قصيدة تصلي… ونجمة خضراء تكتب الغيب

بقلم زكية لعروسي – باريس

إلى المغرب…
يا وطنا خرج ذات ليلة من عباءة الغيب
ونسي أن يترك للخرائط عنوانه
فراحت الجهات تبحث عنه في كل الفضاء
وراح البحر يسأل الموج:
أين ينتهي المغرب
وأين تبدأ زرقة السماء؟

يا مغرب…
حين عطس الغيب من فوهة الأطلس
تساقطت من جيب الريح قارات
وحين ابتسم المحيط
أزهرت السفن
ونبتت في أشرعتها أجنحة من نار بيضاء
ورأيت المرافئ تخلع أسماءها القديمة
وتدخل في اسمك
كما يدخل العاشق في محرابه
ولا يعود

فيك شيء إذا لامس التراب
أيقظ في الحجر ذاكرة الماء
وإذا مرّ على الماء
أنبت في قاعه أشجارا من ضوء
كأنّ الأرض هنا لم تكتمل بالطين


فجاءت النجمة الخضراء لتكتب فوق جبينها
ما نسيه الفضاء في كتاب الجهات

رأيتها ذات مساء
تخرج من العلم على مهل
تخلع خيوطها
وتصير طائرا أخضر
له خمسة أجنحة من دعاء
ومنقار من زمرّد
وعينان تطلان على الغيب
حلقت فوق الأطلس
فانحنت القمم تصغي إلى سر الضوء

وحين مر جناحها فوق الصحراء
نهضت الرمال من نومها
وسارت في قافلة من ذهب
تبحث عن أول قطرة مطر
وحين لامست المحيط
فتح البحر خزائنه
وأخرج من أعماقه قمرا لم يره البحارة
وقال: هذه نجمة لا تسقط في الماء
بل تجعل الماء سماء أخرى

يا مغرب…
في ليلتك التي تواطأ فيها الفرح مع المستحيل
كان الزمن يدور حول قلبك
وكان التاريخ يخلع معطفه العتيق
ويجلس بين الجماهير طفلا
يتعلم للمرة الأولى كيف يصفق لوطن
كانت المدرجات غابة من الحناجر
وكانت الحناجر أنهارا
وكانت الأنهار تصب في نهر واحد
حتى بدا العالم كلّه كأنّه قلب ينبض باسم المغرب

هناك…
خرجت اللغة من معاجمها حافية
غسلت حروفها بماء الأطلس
وألقت عن كتفيها غبار القرون
ثم وقفت أمام الدهشة
كما تقف المئذنة أمام الأذان الأول
ورأيت المتنبي يفتح نافذة في زمنه
وأبا تمام يسرق من البرق خاتما
وشاعر الحمراء ينثر الورد على طريق القصيدة

لم يأت الشعراء ليشهدوا انتصار اللغة
بل ليكتشفوا أن اللغة كانت تخفي في حروفها
وطنا لم يقرأوه من قبل
وكانت القصائد تصعد, لا على أوزانها
بل على سلالم من نور
حتى إذا بلغت السماء خلعت قوافيها
وصلّت للسلام

وفي قلب المشهد
حيث تتشابك الذاكرة مع الرجاء
رأيت الملك محمد السادس
في مقام رمز وحدة البلاد
وكانت حوله خريطة المغرب
كتابا مفتوحا على الجهات
لم يكن الحبر في صفحاته حبرا
بل عرق الذين يبنون
وصبر الذين يزرعون
وأمل الذين يفتحون الغد في جدار الممكن

وكانت الجبال تقف حراسا للذاكرة
والمدن تضيء مصابيحها
والقرى تمد من نوافذها خيوطا من الدعاء
رأيت أمانة وطن تتقاسمها الأكتاف
وتمنحها الأيدي معنى
من لغة أخرى للحب

ثم انشق في الأفق باب
لم تصنعه يد
ولم تطرقه ريح
وخرج منه ولي العهد الأمير مولاي الحسن
كأن الغد أرسل صورته
ليختبر بها عيون الحاضر
يحمل في عينيه بياض صفحة لم تكتبها الأزمنة
و الأطلس ينحني نحو خطاه
لا ليمنحه مفاتيح القمم
بل ليسأله عن الطريق
إلى قلوب الذين يسكنون السفوح

وتدلت من شجرة الأجيال تفاحة من نور
داخلها طفولة المستقبل
وأحلام المدارس
وأياد لم تتعلم كيف تستسلم
قالت الريح: ليس الغد ظلا للماضي
فاهتزت في عمق التراب جذور قديمة
وتفتحت في السماء نوافذ
يطلّ منها وطن لا يخجل من غده

يا مغرب…
كل جبل فيك مئذنة تؤذن للغيم أن ينزل
وكل واد قصيدة
تكتبها المياه على ألواح الطين
وكل طفل بذرة شمس تنتظر يد الحنان
لتشق قشرة العتمة

في فاس…رأيت الحروف تخرج من أبوابها
وتغسل وجوهها بماء العلم
وفي مراكش…رأيت الظلال الحمراء
تؤلّف من خطى العابرين
موسيقى لا يسمعها إلا العاشقون
وفي الصحراء…رأيت الرمل يسبح في ملكوت الصمت
وكلما رفع حبة بين أصابعه تدلت من السماء نجمة
وعلى الشّمال…كان البحر يفتح ذراعيه للأفق
كأن طنجة عتبة بين كتابين من زرقة
وكأن السفن التي تعبرها
تحمل أسئلة الإنسان عن معنى الوصول

أما في القرى البعيدة
فكانت يد فلاح تشق الأرض بمحراثها
فانفتح في باطن التراب نهر
وخرجت من النهر سمكة من فضة
وفي عين السمكة رأيت وجه طفل يضحك
قلت: أهذه معجزة؟
فأجابني التراب:
المعجزة أن نعمل
…ونترك للحياة أن تكمل القصيدة

One thought on “قصيدة تصلي… ونجمة خضراء تكتب الغيب”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *