بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس
بعض الجغرافيات لا تنام، وإن بدت ساكنة على الخرائط. تتحرك تحت رمالها ذاكرة الإمبراطوريات القديمة، وفوق مسالكها تتقاطع أحلام الدول ومخاوفها، وفي أعماقها تستقر ثروات تجعل من الصمت الظاهري حوارا ونقاشا مؤجلين. والصحراء الكبرى واحدة من تلك الجغرافيات التي لا يمكن فهمها باعتبارها فراغا بين دول، بل باعتبارها مجالا استراتيجيا تتصارع فيه تصورات متباينة للسلطة والأمن والاقتصاد والمستقبل. ولعل التطورات المتلاحقة بين الجزائر والنيجر وليبيا والمغرب والإمارات تكشف اليوم عن لحظة جديدة من هذا التاريخ المضطرب؛ لحظة لم تعد فيها الحدود مجرد خطوط فاصلة بين السيادات، بل أصبحت تخوما متحركة للمصالح الطاقية والتحالفات الأمنية وممرات التجارة الدولية.
ففي شمال النيجر، وصلت قافلة عسكرية جزائرية إلى أرليت، بعد موافقة البرلمان الجزائري على نشر وحدات من الجيش خارج الحدود. وفي الرباط، استقبل المغرب خلال أكتوبر مسؤولين من شرق ليبيا، في مقدمتهم خالد حفتر، رئيس الأركان العامة للقوات التابعة للقيادة العسكرية الشرقية، وبلقاسم حفتر، المسؤول عن صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا. وفي الأول من نوفمبر، حل رئيس الوزراء النيجري ببنغازي، حيث أعلن عن توقيع بروتوكول تعاون استراتيجي مع الجانب الليبي الشرقي. قد تبدو هذه الوقائع منفصلة إذا قرئت كل واحدة منها في عزلة، لكنها حين توضع على خريطة واحدة تكشف عن تحولات عميقة في البيئة الاستراتيجية للمغرب العربي والساحل. ومع ذلك، فإن أول شروط القراءة الجادة هو مقاومة إغراء المؤامرة الجاهزة. فلا كل لقاء تحالف، ولا كل تقارب اصطفاف، ولا كل تحرك عسكري إعلان حرب على طرف ثالث. إن ما نحتاج إليه هو قراءة المصالح كما هي. والسؤال الذي ينبغي أن يتقدم على سائر الأسئلة هو: هل تدخل المنطقة مرحلة جديدة من الصراع على مناطق النفوذ، أم أنها تشهد ولادة توازنات إفريقية جديدة تتجاوز الخرائط التقليدية؟
الجزائر في أرليت: من حراسة الحدود إلى حماية المجال الحيوي
لا تكمن أهمية وصول القوات الجزائرية إلى النيجر في طبيعة المهمة المعلنة وحدها، بل في التحول الذي يعكسه القرار على مستوى العقيدة الأمنية الجزائرية. فالجزائر ظلت تاريخيا شديدة الحساسية تجاه نشر قواتها خارج حدودها، وجعلت من مبدأ عدم التدخل العسكري الخارجي أحد مرتكزات خطابها الدفاعي. غير أن موافقة البرلمان في أكتوبر 2026 على نشر وحدات عسكرية في النيجر، ثم وصول القافلة إلى أرليت، يكشفان عن استعداد لاستخدام أدوات جديدة لحماية المصالح الاستراتيجية خارج المجال الوطني. وقدمت الجزائر هذا التحرك في إطار حماية المصالح الاقتصادية والطاقية المشتركة مع النيجر، وهي حجة لا يمكن إغفال مشروعيتها من حيث المبدأ. فالدول لا تتخلى عن حماية استثماراتها ومواطنيها ومنشآتها، خصوصا عندما تكون موجودة في مناطق تتعرض لتهديدات أمنية متزايدة.
