بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
ثمة جدران لا تفصل بين بلدين، بل تفصل الإنسان عن المعنى الذي كان يعتقد أنه يملكه. وثمة قرارات سياسية لا تكتفي بتغيير خرائط الجغرافيا، بل تعيد توزيع الوجود نفسه، فتجعل صاحب البيت غريبا في بيته، والمواطن شبهة على أرضه، والوطن مساحة قابلة لإعادة الترتيب بواسطة جرافة. في سييرا بلانكا، بولاية تكساس، حدث ما يشبه انقلابا في قوانين الواقع. لم يستيقظ بول كلاراداي وزوجته شيرلي على زلزال، ولم يكتشفا أن الأرض انشقت وابتلعتهما، بل اكتشفا أن الجدار الذي قررت إدارة دونالد ترامب تشييده على الحدود مع المكسيك قد مر عبر ممتلكاتهما، وأن منزلهما بات، بحسب التعبير الذي تناقلته وسائل الإعلام، في الجانب المكسيكي من الجدار. أربعة أيام فقط كانت كافية لكي تتحول الجرافات إلى مهندسي قدر، ولكي تصبح الأرض التي عاشا فوقها جزءا من مشهد حدودي لم يختاراه، ولم يستأذنهما أحد في رسمه.
لكن المفارقة أكثر غرابة من الخبر نفسه. فبسبب مخاطر الفيضانات المرتبطة بنهر ريو غراندي، شُيّدت أجزاء من الحاجز على مسافة مئات الأمتار من خط الحدود الرسمي. وهكذا نشأت تلك المنطقة المعلقة بين الجغرافيا والسياسة: أرض أمريكية من الناحية القانونية، لكنها تبدو، بفعل موقع الجدار، وكأنها انفصلت بصريا وعمليا عن محيطها الوطني. ليس البيت مكسيكيا بالمعنى السيادي، لكنه صار يعيش مفارقة أن يكون في الولايات المتحدة وخلف جدار يجعل الوصول إلى معنى الانتماء أكثر تعقيدا من الوصول إلى عتبة بابه. يا لها من سخرية سوداء! الدولة التي تخشى أن يتسلل الغرباء عبر حدودها صنعت، من دون أن تدري، غربة جديدة داخل حدودها. لقد انتقل مفهوم الغريب من الشخص الذي يعبر الحدود إلى المواطن الذي يجد الحدود قد عبرت فوق حياته. لم يعد السؤال: من يدخل إلى البلاد؟ بل صار: من يملك حق البقاء في المكان الذي ولد فيه، حين تقرر السلطة أن تعيد هندسة المكان وفق مخاوفها؟
هنا لا يعود الجدار مجرد كتلة من الفولاذ والخرسانة. إنه استعارة سياسية مكتملة، آلة تحول الخوف إلى هندسة، والريبة إلى عمران، والاختلاف إلى مسافة مادية. في منطق السلطة، تبدو الحدود خطا واضحا يفصل الداخل عن الخارج، والأمن عن الخطر، ونحن عن هم. لكن الواقع أكثر عصيانا من الخرائط؛ فالأنهار لا تقرأ المراسيم، والأرض لا تفهم الخطابات الانتخابية، والبيوت لا تستطيع أن تحمل نفسها بعيدا كلما تغيرت استراتيجية الدولة. ومن منظور فلسفي، تكمن المعضلة في الخلط بين حماية الوطن وامتلاك الحق المطلق في إعادة تشكيل حياة سكانه. فالدولة لا تفقد مشروعيتها لمجرد أنها تبني حاجزا، لكنها تدخل منطقة أخلاقية خطرة حين يصبح الأمن ذريعة لتجاوز الملكية والكرامة وحق الإنسان في أن يكون سيد فضائه الخاص. فهل يجوز أن يتحول المواطن إلى تفصيل هندسي في مشروع سياسي؟ وهل تصبح الأرض ملكا للسلطة بمجرد أن تضع عليها علامة حدودية؟
إنّ الجدار، الذي يُقدَّم بوصفه جوابا ماديا عن مشكلة سياسية واجتماعية معقدة، قد لا يعالج أسباب الهجرة بقدر ما يجسد العجز عن فهمها. فالهجرة ليست مجرد أقدام تعبر خطا جغرافيا؛ إنها تاريخ من الفقر والعنف والاختلالات الاقتصادية والحروب والتفاوتات العالمية. ومن يختزل كل هذه الأسباب في حاجز، يشبه من يحاول إسكات البحر ببناء سور حول الموج. ثم إن للجدار حياة أخرى لا تظهر في الصور الرسمية: حياة المزارع الذي تتعطل حركة أرضه، وصاحب المنزل الذي تتغير علاقته بممتلكاته، والكائنات البرية التي تصطدم بممرات مغلقة، والمجتمعات الحدودية التي تجد نفسها محاصرة بين خطاب الأمن وتكاليفه اليومية. فالحدود ليست خطوطا مجردة؛ إنها أنهار ومزارع وطرق وذاكرات عائلية وأماكن عاشت طويلا قبل أن تتحول إلى نقاط على شاشة قرار سياسي.
أخطر ما في هذه الحكاية ليس أن بيتا وجد نفسه في الجهة الأخرى من حاجز، بل أن هذا المشهد يكشف قابلية الإنسان لأن يصبح ضحية للغة التي تصنعها السلطة. فحين يُسمى الإقصاء حماية، ويصبح التضييق ضرورة، ويُقدَّم انتهاك المجال الخاص باعتباره ثمنا وطنيا، تتغير وظيفة الكلمات قبل أن تتغير الخرائط. وعندئذ لا يعود الجدار واقفا على الحدود، بل ينتصب داخل الوعي، ويعلّم الناس كيف يخافون من بعضهم، وكيف يشكون حتى في حقهم الطبيعي في المكان. إن مأساة بول وشيرلي تضعنا أمام سؤال يتجاوز تكساس وواشنطن والمكسيك: هل الوطن هو الخط الذي ترسمه الدولة، أم العلاقة التي تنشأ بين الإنسان والأرض والذاكرة والحقوق؟ إذا استطاعت جرافة أن تغير إحساس مواطن بوطنه في أربعة أيام، فكم من الوقت يحتاج الوطن لكي يستعيد معناه؟
ربما لم تعبر هذه العائلة الحدود قط، لكن الحدود عبرت حياتها. وهذا هو الوجه الأشد غرابة في الحكاية: أن يصبح الإنسان مهاجرا داخل جغرافيته، ومنفيا من المكان من دون أن يغادره، وغريبا في وطن لم يتوقف عن حمل اسمه. فالجدار لا يكشف دائما من يوجد في الجهة الأخرى؛ أحيانا يكشف ما يوجد في داخلنا. وقد يكون أخطر ما تبنيه السياسة ليس الحواجز التي ترتفع فوق الأرض، بل العقول التي تتعلم، بالتدريج، أن ترى في الإنسان المقابل خطرا، وفي المواطن المختلف عبئا، وفي البيت الذي يعترض طريق المشروع مجرد عقبة ينبغي إزاحتها. حين يصبح الوطن جدارا، لا يعود السؤال من يقف وراء الحدود، بل من بقي داخل معنى الوطن نفسه.
