من التعبئة الترابية إلى التعبئة الاستراتيجية من أجل الوحدة
بقلم الدكتور عيسى بابانا العلوي-الرباط
” و ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ” (صدق الله العظيم)
في حياتنا محطات مصيرية و أحداث حاسمة لا تتكرر و لا تعوض، أفرادا كنا أو جماعات سواء كانت مفاجئة لم نكن ننتظرها لقلة الفطنة منا أو متوقعة هيأنا لها عدتها بالحيطة اللازمة. و قد تكون تلك المحطات أو الأحداث مؤلمة نبغضها أو رائعة نفرح لها دون أن ندرك كنهها و مغزاها في حينها حتى نعيها بعد حين، ونكون قد في الشعور و التقدير: فتنطبق علينا الآية القرآنية الكريمة : ” عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم و عسى أن تحبوا شيئا و هو شر لكم ” (صدق الله العظيم). وثمة لحظات في تاريخ الأمم تتجاوز فيها واقعة سياسية أو دبلوماسية أو مؤسساتية حدود الحدث المعزول، لتغدو منطلقاً لمرحلة تاريخية جديدة. وقد يشكّل يوم 30 أكتوبر 2026، بالنسبة إلى المغرب، إحدى هذه اللحظات المفصلية. ذلك أن عدم اعتماد ولاية جديدة لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، عقب مداولات مجلس الأمن، وما أعقب ذلك من توجيهات عبّر عنها بلاغ الديوان الملكي، يدعوان إلى التأمل في شروط الانتقال إلى مرحلة جديدة في تدبير ملف الصحراء المغربية. رأت من الحكمة أن أبدأ هذا المقال التحليلي بهذه النبرة الفلسفية الروحية.
ومن هذا المنظور، نقترح عنواناً لهذه الرؤية: المسيرة الخضراء لمحمد السادس، باعتبارها مرادفاً لما يمكن تسميته المسيرة الخضراء الثانية، أو ما نفضّل أن نطلق عليه أيضاً : مسيرة الوحدة . ولا ينطوي هذا التعبير على رغبة في استنساخ حدث تاريخي بصورة مصطنعة، ولا على محاولة لإقامة مماثلة بين ظرفيتين دوليتين تختلفان اختلافاً عميقاً في طبيعة كل منهما. وإنما يعكس قناعة مفادها أن الأمة قد تجد نفسها، في محطات متباعدة من تاريخها، مدعوة إلى تجديد أشكال تعبئتها الجماعية، من أجل مواصلة تحقيق هدف وطني جوهري واحد، هو ترسيخ وحدتها الوطنية والترابية. ولإدراك الأبعاد الحقيقية لهذا المفهوم، يتعين أولاً تمييزه بوضوح عن المسيرة الخضراء الأولى، التي نُظّمت في شهر نونبر 1975بمبادرة من جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني.
المسيرة الخضراء الأولى: تعبئة شعبية في خدمة مطلب ترابي وتاريخي
تنتمي المسيرة الخضراء لسنة 1975 إلى ظرفية تاريخية استثنائية، فقد جاءت في أعقاب مسار طويل من تصفية الاستعمار، وفي سياق اتسم بالمطالبة المغربية باسترجاع الأقاليم التي ظلت خاضعة للإدارة الإسبانية، وبصدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بتاريخ 16 أكتوبر 1975، ثم بالمفاوضات الدبلوماسية التي أفضت إلى اتفاقيات مدريد الموقعة في 14 نونبر من السنة نفسها. وقد شكّل القرار الملكي بتعبئة مئات الآلاف من المتطوعين المدنيين للمسير نحو الصحراء مبادرة سياسية ذات أبعاد استثنائية. إذ منح المطالبة المغربية تعبيراً شعبياً سلمياً ومرئياً، وحوّل المشاركة المواطنة إلى أداة للتعبئة الوطنية وإبراز الإرادة السياسية الجماعية.