السياسة تقرأ بالمجال الذي تتحرك فيه والنتائج التي يمكن أن تترتب عنها. وأرليت ليست مجرد نقطة على الخريطة النيجرية. إنها فضاء تتداخل فيه الاعتبارات الطاقية والأمنية، وتقترب فيه المصالح الجزائرية من المجال الليبي، حيث تتنامى أدوار القوى العسكرية المحلية وتتقاطع حساباتها مع مصالح أطراف إقليمية ودولية. ومن هنا يمكن فهم القلق الجزائري من تمدد نفوذ القيادة العسكرية في شرق ليبيا، ومن الحضور الإماراتي في معادلات المنطقة، ومن العلاقات التي أخذت تتطور بين هذه الأطراف والمجال الإفريقي. لكن ينبغي التمييز بين تفسير هذه المخاوف وبين أن الانتشار الجزائري يستهدف المغرب أو الإمارات أو إسرائيل بصورة مباشرة. إن الاتزان يتطلب منّا أن نرى في انتشار الجزائر محاولة لحماية مجالها الاستراتيجي وتثبيت موقعها في النيجر، في لحظة تتغير فيها موازين النفوذ حولها. وهذه، في حد ذاتها، حقيقة جيوسياسية كافية لإدراك أهمية ما جرى.
الرباط وبنغازي: دبلوماسية لا تختزلها الاصطفافات
في المقابل، جاءت اللقاءات المغربية مع شخصيات بارزة من شرق ليبيا لتضيف طبقة جديدة إلى المشهد. فزيارة خالد حفتر إلى المغرب ولقاؤه المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، الفريق أول محمد بريظ، ثم استقبال ناصر بوريطة لبلقاسم حفتر، لا يمكن فصلهما عن الأهمية المتزايدة التي اكتسبتها ليبيا في الحسابات الاستراتيجية للمغرب العربي والساحل. غير أن اختزال هذه الاتصالات في تحالف عسكري مغربي مع معسكر حفتر سيكون قراءة متعجلة، وربما مجحفة بتاريخ السياسة المغربية في الملف الليبي. فالمغرب ليس طارئا على الأزمة الليبية، ولا اكتشف ليبيا مع صعود أهمية شرقها العسكري. لقد احتضنت المملكة اتفاق الصخيرات سنة 2015، الذي شكل محطة مفصلية في مسار التسوية السياسية الليبية، كما احتضنت لقاءات بوزنيقة سنة 2020 في إطار جهود تقريب وجهات النظر بين الأطراف الليبية.
وهذه الذاكرة الدبلوماسية ليست بروتوكولا، بل رصيد سياسي يفسر قدرة الرباط على مخاطبة أطراف متعددة داخل المشهد الليبي. إن الدبلوماسية المغربية، في جوهرها، لا تقوم على الانغلاق داخل معسكر واحد، بل على توسيع دوائر التواصل بما يخدم الاستقرار ووحدة الدول ومؤسساتها. وهذا لا يعني أن كل تقارب سياسي مضمون النتائج، أو أن العلاقات مع الفاعلين العسكريين لا تستدعي تدقيقا في مآلاتها. بل إن قوة الموقف المغربي تظل مرتبطة بقدرته على الحفاظ على التوازن بين الانفتاح على القوى الفاعلة والتمسك بوحدة ليبيا وسيادتها. فالمغرب يستطيع أن يتعامل مع شرق ليبيا دون أن يتخلى عن مرجعية التسوية السياسية، وأن يطور علاقاته مع مراكز القرار دون أن يجعل من الانقسام الليبي حقيقة دائمة. وهنا تتجلى قيمة الدبلوماسية التي تعرف الفرق بين مخاطبة الواقع وتكريس اختلالاته.

