حين يفجّر الخوف صمت السماء: اثنتا عشرة طائرة في مهبّ الإنذار، وأوروبا على حافة المجهول

بقلم زكية لعروسي, رئيسة التحرير-باريس

لا يحتاج أحيانا الإرهاب إلى بارود كي يشعل العالم، ولا إلى قنبلة كي يزرع الموت في مخيلة العابرين. يكفيه أحيانا صوت مجهول يتسرّب من ثقوب العالم الرقمية، أو رسالة ملغومة بالحروف، حتى تتحوّل الطائرة من جناح للحرية إلى سؤال معلّق بين الحياة والهاوية، ويغدو الفضاء، الذي اعتاد الإنسان أن يقطعه مطمئنا، مسرحا لقلق لا يُرى، لكنه يلتهم الأعصاب كما تلتهم النار الهشيم. في الخامس من نوفمبر 2026، استيقظت الملاحة الجوية الأوروبية على وقع اثنتي عشرة حالة إنذار كاذب بوجود قنابل على متن رحلات جوية. اثنتا عشرة طائرة وجدت نفسها في قلب عاصفة من الاشتباه، واثنتا عشرة رحلة تحوّلت، بفعل تهديدات لم تثبت صحتها، إلى امتحان عسير لمنظومات الأمن واليقظة والسيادة.

نقلا عن وكالة فرانس برس، فقد شملت الإنذارات رحلات أوروبية متعددة، من بينها ثلاث طائرات تابعة لشركة «رايان إير»، قادمة من مدريد وكوبنهاغن ولندن-ستانستد ومتجهة إلى صوفيا. واضطرت بعض الطائرات إلى تغيير مساراتها والهبوط في وجهات بديلة، من بينها مطارات في بلغاريا وجمهورية التشيك. وقد هبطت الطائرات المعنية بسلام، وفق الحصيلة المنشورة عند منتصف نهار الخميس. لكن وراء هذا الخبر الذي يبدو للوهلة الأولى رقماً في نشرة مستعجلة، تنفتح هاوية من الأسئلة السياسية والأمنية والفلسفية.

إرهاب بلا متفجرات… حين تتحول الكلمة إلى قنبلة

لقد دخل العالم طورا غريبا من تاريخ العنف؛ طورا تستطيع فيه الرسالة أن تؤدي وظيفة العبوة، ويستطيع فيه التهديد أن يصنع من الهدوء حالة استنفار، ومن المعلومة المجهولة زلزالا في منظومة كاملة. إن القنبلة المزعومة ليست بالضرورة قنبلة مادية، لكنها قد تتحول إلى قنبلة إجرائية ونفسية واقتصادية. فما إن يُعلن عن احتمال وجودها حتى تستيقظ أجهزة الأمن من سباتها المؤسسي، وتتبدّل خرائط الطيران، وتتوقف الجداول الزمنية عن كونها جداول، لتصبح شرايين مرتبكة في جسد القارة. هنا تكمن عبقرية الشرّ حين يتخفّى في أبسط أدواته: إنه لا يحتاج دائما إلى تدمير البنية التحتية، بل قد يكتفي بإجبارها على استنفار نفسها. إنها معادلة مقلقة: تهديد واحد قد يستدعي مئات الإجراءات، ورسالة واحدة قد تضع آلاف المسافرين أمام سؤال لا يملكون إجابته: هل نحن في رحلة عادية، أم في فصل مجهول من رواية رعب لم يختر أحد أن يكون بطلا فيها؟

الطائرة بوصفها جزيرة معلّقة في محيط المجهول

للطائرة سحرها الحضاري الغامض؛ فهي قطعة من الأرض اقتلعت نفسها من جاذبيتها، وحملت الإنسان إلى فضاء كان في الأساطير ملكا للآلهة والطيور. لكن ما إن يزرع الشك في سلامتها حتى ينقلب هذا السحر إلى مفارقة وجودية: الإنسان الذي اخترع الأجنحة ليهرب من حدود الأرض يجد نفسه محاصرا في علبة معدنية تحلق فوق عالم لا يستطيع بلوغه، ولا يستطيع مغادرته بإرادته. إن الراكب في الطائرة لا يواجه الخطر وحده؛ إنه يواجه أيضا عجزه المؤقت عن التحكم في مصيره. الأرض بعيدة، والسماء واسعة، والاحتمالات تتكاثر كالأشباح خلف النافذة. وهكذا تصبح الطائرة، في لحظة الإنذار، مختبرا مكثفا للطبيعة البشرية: الخوف، الانتظار، الثقة، الهشاشة، والتشبث بالحياة.

الجغرافيا الأوروبية حين تتحول إلى رقعة شطرنج أمنية

من مدريد إلى كوبنهاغن، ومن لندن إلى صوفيا، ومن مسارات جوية عابرة للحدود إلى مطارات الاستقبال الاضطراري، تتكشف أمامنا صورة أوروبا التي لم تعد حدودها السياسية وحدها هي التي تحدد أمنها. فالفضاء الجوي شبكة واحدة تتقاطع فيها مصالح الدول والشركات والمطارات وأجهزة المراقبة والمخابرات. إن أي تهديد يطال طائرة في دولة قد يتحول، خلال دقائق، إلى مسؤولية تتوزع على مؤسسات في دول أخرى. وهذا ما يجعل الأمن الجوي الأوروبي أكثر تعقيدا من مجرد تفتيش حقائب أو مراقبة بوابات الصعود. إنه أشبه بنسيج عملاق، إذا ارتجف خيط في طرفه، انتقلت الرعشة إلى أطرافه الأخرى. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنسيق استخباراتي عابر للحدود، وآليات دقيقة لتبادل المعلومات، وتحقيقات قادرة على التمييز بين التهديد الحقيقي والتضليل المتعمد، من دون أن تتحول الاحتياطات الأمنية إلى آلة لإنتاج الذعر الجماعي.

