بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ليست جائزة غونكور شريطا أحمر يلتف حول غلاف رواية. إنها مناسبة فرنسية عريقة تضع الأمة أمام صورتها المتحولة، وتدعوها إلى تأمل ما تبقى من روحها في الكتب. فمنذ عام 1903، والجائزة تؤدي دورا يتجاوز مكافأة كاتب أو الاحتفاء بعمل أدبي؛ إنها تطرح، في كل دورة، سؤالا عصيا على الشيخوخة: أي حكاية تستحق أن تنجو من تقلبات الزمن، وأن تعبر من ذاكرة صاحبها إلى ذاكرة شعب كامل؟
في قلب باريس، داخل مطعم «دروان» الذي صار جزءا من مسرح هذه الحكاية، تجتمع لجنة الجائزة لتختار رواية واحدة من بين عشرات الروايات. يبدو المشهد، من الخارج، أقرب إلى طقس بروتوكولي محدود، لكن ما يحدث حول المائدة يتجاوز عدد الجالسين إليها. فقرار مجموعة صغيرة من الأدباء والنقاد قادر على إطلاق موجة واسعة من القراءة والنقاش، وعلى نقل كتاب من صمت الرفوف إلى ضجيج المجال العام. والمفارقة أن الفائز لا يحصل إلا على شيك رمزي بقيمة عشرة يوروهات، بينما ينال ما لا تشتريه النقود بسهولة: انتباها وطنيا، وشرعية أدبية، ونافذة مفتوحة على جمهور قد يبلغ مئات الآلاف.
هكذا تتحول الجائزة إلى آلة رمزية لإعادة توزيع الضوء. رواية كانت بالأمس واحدة بين كتب كثيرة، تستيقظ فجأة تحت مصابيح المكتبات، وتصبح موضوعا للحوارات والمراجعات والجدل. لكن الضوء، مهما كان ساطعا، لا يصنع القيمة من العدم؛ إنه يكشفها أحيانا، ويضخمها أحيانا أخرى، ويضعها في كل الأحوال أمام امتحان القراء والزمن. ومنذ مارسيل بروست، الذي نال الجائزة عن «في ظلال الفتيات المزهرات»، مرورا بأندريه مالرو ورومان غاري ومارغريت دوراس وباتريك موديانو، وصولا إلى أصوات معاصرة مثل محمد مبوغر سار وكمال داود، لم تكن غونكور مجرد قائمة أسماء تتعاقب على سجل الشرف. لقد كانت خريطة متحركة للحساسية الروائية، ودفتر ملاحظات لأمة تتغير أسئلتها، وتتبدل علاقتها بالتاريخ والهوية والمنفى والذاكرة. فالرواية هي شق صغير في جدار الواقع، نطلّ منه على ما تعجز الأخبار والوثائق عن قوله.
وفي دورة 2026، يتقدم الروائي الفرنسي فيليب يانادا إلى واجهة المشهد بروايته «مجهولة رصيف جافيل» (L’Inconnue du quai de Javel)، الصادرة عن دار فلاماريون، ضمن منافسة ضمت يانيك هانيل وكلمنتين ميلوا وسيلفان برودوم. في هذا العنوان وحده بذرة لغز: امرأة مجهولة، رصيف، ومكان حضري يبدو كأنه يحتفظ في حجارة ضفافه بأسرار لم تجد طريقها إلى الضوء. إن العنوان يفتح باب التأويل قبل أن تبدأ القراءة، ويذكرنا بأن الأدب لا يحتاج دائما إلى عوالم بعيدة كي يصنع الدهشة؛ فقد تكفي زاوية من مدينة، ووجه غائب، وأثر ضئيل من حياة عابرة، لكي تنبثق حكاية تتسع لأسئلة الوجود. لكن غونكور هذا العام لم تكن مشغولة بمن سيحمل التاج الأدبي وحده. فقد تسلل سؤال الذكاء الاصطناعي إلى النقاش، بعد الجدل الذي أحاط برواية ثيليسون أورليان وإخراجها من قائمة الترشيحات. وهنا لم يعد الأمر يتعلق بحدود مسابقة أدبية، بل بحدود مفهوم الإبداع نفسه: هل يكفي أن يكون النص متماسكا وجميلا لكي يصبح أدبا؟ أم أن الكتابة ليست صناعة جمل فحسب، بل أثر تجربة ووعي وذاكرة ومسؤولية؟