النيجر: الدولة التي تتقن فن تعدد الأبواب
لعل أكثر تفاصيل المشهد إثارة للتأمل هو ما حدث في بنغازي في الأول من نوفمبر. فبعد وصول القافلة الجزائرية إلى أرليت، استقبل صدام حفتر رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين، وأعلن عن توقيع بروتوكول تعاون استراتيجي بين ليبيا والنيجر. هذه الواقعة تضع أمامنا مفارقة سياسية تستحق التأمل: الجزائر توسع حضورها العسكري في النيجر لحماية مصالحها، والنيجر توسع في الوقت نفسه علاقاتها مع مركز قوة ليبي لا تخفي الجزائر مخاوفها من تنامي نفوذه. لكن هل يعني ذلك أن النيجر تناقض نفسها؟
ليس بالضرورة. فالدول التي تعيش في بيئات أمنية مضطربة لا تملك دائما رفاهية الاختيار بين شريك واحد وشريك آخر. وقد تلجأ إلى تنويع علاقاتها، وفتح قنوات متعددة، والاستفادة من تنافس القوى المحيطة بها لتوسيع هامش استقلال قرارها. والنيجر، بحكم موقعها الجغرافي، لا تستطيع تجاهل الجزائر، ولا يمكنها إغفال النفوذ الليبي في الشمال، أو الحضور الإماراتي والمغربي في المجال الإفريقي، أو علاقاتها التاريخية مع بقية دول المنطقة. إنها تتحرك في جغرافيا شديدة التعقيد، وتحاول أن تجعل من تعدد الشركاء وسيلة لتجنب الارتهان لمحور واحد.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق: قد تعتقد قوة إقليمية أنها تعزز نفوذها بمجرد وجودها العسكري في دولة مجاورة، بينما تواصل هذه الدولة بناء علاقاتها مع أطراف لا تنسجم حساباتها بالضرورة مع حسابات القوة الحاضرة على أراضيها. فالسيادة ليست مجرد قدرة على استقبال الجيوش، بل هي أيضا القدرة على تنويع الخيارات وعدم تسليم القرار الوطني لشريك واحد. ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن البروتوكول الموقع في بنغازي لم ينشر نصه التفصيلي كاملا، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره اتفاقا عسكريا شاملا ومحدد البنود قبل الاطلاع على وثائقه الرسمية.
الإمارات والمغرب: تقاطع المصالح لا يساوي غرفة عمليات
لا يمكن فهم التحولات الجارية دون التوقف عند العلاقات الإماراتية المغربية، وما يرافقها من حساسية في الحسابات الجزائرية. فالإمارات لاعب اقتصادي واستثماري ودبلوماسي مؤثر في إفريقيا، ولها علاقات مع أطراف متعددة، من بينها القوى الفاعلة في شرق ليبيا. كما ترتبط مع المغرب بشراكة استراتيجية وثيقة. وقد أعلنت الجزائر في سبتمبر 2026 قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أبوظبي، في تطور عكس عمق التوتر بين البلدين. غير أن هذه القطيعة لا تجعل كل علاقة إماراتية مغربية دليلا على تنسيق عدائي ضد الجزائر، ولا تسمح وحدها بالاستنتاج أن التحركات المغربية والإماراتية والليبية تنفذ مخططا موحدا.
إن السياسة الدولية أكثر تعقيدا من هذه المعادلات المبسطة. قد تتقاطع مصالح الدول في ملف، وتتباين في ملف آخر، وقد تتعاون في الاستثمار دون أن تتطابق رؤاها الأمنية، وقد تتشارك في دعم الاستقرار دون أن تكون جزءا من حلف عسكري مغلق. والمغرب، الذي يملك علاقات استراتيجية مع الإمارات، ليس مطالبا بالاعتذار عن اختياراته الدبلوماسية المشروعة، كما أن من حق الجزائر أن تقيم علاقاتها الخارجية وفق تقديرها لمصالحها. لكن المعيار الذي ينبغي أن يحكم الجميع هو احترام سيادة الدول وعدم تحويل إفريقيا إلى ساحة لتصفية الخصومات الثنائية.
