من يحمي الإنسان والماشية في مغرب السيادة والكرامة؟
بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير وممثلة فرع باريس لرابطة كاتبات المغرب
في فجيج، المدينة التي اعتادت أن تنام على وسادة النخيل، وأن تصغي إلى حفيف الواحات كأنها صلاة قديمة تتلوها الأرض على مسامع السماء، صار الليل يحمل نباحا من نوع آخر. لم يعد الليل مجرد فسحة للسكينة، بل تحول في بعض أطراف المدينة إلى موعد للقلق، حيث ينام الكسّاب بعين مفتوحة، وتتحول الحظائر إلى قلاع محاصرة، ويصبح صاحب القطيع حارسا مرهقا على ثروة قد يبتلعها الفجر في دقائق. ثلاثون خروفا! ليس رقما في دفتر خسائر، ويذوب في ازدحام السطور. إنها حصيلة مأساة عاشها أحد مربي الماشية في فجيج الأسبوع الماضي، حين فقد، دفعة واحدة، ثلاثين رأسا من قطيعه، رغم أن الماشية كانت داخل حظيرتها المحصنة. والأكثر إثارة للذهول أن ثلاثة كلاب ضالة استطاعت تسلق جدار يبلغ علوه ثلاثة أمتار، والوصول إلى القطيع والفتك به، في واقعة تقول الساكنة إن تفاصيلها موثقة بمقطع فيديو. ثلاثة كلاب وجدار من ثلاثة أمتار وثلاثون رأسا من الماشية. كأن الأرقام هنا تتواطأ على فضح عجز لا يجوز أن يتحول إلى أمر مألوف. فأي درجة من الخوف ينبغي أن يبلغها الإنسان حتى يشعر بأن حظيرته لم تعد حصنا، وأن ما يملكه من تعب السنين يمكن أن يتحول في ليلة واحدة إلى ذكرى مصورة

حين تسلّقت الكلاب الضالة جدار يبلغ علوه ثلاثة أمتار، وهجمت على القطيع
ليست فجيج وحدها التي تسمع هذا النباح. ففي الأطلس المتوسط، وعلى الطرق المؤدية إلى الجنوب، وفي إفران ومناطق أخرى، بات انتشار الكلاب الضالة مشهدا يفرض نفسه على المسافرين والساكنة ومربي الماشية. كما أن مناطق من المتوسط تشهد بدورها مظاهر مقلقة من هذه الظاهرة. وقد أعادت الكتابات الصحفية، ومنها ما نشرته جريدة الورقاء في مقال لمراسلها محمد درهم، تسليط الضوء على معاناة الساكنة مع الكلاب الضالة، وعلى الخطر الذي لم يعد محصورا في الفضاءات الحضرية، بل امتد إلى المجالات القروية والرعوية. وهنا ينبغي أن نخرج من لغة الوصف إلى لغة المساءلة: من يحمي الساكنة؟ من يحمي أطفالها ومسنّيها؟ من يحمي الكسّاب الذي لا يملك سوى قطيعه؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرار وضع تتحول فيه بعض المسالك والأحياء والحقول إلى فضاءات للخوف؟

في التراث العربي، لم يكن الكلب مجرد حيوان عابر في حكايات الناس. لقد تناوله الجاحظ في كتاب الحيوان بعين العالم الذي يرى في الكائنات عوالم من الطبائع والسلوك والتكيف، لا مجرد صور جامدة. وفي الأمثال العربية حضر الكلب رمزا للوفاء والحراسة، مثلما حضر في الحكايات اليونانية عند إيسوب أداة لكشف الطمع والغفلة والتناقضات البشرية. أما في الفلسفة اليونانية، فقد استلهمت المدرسة الكلبية من صورة الكلب رمزا للتمرد على الزيف الاجتماعي والتحرر من القيود المصطنعة. لكن المفارقة أن الكلب الذي كان في المخيال الإنساني حارسا للبيت والقطيع، صار حين يفقد الرعاية والتدبير ويتكاثر خارج المراقبة، مصدر تهديد للبيت والقطيع معا. وليس الحيوان هو المسؤول عن اختلال العلاقة التي صنعها الإنسان معه؛ فالتخلي عن الكلاب، وتركها تتكاثر في بيئات تفتقر إلى التدبير، وإهمال جمع النفايات ومراقبة مصادر الغذاء، كلها عوامل تساهم في صناعة المشكلة.