ليس الدفاع عن الأدب الإنساني إعلانا للحرب على التكنولوجيا. فالآلة قد تساعد الكاتب، وقد توسع أدواته، وقد تفتح أمامه احتمالات لم تكن متاحة من قبل. غير أن السؤال يبدأ حين تختلط المساعدة بالنيابة، وحين يصبح إنتاج الكلمات بديلا عن امتلاك التجربة. فاللغة ليست أثاثا نرتبه في غرفة أنيقة؛ إنها تحمل ندوب من عاشوا، وارتباك من أحبوا، وخوف من فقدوا، وأسئلة من لم يعثروا على إجابات. تستطيع الخوارزميات أن تحاكي إيقاع الحزن، لكن هل تعرف معنى أن يستيقظ الإنسان وفي صدره مقعد فارغ لا يجرؤ على النظر إليه؟
قد تنتج الآلة نصا مدهشا، وقد يعجز كاتب بشري عن كتابة جملة واحدة تستحق البقاء. لذلك لا ينبغي اختزال المسألة في مواجهة ساذجة بين الإنسان والآلة، بل في مساءلة أعمق عن مصدر النص، وطبيعة المسؤولية الإبداعية، وشفافية الوسائل التي أنتجته. فالمستقبل لن يحسمه مجرد وجود التكنولوجيا، بل الطريقة التي نختار بها استخدامها، والحدود التي نرسمها بين الأداة وصاحب الرؤية. وتكشف غونكور، من جهة أخرى، عن التوتر الدائم بين القيمة الجمالية والقيمة التجارية. فالفوز قد يدفع الرواية إلى مئات الآلاف من البيوت، ويحولها إلى عنوان الموسم الأكثر حضورا، لكنه لا يمنحها حصانة أبدية من النقد. فالجوائز تفتح الأبواب ولا تصدر أحكاما نهائية على الخلود. إنها اجتهادات بشرية، تتأثر بالأذواق واللحظة التاريخية وتوازنات المشهد الثقافي، أما محكمة الزمن فليس لها موعد إعلان ولا مطعم تجتمع فيه؛ إنها تقرأ ببطء، وقد ترفع رواية من النسيان بعد عقود، أو تترك كتابا متوجا يتلاشى خلف غبار التصفيق.
ولعل هذا هو الدرس الذي يستحق أن تتأمله الثقافة العربية في تجربة غونكور. فالأدب لا يزدهر بمجرد وجود كتّاب موهوبين، كما لا تنمو شجرة في أرض لا يصل إليها الماء. إنه يحتاج إلى مؤسسات ثقافية مستقرة، وصحافة جادة، ونقد لا يخشى الاختلاف، ومكتبات حية، وقراء يرون في الكتاب ضرورة لا زينة موسمية. يحتاج إلى مناخ يجعل الاحتفاء بالكاتب فعلا مستمرا، لا مناسبة عابرة تستيقظ فيها الثقافة يوما ثم تعود إلى سباتها. ليست غونكور قصة فائزين وخاسرين، ولا معركة على شريط أحمر أو صورة في الصفحة الأولى. إنها إعلان سنوي عن إيمان ثقافي بأن الرواية ما زالت قادرة على انتزاع لحظة من عالم يبتلع كل شيء بسرعة، وأن الكلمة تستطيع أن تقف في وجه الضجيج لا بالصراخ، بل بعمقها. قد يتغير الفائز، وتتبدل المعايير، وتدخل الآلة إلى ورشة الكتابة، لكن الحاجة الإنسانية إلى الحكاية ستبقى عصية على الانقراض. فالأدب لا يكتب كي يعتلي منصة التتويج، بل كي لا تتحول حياة البشر إلى غبار بلا أسماء؛ وكي لا تضيع التجارب الصغيرة، تلك التي لا تدخل كتب التاريخ، لكنها تصنع في صمت تاريخ الروح.