المبادرة الأطلسية: البحر كجواب عن سؤال الصحراء
هنا نصل إلى جوهر الرؤية المغربية، وإلى النقطة التي تمنح التحركات الدبلوماسية للمملكة معناها الاستراتيجي الأوسع. ففي الوقت الذي لا تزال فيه بعض المقاربات الإقليمية تنظر إلى الساحل باعتباره حزاما أمنيا ينبغي ضبطه وحراسة منافذه، طرح المغرب تصورا مختلفا: تحويل الانغلاق الجغرافي إلى فرصة للاندماج القاري. لقد أعلن الملك محمد السادس في نوفمبر 2023 المبادرة الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، وهي المبادرة التي تفاعلت معها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد خلال اجتماع مراكش في ديسمبر من السنة نفسها. إن أهمية هذا المشروع لا تختصر في توفير منفذ بحري للدول غير الساحلية، بل تكمن في الفلسفة التي يقوم عليها. فالدولة التي لا تملك واجهة بحرية تتحمل تكاليف إضافية في تجارتها الخارجية، وتظل رهينة ممرات محدودة، وتواجه صعوبات في الاندماج في سلاسل الإمداد الدولية. لكن حين تتوفر لها منافذ لوجستية متعددة، وطرق نقل فعالة، وشبكات تجارية متكاملة، فإنها لا تكسب مجرد منفذ اقتصادي؛ بل توسع هامش استقلال قرارها السياسي أيضاً.
وهذا هو جوهر المبادرة المغربية. إنها لا تعرض على دول الساحل حراسة جغرافيتها، بل إعادة توظيفها. ولا تطلب منها التخلي عن سيادتها، بل تقترح توسيع إمكاناتها الاقتصادية. إنها رؤية تجعل من الأطلسي فضاء مشتركا، ومن الموانئ جسوراً للتنمية، ومن البنيات التحتية أدوات لإعادة وصل إفريقيا بالاقتصاد العالمي. وهنا ينبغي أن نتوقف عند الفارق بين تصورين: تصور ينظر إلى الساحل من زاوية المخاطر الأمنية والتهديدات الحدودية، وتصور ينظر إليه أيضاً من زاوية فرص التنمية والربط والتجارة والاستثمار. لا يمكن الاستغناء عن الأمن في أي من التصورين، لكن الأمن الذي لا ينتج تنمية يظل أمنا هشا، والتنمية التي لا تستند إلى استقرار تظل حلما مؤجلا. إن الرؤية المغربية تحاول الجمع بين الاثنين، وهذا ما يمنحها قيمتها الاستراتيجية.
الغاز: أنبوبان ومستقبل يتجاوز منطق المنافسة الصفرية
ليست الصحراء وحدها ساحة التنافس. فالغاز الطبيعي يضيف إلى المشهد بعداً أكثر حساسية، لأن الطاقة ليست سلعة اقتصادية فقط، بل أداة من أدوات القوة والتفاوض الدولي. هناك مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يستهدف نقل الغاز النيجيري عبر النيجر إلى الجزائر، ومنها إلى الأسواق الخارجية. وهناك مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الذي يربط نيجيريا بالمغرب مرورا بعدد من دول غرب إفريقيا. ومن الطبيعي أن يثير المشروعان اهتماما استراتيجيا متزايدا، بالنظر إلى ما يمكن أن يمنحاه من فرص لتأمين الإمدادات، وتعزيز مكانة الدول المشاركة، وخلق شبكات اقتصادية عابرة للحدود. لكن تصويرهما باعتبارهما حربا مباشرة بين الجزائر والمغرب ليس ضروريا ولا دقيقا.
فإفريقيا تحتاج إلى مزيد من البنيات التحتية الطاقية، وليس إلى تحويل كل مشروع إلى جبهة سياسية ضد مشروع آخر. والواقع أن أنبوب الغاز الأطلسي مشروع طويل الأمد، وقد عرف تقدما في الدراسات الهندسية والمسارات والتحضيرات القانونية والمؤسساتية، لكنه لم يدخل بعد مرحلة التشغيل. كما أن أنبوب الغاز العابر للصحراء لا يزال يواجه تحديات التنفيذ والتمويل والأمن. إن نجاح أي من المشروعين سيظل رهينا بقدرته على تجاوز العقبات التقنية والاقتصادية والسياسية. أما الحديث عن دعم إماراتي معلن ومحدد لتمويل الأنبوب المغربي، فينبغي عدم اعتماده باعتباره حقيقة ما لم يصدر ما يثبته رسميا. والأهم من ذلك أن المغرب لا يحتاج إلى تقديم مشروعه باعتباره نقيضا للمشروع الجزائري. فالمصلحة الإفريقية قد تتسع لأكثر من مسار طاقي، ما دامت هذه المسارات قابلة للاستدامة ومحققة للمنافع المشتركة.