الأمن ضحية لنجاحه

هنا نصل إلى أكثر المفارقات إثارة للقلق. إن المؤسسات الأمنية مطالبة بالتعامل مع كل إنذار جدي باعتباره احتمالا يستحق التحقيق. ولا يمكنها أن تتجاهل تهديدا لأن احتمال كذبه يبدو مرتفعاً. لكن هذه الضرورة نفسها قد يستغلها أصحاب النوايا الخبيثة لإرباك المؤسسات واستنزاف مواردها وإحداث اضطرابات متكررة. إنها معضلة الأمن الحديث: كيف نحافظ على أقصى درجات اليقظة من دون أن نمنح المخادعين القدرة على التحكم في إيقاع المؤسسات؟ وكيف نمنع إساءة استخدام إجراءات الحماية، من دون المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه تلك الإجراءات: أن حياة الإنسان لا تقبل المقامرة؟ إن الأمن الحقيقي ليس أن نعيش في حصن من الرعب، بل أن نبني منظومة قادرة على مواجهة الخطر بعقل بارد، وأعصاب متماسكة، وأدوات علمية وقانونية فعالة.

السياسة أمام امتحان العقل لا أمام إغراء الاستعراض

في مثل هذه الأحداث، تختبر الطبقة السياسية مرتين: مرة أمام الخطر المحتمل، ومرة أمام إغراء استثماره. فالسياسي الذي يحوّل الإنذار إلى منصة للتهويل لا يحمي المجتمع، بل يضيف إلى الخوف خوفاً آخر. والذي يسارع إلى إطلاق الاتهامات قبل اكتمال التحقيق لا يمارس الحزم، بل يغامر بمصداقية الدولة وسيادة القانون. لا يجوز الخلط بين الإنذار الكاذب والعمل الإرهابي المثبت، ولا بين تعدد الحوادث وثبوت وجود شبكة منظمة وراءها. حتى هذه اللحظة، لا تسمح المعطيات المنشورة وحدها بالجزم بهوية الفاعلين أو دوافعهم أو وجود تنسيق مركزي بين جميع الحالات. وهنا ينبغي أن تتقدم الحقيقة على البلاغة، وأن تسبق الأدلة الأحكام، وأن تكون الدولة أكبر من انفعالات اللحظة. فالديمقراطية التي تفقد اتزانها أمام التهديد تكون قد منحت الخوف سلطة لم يمنحها له الدستور.

من يخترق السماء لا يستهدف الطائرة وحدها

لعل أخطر ما في هذه الحوادث ليس عدد الطائرات، ولا عدد التحويلات الجوية، ولا حجم الاضطراب الذي تسببت فيه، بل السؤال المتعلق بطبيعة الهدف الذي قد يسعى إليه أصحاب هذه التهديدات. فإذا كانت الإنذارات متعمدة وكاذبة، فإنها قد تستهدف، إلى جانب إثارة الخوف، تعطيل الحركة الجوية، واستنزاف الموارد الأمنية، وإرباك الثقة العامة. إنها محاولة محتملة لضرب المسافة الفاصلة بين المواطن ومؤسساته، بين المسافر والمطار، وبين الإنسان وإحساسه بأن العالم قابل للتوقع. ومع ذلك، ينبغي ألا نمنح الفاعلين المجهولين انتصارا رمزيا مسبقا، أو ننسب إليهم استراتيجية لم تثبتها التحقيقات. فالتحليل العميق لا يعني اختراع الوقائع، بل اكتشاف الأسئلة التي تختبئ خلفها.

السماء لا ينبغي أن تصبح رهينة لرسالة مجهولة

لقد أمضى الإنسان قرونا يحلم بالطيران، وحارب قوانين الطبيعة كي ينتزع لنفسه مكانا بين الغيوم، ثم جاء عصر الاتصالات الفورية ليكشف أن بضعة أحرف مجهولة قد تكون كافية لإعادة ذلك الإنسان إلى خوفه البدائي من المجهول. لكن السماء ليست ملكاً للخوف، والمطارات ليست مسارح للهلع، والدول ليست كائنات ينبغي أن ترتجف أمام كل شائعة. إن المطلوب اليوم ليس فقط حماية الطائرات، بل حماية العقل العام من الاستسلام لاقتصاد الرعب؛ وليس فقط تأمين المدارج، بل تأمين الثقة التي تجعل المجتمعات قادرة على مواصلة حياتها رغم التهديدات. إن أوروبا مطالبة بأن تفهم أن الأمن ليس جداراً من الحديد فحسب، بل منظومة من العقل والتعاون والشفافية والمساءلة. وإذا كان بإمكان تهديد مجهول أن يوقف طائرة، فلا ينبغي أن يكون بإمكانه أن يوقف قارة عن التفكير. فالطائرات قد تغيّر مساراتها حين يشتبه بالخطر، أما الديمقراطيات فلا ينبغي لها أن تغيّر بوصلتها كلما أطلق المجهول صرخة في العتمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *