حين تصبح أسرار الرؤساء مادة للقراءة

هل دخلت السياسة عصر سقوط الجدران؟

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

من رسائل إيمانويل ماكرون الخاصة إلى فرنسواز داغوا، إلى تحوّل المحادثات المغلقة إلى كتاب مفتوح أمام الجمهور… هل ما زلنا أمام سياسة تدار في الغرف المغلقة، أم أننا إزاء ولادة سياسة أخرى، تصنع فيها السلطة بالكلمات المتسربة، وتقاس فيها الهيبة بما يتبقى منها بعد انكشاف الأسرار؟

ثمة شيء غريب يحدث في مسرح السياسة المعاصرة؛ لم تعد الستائر تسدل على الأسرار، ولم تعد الأبواب المغلقة تضمن بقاء ما يدور خلفها حبيس الجدران. لقد صار الهاتف الصغير، الذي يستقر في جيب السياسي، أشبه بصندوق أسود يحمل ارتجافات السلطة، وانفعالات أصحاب القرار، وما لا تسمح لهم المنابر الرسمية بقوله. وفي لحظة غير متوقعة، قد تتحول رسالة كتبت في مزاج عابر أو لحظة ضيق، إلى وثيقة عامة، ثم إلى عنوان كتاب، ثم إلى مادة يتداولها الناس بوصفها وجها آخر للحقيقة السياسية. هذا ما تعيده إلى الواجهة الواقعة التي تتناولها بعض الصحف، بشأن المحادثات الخاصة التي دارت، على مدى عامين، عبر تطبيق «تلغرام» بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والكاتبة والصحافية فرنسواز داغوا، والتي كشفت عنها الأخيرة في كتاب يحمل عنوانا مستمدا من إحدى عبارات الرئيس: «أنتم جميعا قساة جدا معي». عبارة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى شكوى شخصية منها إلى موقف سياسي، لكنها تفتح نافذة واسعة على علاقة السلطة بالإعلام، وعلى المسافة الملتبسة بين الإنسان الذي يحكم والرئيس الذي ينبغي أن يحافظ على صورة الحكم. إن المثير في الحكاية ليس مجرد خروج رسائل خاصة إلى العلن، ولا حتى احتمال أن يكون رئيس الجمهورية قد أبدى في محادثة مغلقة امتعاضه من قسوة الصحافيين، وإنما السؤال الأكثر إرباكا: متى أصبحت الحياة الداخلية للسلطة جزءا من سوق التداول العام؟ ومن منح الرسالة التي كُتبت في فضاء الخصوصية حق العبور إلى فضاء النشر؟ وهل يكفي أن يكون صاحبها رئيسا للجمهورية حتى تصبح كل كلمة يكتبها ملكا للمجال العام؟

السلطة وهي تخلع قفازاتها

لطالما قامت السياسة التقليدية على هندسة دقيقة للمسافة بين الحاكم والمحكوم. للرئيس خطاب رسمي، وللدولة مؤسساتها، وللصحافة أدوات مساءلتها، وللحياة الخاصة حدودها التي لا ينبغي اقتحامها إلا بمسوغ أخلاقي أو مصلحة عامة واضحة. كان السياسي يظهر أمام الجمهور بوجه محسوب، بينما تبقى انفعالاته الشخصية وتردداته ومخاوفه في منطقة لا تطالها الكاميرات. لكن العالم الرقمي هدم جانبا كبيرا من هذه الهندسة. لم تعد السلطة تتحدث فقط عبر البيانات والخطب والمؤتمرات؛ صارت تتواصل عبر الرسائل الفورية، وتستأنس بالمحادثات الفردية، وتبوح في مساحات صغيرة لا تبدو، في لحظة كتابتها، قابلة لأن تتحول إلى أرشيف تاريخي مفتوح.