إسرائيل وفرنسا: ضرورة الفصل بين الوقائع والاتهامات
في سياق هذه التحولات، يستحضر الخطاب الجزائري علاقات المغرب والإمارات بإسرائيل، باعتبارها جزءا من قراءة أمنية أوسع. وقد استأنف المغرب علاقاته الرسمية مع إسرائيل سنة 2020، كما طبعت الإمارات علاقاتها معها في السنة نفسها. هذه وقائع دبلوماسية معلنة، ومن حق أي دولة أن تدرس انعكاساتها على التوازنات الإقليمية. لكن الانتقال من وجود العلاقات إلى اتهام الأطراف الثلاثة بإدارة مشروع مشترك لزعزعة استقرار الجزائر أو الساحل، يحتاج إلى أدلة مستقلة ومحددة. وقد نقلت Middle East Eye عن الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني اتهامات بهذا المعنى، شملت أيضا ما وصفه ببعض الأطراف الفرنسية. غير أن التصريح السياسي، مهما كانت صفة صاحبه، لا يتحول إلى حقيقة استخباراتية بمجرد نشره. وهنا ينبغي أن تكون القراءة المغربية أكثر صرامة من خصومها في احترام الوقائع. فالمغرب لا يحتاج إلى إنكار علاقاته الدولية، ولا إلى تقديم اعتذارات عن خياراته السيادية، ولا إلى الرد على كل اتهام باتهام مضاد.
الأطلسي كأفق للصحراء
إن ما يجري اليوم من أرليت إلى بنغازي، ومن الرباط إلى ممرات الغاز الإفريقية، يكشف عن تحول يتجاوز حدود التنافس التقليدي على النفوذ. إنها معركة على تعريف المجال الإفريقي المقبل: هل سيظل الساحل فضاء تحكمه المخاوف الأمنية وحدها، أم يصبح منطقة للتكامل الاقتصادي واللوجستيكي والطاقي؟
وفي هذا الامتحان، يمتلك المغرب فرصة تاريخية، لكنه يمتلك أيضا مسؤولية تاريخية. فالفرصة تتمثل في الموقع الأطلسي، وفي شبكة العلاقات الإفريقية، وفي الرصيد الدبلوماسي، وفي المبادرات التي يمكن أن تعيد وصل الساحل بالمحيط والأسواق العالمية. أما المسؤولية فتتمثل في تحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة: موانئ، وطرق، واستثمارات، وشراكات صناعية، وتكوين بشري، ومشاريع طاقية قابلة للتنفيذ. فإن الدفاع عن الرؤية المغربية لا ينبغي أن يظل دفاعا خطابيا عن المبادرة الأطلسية، بل يجب أن يكون دفاعا عن قدرتها على تغيير شروط التنمية في المنطقة. إن المغرب، بما يملكه من امتداد أطلسي وعمق إفريقي، يستطيع أن يقدم جوابا مختلفا عن سؤال الساحل: ليس كيف نسيطر على هذه الجغرافيا، بل كيف نجعلها فضاء قادرا على إنتاج الثروة والاستقرار. ففي زمن تتسابق فيه القوى على رسم حدود النفوذ، قد تكون أعظم قوة استراتيجية هي القدرة على بناء الطرق التي تجعل الحدود أقل عزلة، والشعوب أكثر اتصالا، والقارة أكثر امتلاكا لمستقبلها. وهنا، لا يكون الأطلسي مجرد محيط يطل عليه المغرب، بل يصبح أفقا سياسيا واقتصاديا تتطلع إليه إفريقيا بأسرها.

رمقال واضح الرؤية: رؤيتان متناقضان للعلاقات الدولية: رؤية تقليدية تؤسس سردية بناء العلاقات بعقل الأمن واللاثقة، في حين أن الرؤية الثانية فتؤسس العلاقات على مبدأ رابح رابح. وهنا تكمن معضلة العلاقات الدولية وخاصة على مستوى مفهوم الجوار…