وهكذا كانت المسيرة الخضراء الأولى، من حيث طبيعتها ومظهرها، مسيرة ميدانية وشعبية وترابية، قامت على المشاركة المباشرة للمواطنين الذين استجابوا لنداء الملك، وانطلقوا في اتجاه أرض كان المغرب يطالب باسترجاعها. وقد أكسبتها سلميتها، وطابعها الجماعي، ورمزيتها الدينية والوطنية مكانة متفردة في الذاكرة السياسية للمملكة. لقد كانت، في جوهرها، تجسيداً للإرادة الوطنية في سياق تصفية الاستعمار. وكان أفقها المباشر أفقاً ترابياً، يتمثل في مواكبة مسار استرجاع الصحراء ومنح المطالبة المغربية تعبيراً جماعياً تجاوز مداه حدود الدوائر الدبلوماسية وحدها. وهكذا دشّنت المسيرة الخضراء الأولى مرحلة كبرى في التاريخ المعاصر للمغرب، ورسّخت في الذاكرة الوطنية صورة شعب التفّ حول ملكه، وجعل من تماسكه الوطني رافعة للقوة السياسية والدبلوماسية.
المسيرة الخضراء الثانية: تعبئة من طبيعة أخرى لمرحلة أخرى من التاريخ الوطني
إن المسيرة الخضراء الثانية التي نقترحها لا يمكن أن تكون استنساخاً للتجربة السابقة. فقد تغيرت الظروف التاريخية، وتطورت أدوات العمل الدولي، كما أن الإشكالية التي يواجهها المغرب اليوم لم تعد مطروحة بالشروط ذاتها التي كانت قائمة سنة 1975. فلم يعد الأمر يتعلق بتعبئة السكان من أجل مسيرة ميدانية نحو إقليم معين، وإنما بتعبئة مجموع القوى الحية للأمة حول هدف استراتيجي يتمثل في ترسيخ المكتسبات الترابية، وتعزيز الاعتراف الدولي بالسيادة المغربية، وتهيئة الشروط السياسية والدبلوماسية والمؤسساتية الكفيلة بالتوصل إلى تسوية نهائية للنزاع. وهنا يكمن الاختلاف الجوهري بين المسيرتين. فالمسيرة الخضراء الأولى كانت، في المقام الأول، تعبئة ترابية جرت في سياق تصفية الاستعمار؛ أما المسيرة الثانية، فينبغي أن تكون تعبئة استراتيجية تجري في سياق ترسيخ الوحدة الوطنية والبحث عن مخرج سياسي مستدام.
الأولى عبّرت عن نفسها من خلال انتقال المتطوعين جسدياً نحو الصحراء؛ أما الثانية، فيتعين أن تعبّر عن نفسها من خلال التقاء الإرادات والكفاءات والمؤسسات والمبادرات في خدمة وحدة المملكة. وكانت المشاركة الشعبية المباشرة أداتها الرمزية الأبرز في المسيرة الأولى؛ أما الثانية، فينبغي أن تستند إلى تعبئة وطنية متعددة الأبعاد، تنخرط فيها المؤسسات الدستورية، والدبلوماسيون، والجامعيون، والباحثون، ورجال القانون، والمؤرخون، والفاعلون الاقتصاديون، والجماعات الترابية، ومكونات المجتمع المدني، فضلاً عن المواطنات والمواطنين المغاربة، على اختلاف مشاربهم، ووحدة ارتباطهم بسلامة التراب الوطني.
وإذا كانت المسيرة الأولى قد اندرجت ضمن ظرفية كان من شأن العمل الشعبي فيها أن يواكب مطلباً من مطالب تصفية الاستعمار، فإن المسيرة الثانية ينبغي أن تنطلق من ظرفية أصبحت فيها جودة الحجة القانونية، ومصداقية العرض السياسي، والقدرة على التفاوض، والفاعلية الدبلوماسية، وترسيخ التنمية البشرية، أدوات أساسية للفعل الوطني. ولا يتعلق الأمر، والحالة هذه، بإحلال التعبئة الداخلية محل الدبلوماسية الخارجية، ولا بإحلال المبادرة المواطنة محل مسؤولية مؤسسات الدولة، وإنما بتوحيد هذه الأبعاد المختلفة ضمن دينامية استراتيجية واحدة، تحت قيادة المؤسسات الدستورية للمملكة، وفي إطار الاحترام التام للاختصاصات والصلاحيات المخولة لكل منها.