ومن الخطأ أن نجعل الرحمة بالحيوان نقيضا لحق الإنسان في الأمن. فالرفق بالحيوان لا يعني أن نترك الأطفال في مواجهة مجموعات من الكلاب، ولا أن نطلب من الكسّاب أن يتصالح مع افتراس رزقه، ولا أن ننتظر وقوع عضة أو مأساة حتى تتحرك المؤسسات. الرحمة الحقيقية هي أن نبني تدبيرا علميا وإنسانيا يحمي الإنسان والحيوان معا، بدل تركهما في مواجهة بعضهما البعض. والأكثر إيلاما أن نداءات الساكنة، بحسب ما يفيد به المتضررون، لم تلق حتى الآن الاستجابة الميدانية التي تتناسب مع حجم الخطر. وهنا يصبح الصمت الإداري مشكلة في حد ذاته. فالمواطن الذي يطرق أبواب المسؤولين لا يطلب امتيازا، ولا ينتظر صدقة من ميزانية عمومية، بل يطالب بحقه الطبيعي في الأمن وحماية ممتلكاته وموارده. ومن الناحية القانونية، لا ينبغي أن يظل السؤال معلقا في الهواء: من المسؤول؟

القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات الترابية واضح في إسناد مهام جمع الكلاب الضالة ومكافحة داء السعار ومراقبة الحيوانات الأليفة إلى الجماعات في نطاق اختصاصاتها. ووزارة الداخلية، من خلال المديرية العامة للجماعات الترابية والسلطات المحلية، معنية بمواكبة هذه الجماعات وتعبئة الوسائل اللازمة. كما أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية مسؤولة عن الجانب المتعلق بالوقاية من الأمراض والعلاجات المرتبطة بالتعرض للعض، فيما يضطلع المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والمصالح البيطرية بأدوار مرتبطة بالصحة الحيوانية والتتبع الوبائي. وقد سبق أن أبرمت قطاعات حكومية ومؤسسات معنية اتفاقية إطار سنة 2019 لمحاربة ظاهرة الكلاب والقطط الضالة، تقوم على التنسيق والتلقيح والتعقيم وإحداث مرافق الإيواء والتدبير الصحي. كما أن وزارة الفلاحة ليست غائبة عن الصورة، خصوصا من زاوية حماية الثروة الحيوانية والصحة البيطرية، وإن لم تكن الجهة الوحيدة المسؤولة عن تدبير الكلاب الضالة. إذن، لسنا أمام فراغ قانوني، بل أمام سؤال أكثر إحراجا: أين يظهر أثر هذه الاختصاصات على الأرض؟ وما قيمة الاتفاقيات والبرامج إذا ظل المواطن في فجيج وإفران والأطلس المتوسط يواجه الخطر وحده؟
إن المطلوب ليس إطلاق حملات موسمية تنتهي بانتهاء الصور الصحفية، ولا اعتماد القتل العشوائي بوصفه حلا سهلا ومؤقتا. المطلوب برنامج ميداني دائم يقوم على إحصاء الكلاب الضالة، وتلقيحها ضد داء السعار، وتعقيمها للحد من تكاثرها، وإحداث محاجز ومراكز إيواء ملائمة، وجمعها وفق ضوابط صحية وإنسانية، ومراقبة النفايات والمطارح التي توفر لها الغذاء، مع التدخل العاجل في المناطق التي تسجل اعتداءات متكررة. لكن ثمة مسألة أخرى لا يجوز دفنها تحت ركام الإجراءات: التعويض عن الخسائر. إن مربي الماشية الذي فقد ثلاثين رأسا لا يحتاج فقط إلى وعد بحملة تلقيح بعد وقوع الكارثة. إنه يحتاج إلى آلية واضحة لتوثيق الأضرار وتقييمها والنظر في تعويض المتضررين وفق القواعد القانونية والبرامج المتاحة. فالمواشي ليست مجرد أعداد تتحرك في المراعي؛ إنها رأس مال الأسرة القروية، ومدخراتها، ومصدر عيشها، وثمرة سنوات من العمل في بيئة لا ترحم كثيرا من يشتغلون فيها.
