لصوص يسرقون نصف ألف كيلومتر من المستقبل

الطاقة الشمسية تتحول إلى منجم مفتوح وتصبح أسلاك السيادة غنيمة للعابرين في الظلام

بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير- باريس

في جنوب غرب فرنسا، لم يكن اللصوص يبحثون عن الذهب، فقد كان الذهب أكثر تواضعا هذه المرة، مختبئا داخل أسلاك نحاسية تمتد تحت الشمس، وتربط ألواحا فوتوفولطية بشبكات الكهرباء. لم يسرقوا الشمس، بالطبع، لكنهم سرقوا الطريق الذي تسلكه الشمس كي تتحول إلى طاقة. وفي هذه المفارقة شيء من عبث التاريخ: البشرية تنفق المليارات لترويض المستقبل، فيما يأتي لصوص من عتمة الحاضر ليقتطعوا منه خمسمائة كيلومتر من الأسلاك. بحسب ما أعلنه مكتب المدعي العام في بوردو يوم 7 نوفمبر 2026، يشتبه في تورط ستة أشخاص في عمليات سرقة استهدفت محطات للطاقة الشمسية في جنوب غرب فرنسا، حيث تجاوز طول الكابلات النحاسية المسروقة 500 كيلومتر، بينما تخطت الأضرار المالية مليون يورو بكثير. وقد جرى توقيف المشتبه فيهم وإحالتهم إلى التحقيق القضائي، مع تسجيل وقائع متشابهة في ستة أقاليم، وفق المعطيات المنشورة عن القضية.

لكن الرقم، على فداحته، لا يكشف وحده عمق الحكاية. خمسمائة كيلومتر من النحاس ليست مجرد كمية من المعدن، إنها شبكة من الثقة المادية التي تقوم عليها فكرة الانتقال الطاقي. فكل محطة شمسية تبدو من بعيد حقلا هادئا من الألواح الزرقاء، لكنها في حقيقتها منظومة معقدة من المعادن والكوابل والمحولات وأنظمة الحماية والاتصال. يكفي أن تنتزع جزءا صغيرا من عصبها حتى يتحول الحقل الذي كان ينتج الكهرباء إلى صحراء تكنولوجية صامتة. هنا تتعرى إحدى المفارقات الكبرى في الاقتصاد الأخضر: لقد تعلم العالم كيف يستثمر في الشمس، لكنه لم يتعلم بالقدر نفسه كيف يحمي البنية التحتية التي تجعلها قابلة للاستعمال. انتقلنا من عصر كان الخطر فيه يتمثل في ندرة مصادر الطاقة، إلى عصر أصبح فيه الخطر كامنا أيضا في سرقة الوسائط التي تنقلها وتوزعها.

النحاس ليس معدنا عاديا. إنه العصب الأحمر للحضارة الكهربائية. يسكن محطات الطاقة، وشبكات النقل، والمركبات الكهربائية، ومراكز البيانات، والاتصالات، والصناعات الدفاعية. وكلما توسع العالم في الرقمنة والكهرباء والطاقات المتجددة، ازدادت حاجته إليه. وبذلك لم تعد سرقته مجرد اعتداء على ملكية خاصة، بل قد تتحول إلى اعتداء على استمرارية خدمة استراتيجية وعلى أمن الاستثمار الطاقي. إن ما تكشفه القضية هو أن الاقتصاد الإجرامي يستطيع أحيانا أن يقرأ التحولات الاقتصادية أسرع من بعض المؤسسات التي يفترض أن تحميها. فحيث يرى المستثمرون ألواحا شمسية تنتج الكهرباء، يرى تجار المعادن شبكة من الفرص النقدية. وحيث ترى الدولة مشروعا للسيادة الطاقية، قد ترى السوق السوداء مخزونا قابلا للتفكيك والنقل والتسييل.