لقد انتقلت السياسة من عصر الوثيقة الرسمية إلى عصر الأثر الرقمي. ومن زمن المذكرات التي تُكتب بعد مغادرة الحكم إلى زمن الرسائل التي قد تُنشر قبل أن يجف حبرها الافتراضي. وهنا تكمن المفارقة: السياسي الذي يظن أنه يتحدث إلى شخص واحد قد يجد نفسه، بعد حين، يخاطب مجتمعاً بأكمله، من دون أن يكون قد اختار المنبر أو الجمهور أو التوقيت. إنها ليست مجرد ثورة في وسائل الاتصال، بل انقلاب في طبيعة العلاقة بين السلطة والخصوصية. فكل رسالة أصبحت قابلة لأن تعيش حياة ثانية، وربما ثالثة، خارج سياقها الأصلي؛ تنتزع من لحظتها، وتعاد قراءتها في ضوء أحداث لاحقة، وتُحمّل أحيانا دلالات لم تكن حاضرة في ذهن كاتبها.

هل البوح السياسي خيانة للخصوصية أم خدمة للحقيقة؟

ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، لأننا نقف أمام منطقتين متداخلتين لا يجوز الخلط بينهما: حق الجمهور في معرفة ما يمس الشأن العام، وحق الإنسان، حتى حين يكون رئيسا، في ألا تتحول حياته الخاصة إلى ملكية مفتوحة بلا حدود. فالرئيس ليس مواطنا عاديا من حيث المسؤولية العامة، لكنه ليس كائنا منزوع الإنسانية من حيث الحق في الخصوصية. وما يكتبه عن قرارات الدولة، أو عن مراكز النفوذ، أو عن علاقاته بمؤسسات الحكم، قد تكون له قيمة صحافية وسياسية بالغة. أما ما يعبر به عن ضيق شخصي أو انفعال عابر، فلا يصبح تلقائيا مادة ذات مصلحة عامة لمجرد أن صاحبه يقيم في قصر الإليزيه. المعيار الحقيقي، إذن، ليس هو شهرة صاحب الرسالة، بل القيمة العامة لمضمونها، ومدى ارتباطها بممارسة السلطة أو التأثير في القرار أو كشف حقيقة تستحق أن يعرفها المواطنون.

إن نشر المراسلات الخاصة يضع الصحافة أمام امتحان أخلاقي بالغ الحساسية: هل وظيفتها أن تكشف كل ما تستطيع الوصول إليه، أم أن مسؤوليتها تقتضي التمييز بين ما ينبغي كشفه وما ينبغي احترام حرمته؟ فالصحافة التي لا تملك حدودا أخلاقية قد تتحول إلى آلة اقتحام، مثلما أن الصحافة التي تخشى الاقتراب من دوائر السلطة قد تتحول إلى حارس لأبوابها. وبين هذين الخطرين تسير الحقيقة على حبل مشدود.

ماكرون والوجه الذي لا يظهر في الخطابات

تكتسب هذه الواقعة أهميتها من طبيعة المفارقة التي تكشفها. فالرئيس الذي اعتاد مخاطبة الفرنسيين من موقع السلطة، والذي تمثل خطاباته الرسمية جزءا من صورة الدولة وهيبتها، يظهر في عبارة شخصية إنساناً يشعر بأن المحيطين به، ولا سيما الصحافيين، لا ينصفونه. «أنتم جميعا قساة جدا معي»؛ جملة قصيرة، لكنها تحمل أكثر من قراءة. إنها تكشف عن توتر العلاقة بين السياسي والإعلام، وعن التباعد بين الصورة التي يرسمها الحاكم عن نفسه والصورة التي يعكسها له المجال الصحافي. كما تطرح سؤالا قديما بصيغة جديدة: هل يريد السياسي صحافة تراقبه، أم صحافة تفهمه؟ وهل يقبل النقد باعتباره ضرورة ديمقراطية، أم يفضّل أن يتحول إلى مساحة للتعاطف مع صاحب القرار؟