ولهذا فإن النصيحة التي وجهت إلى المتضررين بتأسيس جمعية لمربي الماشية في فجيج تستحق الدعم والتشجيع. فالجمعية ليست مجرد إطار إداري، بل يمكن أن تصبح صوتا جماعيا منظما، يوثق الاعتداءات، ويحفظ الأدلة المصورة، ويحصي الخسائر، ويراسل الجماعات والسلطات الإقليمية والقطاعات الحكومية، ويطالب ببرنامج وقائي وبآلية للإنصاف والتعويض. فحين يتحدث المتضررون فرادى قد تضيع أصواتهم في ممرات الإدارة، لكن حين يتحدثون بوثائق وملفات ومطالب جماعية يصبح تجاهلهم أكثر صعوبة. والمطلوب أيضا أن تتحمل المجالس الجماعية مسؤوليتها في نظافة الأحياء وتدبير النفايات، وأن تضع السلطات المحلية خطة تدخل واضحة، وأن تشارك المصالح البيطرية والصحية في مراقبة الوضع. فلا يجوز أن يتحول تدبير المجال القروي إلى جزر إدارية منفصلة، كل مؤسسة فيها تنتظر الأخرى كي تبدأ العمل.
أما الحكومة الجديدة، فإن ما يحدث في فجيج يشكل امتحانا حقيقيا لخطابها بشأن العدالة المجالية ودعم الفئات الهشة وحماية العالم القروي. فهل ستصل الدولة إلى الكسّاب الذي فقد ثلاثين خروفا، أم ستظل السياسات العمومية حبيسة المكاتب والبلاغات؟ وهل ستترجم الوعود الانتخابية إلى حماية ملموسة في الواحات والجبال والقرى البعيدة عن مركز القرار؟
إن توجيهات الملك محمد السادس بشأن ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحقيق التنمية المجالية، والإنصات إلى انتظارات المواطنين، لا ينبغي أن تبقى مبادئ جميلة في الخطب والوثائق. إن قيمتها الحقيقية تظهر حين يجد المواطن البسيط مسؤولا يستمع إليه، ومؤسسة تتدخل لحمايته، وإدارة لا تنتظر أن تتحول خسارته إلى مأساة وطنية حتى تتذكر وجوده. فجيج ليست هامشا جغرافيا على خريطة المغرب، وليست مدينة بعيدة يجوز أن يتأخر إليها وصول الاهتمام. إنها جزء من الذاكرة الوطنية ومن عمق الشرق المغربي، ومن حق أهلها أن ينعموا بالسكينة التي عرفتها مدينتهم، وأن يمارسوا أنشطتهم الزراعية والرعوية دون أن يتحول الليل إلى تهديد لأرزاقهم.
إننا لا نطالب بإعلان الحرب على الحيوان، بل بإعلان الحرب على الإهمال. لا نطالب بإبادة الكلاب، بل بتدبير علمي وإنساني لوجودها. ولا نطالب بتعويضات من باب الشفقة، بل بإنصاف من فقدوا ثمرة عملهم، وبوقاية تمنع تكرار الكارثة. ثلاثون خروفا في ليلة واحدة ينبغي أن تكون كافية لإيقاظ أكثر من مكتب وأكثر من مسؤول. وثلاثة كلاب استطاعت تجاوز جدار بعلو ثلاثة أمتار ينبغي أن تجعل المؤسسات تتجاوز جدران اللامبالاة. فمن يحمي الكسّاب حين لا تحميه حظيرته؟ ومن يحمي الطفل حين يصبح الطريق إلى المدرسة محفوفا بالخطر؟ ومن يحمي الحيوان نفسه من حياة التيه والتكاثر والجوع والأمراض؟
إن الدولة التي تريد أن تكون قوية لا تقاس قوتها فقط بما تشيده من طرق وموانئ ومشروعات كبرى، بل بقدرتها على حماية مواطن في أقصى الواحات، وراع في سفح جبل، وقطيع صغير هو رأسمال أسرة بأكملها. في فجيج، لا يطلب الناس المستحيل. إنهم يريدون فقط أن يعود الليل ليلا، وأن تستعيد الحظائر وظيفتها، وأن يتوقف النباح عن كونه إنذارا بالخسارة. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى مكاتب الحكومة قبل أن يصل صدى العواء إلى أبواب البيوت هو: إذا لم تكن حماية الإنسان ورزقه من صميم مسؤولية الدولة ومؤسساتها، فما الذي بقي من معنى هذه المسؤولية؟ فلا تجعلوا المواطن يحرس وحده ما عجزت المؤسسات عن حمايته.