مسيرة وطنية، ولكنها أيضاً دبلوماسية وفكرية ومؤسساتية
إن وصف هذه المبادرة بـ«المسيرة الخضراء الثانية» يستمد كامل دلالته من فهمها باعتبارها مشروعاً للتعبئة الشاملة. فهي، أولاً، مسيرة وطنية؛ ذلك أن الوحدة الترابية لا يمكن أن تترسخ بصورة مستدامة من دون انخراط عميق للمواطنين، ومن دون تضامن فعلي بين مختلف مكونات المجتمع، ومن دون سياسة تنموية تجعل من الازدهار المشترك واقعاً ملموساً. فالتماسك الوطني ليس مجرد قرار يُعلن، بل هو بناء متواصل يتغذى من الثقة والعدالة والمشاركة وتكافؤ الفرص. وهي، ثانياً، مسيرة دبلوماسية؛ إذ يتعين على المغرب مواصلة ترسيخ دعمه الدولي، وتطوير شراكاته الثنائية والإقليمية، وشرح الأسس التي تقوم عليها مبادرته للحكم الذاتي، والعمل، بالحوار والتفاوض والحجة، على إقناع الدول والفاعلين الدوليين الذين لا يزالون مترددين. ذلك أن 130 دولة من 193 في الأمم المتحدة يثمنون مشروع الحكم الذاتي و قرابة 30 دولة فتحت قنصليات عامة في الصحراء المغربية منها 22 دولة إفريقية أي نفس عدد الدول الأعضاء في الجامعة العربية.
وهي، ثالثاً، مسيرة فكرية وعلمية؛ ذلك أن قضية معقدة من قبيل قضية الصحراء المغربية لا يمكن الدفاع عنها بصورة مستدامة بمجرد تكرار المواقف الرسمية. فهي تقتضي عملاً متواصلاً في البحث التاريخي، والتحليل القانوني، والتوثيق الدبلوماسي، وإنتاج المعرفة والتأصيل الفكري. وهنا تقع على عاتق الجامعات ومراكز البحث ورجال القانون والمؤرخين وعلماء السياسة والمثقفين مسؤولية خاصة، تتمثل في الإسهام في تعزيز متانة الملف الوطني، بالمعرفة والصرامة المنهجية والمناقشة الرصينة للحجج. و في هذا الصدد يحاول ” الإتحاد المغربي للدبلوماسية الموازية ” جاهدا دورا ناجعا منذ تأسيسه في 19 يوليوز 2025 بالرباط. وهي، أخيراً، مسيرة مؤسساتية؛ إذ ينبغي للدولة وإداراتها وجماعاتها الترابية وتمثيلياتها الخارجية أن تعمل في إطار قدر أكبر من الانسجام الاستراتيجي. كما أن السياسات العمومية بالأقاليم الجنوبية، وجودة الخدمات، والاستثمار، والتكوين، والبنيات التحتية، ومشاركة الساكنة المعنية، كلها أبعاد عملية لترسيخ الوحدة الوطنية. وعليه، فلا يجوز اختزال المسيرة الخضراء الثانية في عملية تواصلية أو حملة ظرفية للتعبئة، بل يتعين النظر إليها باعتبارها مساراً للتحول المستدام، يهدف إلى إدماج الدفاع عن الوحدة الترابية ضمن سياسة وطنية شاملة ومتكاملة.
من دبلوماسية تدبير النزاع إلى دبلوماسية التحول
إن التطورات الأخيرة التي عرفها ملف الصحراء داخل مجلس الأمن تجعل هذا التصور أكثر وجاهة وأشد راهنية. فعدم اعتماد قرار جديد يمدد ولاية بعثة المينورسو لا يعني، في حد ذاته، أن الملف سيخرج عن الإطار القانوني المرسوم له طبقا لمقتضيات قرار مجلس الأمن 2797 الذي جعل من مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد لحل النزاع سياسيا. كما لا يعني أن مجلس الأمن قد توقف تلقائياً عن النظر في القضية. إذ ينبغي أن نعي جيدا أن القرار 2797 بتاريخ 31أكتوبر 2025 الذي أعلن جلالة الملك محمد السادس عن جعل تاريخه المذكور ” عيدا للوحدة ” ينص صراحة على استمرار مجلس الأمن في النظر في هذه المسألة. ومن ثم، فإن الخلط بين عدم تجديد ولاية البعثة والإغلاق المؤسساتي الأمني الأممي التلقائي للملف يتنافى مع مقتضيات الدقة القانونية. و لكن الذي ينبغي فهمه هو التحول القانوني الإستراتيجي لمعالجة الملف بدون البعثة الأممية التي كانت مهمتها تنظيم الإستفتاء في الصحراء المغربية أي أن قضية الصحراء أضحت خارج إطار المينورسو MINURSO التي أصبحت فصاعدا من الماضي.
غير أن هذا التطور يفتح مرحلة جديدة يمكن للمغرب أن يسعى إلى استثمار تداعياتها السياسية والدبلوماسية. وهو ما عبّر عنه تحديداً بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026، من خلال طموح يرمي إلى جعل هذا التحول محطة في اتجاه الإغلاق النهائي للملف داخل الأمم المتحدة، وإحداث تغيير عميق في محدداته ومعاييره. و في ضوء هذه التطورات الجذرية يستطيع المغرب أن يجعل من الظرفية الجديدة منطلقاً لاستراتيجية ترمي إلى تجاوز منطق تدبير النزاع تدريجياً، والانتقال إلى منطق البحث عن تسويته السياسية. ويقتضي هذا الانتقال دبلوماسية لا تكتفي بالرد على مبادرات الأطراف الأخرى، بل تكون قادرة على الاقتراح والاستباق والإقناع وتهيئة شروط التسوية بناءا على القرار 2797 لا على أحلام انفصالية مازال النظام الجزائري يغذيها في عقول قادة البوليساريو المكبلين سياسيا، كما يستلزم قدرة وطنية على مواكبة هذا التحول بحجج مؤسسة على القانون، وعرض سياسي ذي مصداقية، وسياسة تنموية تنعكس نتائجها بصورة ملموسة على حياة السكان المعنيين كما هو ملحوظ في الأقاليم الجنوبية حيث يزداد المستوى التنموي الإقتصادي و الإجتماعي و العمراني مع مرور السنين بشكل ملحوظ تعترف به الدوائر المختصة في الأمم المتحدة نفسها على غرار المشاركة الديموقراطية الواسعة للساكنة الصحراوية في المنظومة الديموقراكية التمثيلية على المستويين الوطني و المحلي كبقية إخوانهم و أخواتهم في بقية الجهات و المدن المغربية.
استمرارية تاريخية وقطيعة في المناهج
تندرج المسيرة الخضراء الثانية ضمن الاستمرارية التاريخية للمسيرة الأولى، لكنها مطالبة بالتميز عنها من حيث طبيعة أدواتها واتساع طموحاتها. فأما الاستمرارية، فتتجلى في ثبات الهدف الوطني المتمثل في ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة، كما تتجلى في مركزية الإرادة السياسية، وفي تعبئة القوى الحية للأمة، وفي الإيمان بأن المحطات الكبرى من التاريخ الوطني تقتضي التقاء الرؤية الملكية بانخراط الجماعة الوطنية. وأما القطيعة، فتتعلق بالمناهج والوسائل. ففي سنة 1975، كان المسير الميداني للمتطوعين التعبير الرمزي الأبرز عن التعبئة الوطنية. أما اليوم، فينبغي أن تتواصل المسيرة على جبهات الدبلوماسية، والقانون الدولي، والبحث العلمي، والاقتصاد، والثقافة، والتواصل الاستراتيجي، وتعزيز البناء المؤسساتي. وهذا الاختلاف يحول دون أي خلط بين الحدثين. فالمسيرة الخضراء الثانية ليست مسيرة جديدة نحو الصحراء، ولا استعراضاً للقوة، ولا دعوة إلى الحلول محل الآليات الدبلوماسية والقانونية.
إنها مقترح للتعبئة ورؤية للفعل الوطني في مرحلة تاريخية جديدة. أما صفتها «الخضراء»، فتحيل من جهة إلى الذاكرة التاريخية للمبادرة السلمية لسنة 1975، ومن جهة أخرى إلى إرادة إعطاء الأولوية، في السياق الراهن، لأدوات الإقناع والتفاوض والمعرفة والتنمية. وأما وصفها بـ«المسيرة»، فيعبّر عن الحركة واستمرار الجهد ورفض الخضوع السلبي لتقلبات الأوضاع الدولية. وأما تسميتها «مسيرة الوحدة»، فتذكّر بأن سلامة التراب الوطني لا يمكن فصلها عن التماسك الوطني، والتضامن بين الجهات، وانخراط المواطنين في مشروع مشترك.
مسيرة الوحدة: طموح لجيل الحاضر والأجيال القادمة
وخلاصة القول، إن المسيرة الخضراء الثانية ينبغي أن تُتصوّر باعتبارها مشروعاً طويل الأمد للتعبئة الوطنية، لا حدثاً محصوراً في تاريخ معين أو ظرفية دبلوماسية عابرة. فهي مطالبة بأن تمنح الجيل الحاضر الوسائل الكفيلة بمواصلة العمل التاريخي الذي اضطلعت به الأجيال السابقة، بأدوات تتلاءم مع مقتضيات عصره. كما ينبغي أن تجعل من الدفاع عن الوحدة الترابية مسؤولية جماعية، يشارك فيها المجتمع المدني بجميع مكوناته القانونية والمشروعة في إطار الدبلوماسية الموازية إلى جانب الدبلوماسية الرسمية للدولة لا مجرد انشغال شكلي أو مسرحي، بل مسؤولية يستنير مسارها بالقانون، وتسندها المعرفة، ويرسخها التنمية، وتحملها الثقة الوطنية.
لقد أدخلت المسيرة الخضراء الأولى للملك الراحل الحسن الثاني الشعب المغربي في مرحلة تاريخية استثنائية، من خلال تعبئة شعبية سلمية. أما المسيرة الخضراء الثانية لجلالة الملك محمد السادس فقد أتاحت للشعب المغربي ابتداءا من 30 أكتوبر 2026، بمؤسساته وكفاءاته، دخول مرحلة جديدة من تاريخه، عبر تعبئة استراتيجية وفكرية ودبلوماسية ومؤسساتية مع خروج آخر جندي من المينورسو بعد 35 سنة من الوجود في الصحراء المغربية دون نتيجة حاسمة للنزاع. كانت الأولى مسيرة لاسترجاع المجال الترابي، وجاءت الثانية ينبغي أن تكون الثانية لترسيخ الوحدة الوطنية من خلال الحكم الذاتي تجسيدا للحل السياسي.
وقد بلورت الأولى الإرادة الوطنية في المجال الجغرافي، أما الثانية فسوف تجسّد هذه الإرادة في امتدادها التاريخي، وفي متانة المؤسسات، وفي الاعتراف الدولي بالحل السياسي المحتوم بعد قضاء نحب الإستفتاء. ومن هنا تكمن، في تقديرنا، الدلالة الحقيقية لهذا المفهوم الإستراتيجي بأن نمدّ روح المسيرية الخضراء الاولى الحسنية إلى الحاضر بوسائل جديدة من خلال المسيرة الخضراء الثانية المحمدية، و أن نتحمل مسؤولية إرثه لفتح مرحلة جديدة في مسار التاريخ الوطني. فالمسيرة الخضراء الثانية، أو مسيرة الوحدة، لن تكون تكراراً لفعل تأسيسي، وإنما تعبيراً عن مسؤولية تاريخية متجددة، قوامها تحويل التماسك الوطني إلى قوة فاعلة، والشرعية التاريخية إلى حجة علمية رصينة، والمكتسبات الدبلوماسية إلى آفاق للتسوية، والوحدة الترابية إلى مشروع مشترك للازدهار والمستقبل. ففي سنة 1975، سار المغرب من أجل مواكبة استرجاع صحرائه؛ أما في سنة 2026 وما بعدها، فإن واجبه أن يواصل المسير، بالقانون والدبلوماسية والمعرفة والتنمية وتعبئة جميع قواه الحية، من أجل ترسيخ وحدته ترسيخاً دائماً و هذا هو التوجه الذي رسمه العاهل المغربي من خلال توجيهاته السامية.
مسيرتان، وحضوران خارجيان، ومرحلتان من تاريخ الصحراء
نعم، بعد فشل مشروعي القرار اللذين عُرضا على مجلس الأمن بتاريخ 30 أكتوبر 2026، لم يُعتمد أي تفويض جديد لتمديد ولاية البعثة. وفي اليوم الموالي، الموافق لفاتح نونبر، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، عن طريق الناطق الرسمي باسمه، انطلاق مرحلة تصفية بعثة المينورسو. ومن المقرر أن تتولى فرقة محدودة العدد، تابعة لإدارة الدعم العملياتي، الإشراف على الإعادة المنظمة للممتلكات التابعة للدول المساهمة بقوات، ومعالجة وضعية المعدات المملوكة للمنظمة. ويشكّل هذا الإعلان تحولاً نوعياً في الوضع المؤسساتي للبعثة. فلم نعد إزاء مجرد احتمال لانتهاء الولاية، بل أصبحنا أمام نهاية فعلية لعمليات حفظ السلام، والشروع في إجراءات تصفيتها المادية والإدارية . و تجدر الإشارة إلى أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اكد صراحة على استمرار جهود مبعوثه الشخصي، ستافان دي ميستورا، من أجل التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف المعنية. ولا ينتقص هذا التوضيح من أهمية الحدث، بل يتيح للمغرب على العكس، تحديد جوهر المستجد التاريخي لهذه المرحلة بدقة أكبر، والمتمثل في: انتهاء عمليات حفظ السلام التي كانت تضطلع بها بعثة المينورسو، والشروع في مسار تصفيتها، بالتزامن مع استمرار انخراط الأمم المتحدة في القضية، من خلال المسار السياسي والدبلوماسي.
إن المقارنة بين المسيرة الخضراء الأولى والمسيرة الخضراء الثانية تكتسب، في ضوء آخر التطورات التي شهدتها الأمم المتحدة، دلالة تاريخية ورمزية جديدة. ففي سنة 1975، انطلقت المسيرة الخضراء الأولى في وقت كانت فيه الصحراء لا تزال خاضعة للإدارة الإسبانية. وعقب الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في 16 أكتوبر من السنة نفسها، عبّأ المغرب، بصورة سلمية، مئات الآلاف من المتطوعين، من أجل إضفاء طابع شعبي وجماعي على مطالبته باسترجاع أراضيه. وكان الهدف التاريخي المتوخى هو وضع حد للوجود الاستعماري الإسباني. وقد شكّل الانسحاب النهائي لإسبانيا، في فبراير 1976، نهاية حضورها العسكري والإداري في الإقليم. لقد كانت، وفق القراءة التاريخية المغربية، مسيرة تصفية الاستعمار واسترجاع المجال الترابي. وبعد واحد وخمسين عاماً، تلوح في الأفق مرحلة تاريخية جديدة. فقد أصبح الوجود الاستعماري الإسباني جزءاً من الماضي، غير أن النزاع المتعلق بالصحراء المغربية ظل مدرجاً ضمن الآليات الدولية، ولكن في إطار قانوني أممي جديد يبلوره – منذ أكتوبر 2025 – قرار مجلس الأمن 2797 بعيدا عن قرار بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء، التي أُنشئت سنة 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690. و التي شرعت في تجميع حقائبها للرحيل.
.

ان الاحتفاء بذكرى المسيرة الخضراءعلى عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، يشكل أكثر من مجرد استذكار لحدث تاريخي صنعه الإجماع الوطني؛ إنه تجديد للعهد مع الذاكرة الوطنية، واستحضار لروح التضحية والوطنية والتلاحم الوثيق بين العرش والشعب.
فإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسدت عبقرية التعبئة السلمية في عهد جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني، فإن العهد الجديد جعل من استمرارية هذه الملحمة مشروعاً متجدداً، قوامه ترسيخ الوحدة الترابية، وتثبيت المكتسبات الدبلوماسية، وإطلاق الأوراش التنموية الكبرى .
بالفعل ، لقد عملت الاوراش التنموية التي اطلقها جلالته منذ 2015 في اطار الجهوية الموسعة لتحقيق تنمية مستدامة ، على تحويل الأقاليم الجنوبية إلى رافعة استراتيجية للإشعاع الاقتصادي الإفريقي
والأطلسي للمملكة….
مما يقعد لتنمية أوسع مع الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية
الدكتورة ماجدة كريمي
كل الشكر والتقدير للأستاذة الدكتورة ماجدة كريمي على تعقيبها القيم الذي لخص فحوى مقالي بشكل مركز و أظهر مغزاه في سطور.