ليست المشكلة في أن يشعر الرئيس بالضيق من النقد؛ فالمسؤولون بشر، ومن الطبيعي أن تتأثر ذواتهم بالهجوم أو سوء الفهم. المشكلة تبدأ عندما يختلط الشعور الشخصي بمفهوم الشرعية السياسية، فيصبح النقد في نظر صاحب السلطة قسوة، وتتحول المساءلة إلى جرح، وتغدو الصحافة، بدلا من كونها إحدى أدوات الرقابة الديمقراطية، طرفا مطالبا بمراعاة الحالة النفسية للحاكم. إن الديمقراطية لا تشترط أن يحب الرئيس الصحافة، ولا أن تتفق الصحافة مع الرئيس؛ إنها تشترط أن يبقى الخلاف بينهما ممكنا، وأن تظل المسافة بين السلطة والمراقبة قائمة، مهما بلغت حدة التوتر.

نحن أمام سياسة أخرى أم أمام نهاية الأقنعة؟

لعل التحول الأكثر عمقا لا يكمن في تسريب الرسائل ذاتها، وإنما في الطريقة التي باتت تنتج بها السياسة وتستهلك. لقد كانت السياسة التقليدية تقوم على المؤسسات والبرامج والتحالفات والخطب والقرارات. أما اليوم، فقد أضيفت إليها طبقة أخرى: السياسة بوصفها مادة شخصية، والزعيم بوصفه شخصية قابلة للتأويل النفسي، والرسالة الخاصة بوصفها حدثا سياسيا مستقلا. لقد أصبح الجمهور لا يريد فقط أن يعرف ماذا قرر الرئيس، بل يريد أن يعرف ماذا شعر، وماذا قال في لحظة غضب، ومن يثق به، ومن يشتكي منه، وكيف يتحدث حين لا يكون أمام الميكروفون. هكذا تنتقل السياسة من ساحة الأفكار إلى مختبر الشخصيات، ومن مناقشة البرامج إلى تفكيك النبرات، ومن تحليل القرارات إلى قراءة الرسائل بين السطور. وكأننا لم نعد نكتفي بمشاهدة المسرح السياسي، بل نطالب بالدخول إلى الكواليس، وفتح غرف الملابس، وتفتيش الأدراج، والاستماع إلى الهمسات التي تسبق رفع الستار.

وهنا تظهر خطورة السياسة الجديدة: أن يتحول كشف الخصوصيات إلى بديل عن مساءلة السياسات، وأن تصبح الحياة الشخصية للمسؤول أكثر إثارة من نتائج قراراته. عندئذٍ لا يعود المواطن يسأل عن مستقبل بلاده، بل عن آخر رسالة كتبها رئيسها؛ ولا يعود النقاش العام يدور حول الاقتصاد والعدالة والتعليم والسيادة، بل حول من قال ماذا، ولمن، وفي أي ساعة، وبأي نبرة. إنها سياسة الفرجة، حيث قد تتفوق لقطة شاشة على خطاب رئاسي، وقد يهزم اقتباس قصير برنامجا انتخابيا كاملا، وقد تصبح جملة واحدة أكثر تداولا من قرار يمس حياة الملايين.