ولعل السؤال الأكثر إزعاجا هو: ماذا يحدث عندما تصبح البنية التحتية للمستقبل هدفا سهلا لشبكات الجريمة المنظمة؟ إننا لا نتحدث هنا عن لص يقتحم منزلا ويغادر بحاسوب، بل عن اقتصاد ظل يستطيع أن يستهدف منشآت متباعدة جغرافيا، ويحول أصولا صناعية إلى بضائع قابلة للتداول خارج القانون. وهذا يستدعي تفكيك السلسلة بأكملها: من التخطيط والتنفيذ إلى النقل والتخزين والتصريف، مع التركيز على مراقبة أسواق الخردة وتتبع منشأ المعادن وتعزيز حماية المنشآت.

ومن منظور مغربي، تبدو هذه القضية أكثر من مجرد خبر فرنسي مثير. فالمغرب اختار أن يجعل الطاقات المتجددة أحد أعمدة تحوله الاقتصادي، واستثمر في الطاقة الشمسية والريحية، ويطمح إلى بناء موقع متقدم في الاقتصاد الأخضر والهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي. ومشروعات من قبيل نور ورزازات ليست مجرد منشآت لإنتاج الكهرباء، بل أجزاء من تصور استراتيجي لمغرب يريد أن يحول موقعه الجغرافي وإمكاناته الطبيعية إلى قوة اقتصادية وصناعية. لكن هذه الطموحات تطرح سؤالا لا يقل أهمية عن سؤال التمويل والإنتاج: كيف نحمي البنية التحتية للطاقة من التخريب والسرقة والاختراق؟

فالمغرب، وهو يوسع استثماراته الطاقية، يحتاج إلى التفكير في أمن المنشآت باعتباره جزءا من السيادة الاقتصادية، لا مجرد بند ثانوي في ميزانيات الحراسة والصيانة. ويشمل ذلك المراقبة الذكية، وتتبع الكابلات والمعادن، وتطوير أنظمة الإنذار، وتنسيق الجهود بين الأجهزة الأمنية والفاعلين الصناعيين، فضلا عن تنظيم سلاسل إعادة تدوير النحاس وتشديد الرقابة على مصادره. كما أن الرهان لا يتوقف عند حماية الألواح والأسلاك. فالمستقبل الطاقي يتطلب بناء منظومة صناعية متكاملة، لا الاكتفاء باستيراد المعدات وتركيبها. الدولة التي تنتج الكهرباء من الشمس لكنها لا تتحكم في جزء معتبر من التكنولوجيا وسلاسل التوريد والصيانة تظل معرضة لأشكال أخرى من التبعية، حتى لو أضاءت صحراءها كلها. ولعل الدرس الأعمق أن الانتقال الطاقي ليس انتقالا من الوقود الأحفوري إلى الشمس فحسب، بل انتقال من نموذج كامل للأمن الاقتصادي إلى نموذج جديد تتداخل فيه المعادن والطاقة والتكنولوجيا والبيانات والأمن. لم تعد السيادة تقاس فقط بما تملكه الدولة من موارد تحت الأرض، بل بما تستطيع حمايته فوقها، وبما تنتجه وتحوله وتؤمن استمراره.

إن لصوص النحاس، إذا ثبتت التهم المنسوبة إليهم، لم يسرقوا مجرد أسلاك. لقد كشفوا عن ثغرة في تصورنا للمستقبل: نريد طاقة نظيفة، لكننا لا نريد دائما رؤية البنية المادية الثقيلة التي تجعلها ممكنة. نحتفي بالشمس وننسى النحاس، نصفق للألواح ونغفل الكابلات، ونحسب أن التكنولوجيا الحديثة تحمي نفسها بنفسها. والحال أن الشمس لا تعرف اللصوص، ولا تميز بين محطة آمنة وأخرى مخترقة. إنها تشرق على الجميع بالقدر نفسه من اللامبالاة الكونية. أما الدول، فعليها أن تتعلم أن المستقبل لا يسرق دفعة واحدة، بل قد يبدأ بكابل ينتزع من الأرض، ثم شبكة تتعطل، ثم استثمار يفقد الثقة، ثم مشروع سيادي يكتشف متأخرا أن عدو الطاقة النظيفة قد لا يكون النفط أو الغاز، بل ثغرة صغيرة في سياج حقل شمسي. إن أخطر ما في هذه الجريمة ليس أن النحاس اختفى، بل أن المستقبل نفسه كان مكشوفا بما يكفي لكي يحملوه بعيدا في شاحنات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *