني، ليست فرضية تنتظر أن يمنحها الخارج وجودها؛ أما إنهاء النزاع، فهو مسؤولية سياسية تتطلب أن يلتقي وضوح الموقف مع واقعية التسوية وشجاعة القرار.
إن السؤال الأخير ليس ما إذا كان العالم سيعيد كتابة التاريخ نيابة عن المغرب، بل ما إذا كان المجتمع الدولي سيملك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن إدارة النزاع ليست بديلا عن حله، وأن الواقعية السياسية قد تكون الطريق الأجدى إلى تسوية تحفظ السيادة وتفتح المستقبل. أما المغرب، فمهمته أن يواصل تحويل موقفه إلى مشروع وطني ومؤسساتي وتنموي لا تزعزعه تقلبات اللحظة، وأن يجعل من أي تحول دولي فرصة إضافية لدفع الحل، لا سببا للاطمئنان أو التراخي.

ننتظر اليوم الأخير من الشهر لتكتمل صورة الأمل في الأفق الجديد وتكتمل فرحة شعب كارد ملفا عمر طويلا.