الرسائل الخاصة: ذاكرة السلطة أم فخها؟

في الأزمنة السابقة، كانت الذاكرة السياسية تكتب غالبا بأقلام المؤرخين والمذكرات والشهادات التي تظهر بعد سنوات. أما اليوم، فقد صار التاريخ يكتب بالتزامن مع وقوعه، وتحفظ مادته الخام في خوادم التطبيقات، حيث لا يختفي الكلام بمجرد انتهاء المحادثة. إن الرسالة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة اتصال؛ لقد أصبحت وثيقة محتملة، وشهادة قابلة للاستدعاء، وقطعة من أرشيف السلطة. لكن الوثيقة، مهما كانت حقيقية، لا تتحدث وحدها. فهي تحتاج إلى سياق، وإلى معرفة ظروف كتابتها، وإلى التمييز بين الانفعال والموقف، وبين الرأي الشخصي والقرار الرسمي. ومن دون هذا التمييز، يمكن أن تتحول الحقيقة إلى مادة مضللة، لا لأنها مزيفة، بل لأنها مبتورة من الزمن والظروف والدلالات التي صنعتها. ولذلك فإن نشر مراسلات رئيس دولة يقتضي مسؤولية مضاعفة: مسؤولية الناشر في إثبات أصالة المادة وسلامة سياقها، ومسؤولية القارئ في ألا يجعل من الرسالة الواحدة حكما نهائيا على شخصية أو مرحلة سياسية كاملة.

حين يصبح قصر الإليزي زجاجيا

ربما نحن بالفعل أمام طور جديد من السياسة، لا تلغى فيه المؤسسات بالضرورة، ولكن تتغير فيه شروط ممارسة السلطة وصناعة صورتها. لم يعد القصر محاطا بالجدران نفسها؛ فقد اخترقت العالم الرقمي منافذه، وأصبحت الكلمات التي تخرج منه قادرة على العودة إليه في صورة عناوين وكتب وأسئلة محرجة. لكن الديمقراطية لا تحتاج إلى قصر زجاجي تعرض فيه كل انفعالات الحاكم، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات شفافة تكشف فيها القرارات، وتراقب فيها الصلاحيات، وتحاسب فيها المسؤوليات. فالشفافية ليست تعرية شاملة للإنسان، والخصوصية ليست حصانة للسلطة. وبينهما يقف الحد الفاصل الذي ينبغي أن تحرسه الصحافة والقانون والضمير الديمقراطي. قد تتغير الرؤساء، وتتبدل الحكومات، وتختفي الرسائل من شاشات الهواتف، لكن السؤال سيبقى قائما: من يملك حق تحويل الكلام الخاص إلى حقيقة عامة؟ وأين تنتهي حرمة الإنسان وتبدأ مصلحة المجتمع؟

إن أخطر ما في هذه الحكاية ليس أن الرئيس كتب رسالة شعر فيها بأنه محاط بالقسوة، ولا أن صحافية قررت إخراج محادثات إلى فضاء الكتاب، وإنما أن السياسة نفسها باتت مهددة بأن تفقد مركزها لمصلحة ما يحيط بها من أسرار وانفعالات وفضائح. لقد دخلنا زمنا لم تعد فيه السلطة تخشى فقط ما تقوله أمام الناس، بل ما تكتبه بعيدا عنهم. زمنا قد تصبح فيه الرسالة أقوى من القرار، والهمسة أعلى من الخطاب، والشاشة أوسع من قبة البرلمان. غير أن الديمقراطية التي تستحق اسمها لا ينبغي أن تتحول إلى محكمة دائمة لتفتيش ضمائر الحكام، كما لا يجوز أن تتحول إلى غرفة مظلمة تحجب عن المواطنين حقيقة من يحكمهم. إنها تحتاج إلى شيء أكثر صعوبة من كشف الأسرار: تحتاج إلى كشف الحقائق، وأكثر نبلا من اقتحام الخصوصيات: تحتاج إلى حماية المجال العام. فليس كل ما يخفى مؤامرة، وليس كل ما يكشف حقيقة، وليس كل ما ينشر صحافة. ولعل المفارقة الكبرى في سياسة هذا العصر أن الرؤساء باتوا يكتبون رسائلهم وهم يظنون أنهم يتحدثون إلى أفراد، بينما يقرؤها التاريخ بوصفها اعترافات أمام أمة. أما الديمقراطية، فليست في أن نعرف كل ما يقوله الحاكم حين يطفئ هاتفه، بل في أن نعرف، دون خوف أو مواربة، ماذا يفعل حين يمسك بمقاليد الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *