حكاية مطار أبانت وحشية العالم الحديث
بقلم زكية لعروسي رئيسة التحرير- باريس
في مطار نابولي، حيث تعبر آلاف الوجوه كل يوم، وحيث تقاس الحياة بمواعيد الإقلاع والهبوط، كان هناك رجل لا ينتظر طائرة، ولا يفتش عن بوابة، ولا يحمل حقيبة تروي شيئا عن وجهته. كان ينتظر شيئا أكثر استعصاء على الخرائط: أن يتذكر من يكون. إسمه دانيال، شاب سويدي في الخامسة والعشرين من عمره، وجد نفسه عالقا في جغرافيا النسيان. لا جواز سفر، لا نقود،لم يكن يطلب الكثير. بل إن بعض العاملين فكروا في تنظيم حملة لجمع المال لمساعدته على العودة، لكن المفارقة أن أحدا لم يكن يعرف إلى أين ينبغي إعادته. هنا تبدأ الحكاية في تجاوز حدود الخبر الإنساني لتصبح سؤالا فلسفيا بالغ القسوة: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا حين تسقط منه ذاكرته، وتغادره أوراقه، وينقطع الخيط الذي يربطه بماضيه؟ وهل نحن ذوات مستقلة حقا، أم أننا مجرد حكايات تحفظها عيون الآخرين وأصواتهم ووثائقهم؟
كان دانيال، بطريقة ما، مواطنا بلا سيرة ذاتية. موجودا جسديا، لكنه معلق خارج نظام التعريف الذي يحكم العالم. ففي عصر تستطيع فيه قاعدة بيانات أن تعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا، يكفي أن يفقد المرء وثيقة وذاكرة حتى يصبح لغزا إداريا، وربما كائنا فائضا عن انتظام الحياة اليومية. وتشير روايات صحفية إلى أن الشاب ربما تعرض لاعتداء أو شجار في روما، أعقبه فقدان الذاكرة. لكن ظروف الواقعة لم تتضح بصورة قاطعة، كما لم يعلن عن تشخيص طبي يؤكد طبيعة فقدانه للذاكرة. وهذه المسافة بين ما يروى وما يثبت هي بالضبط المنطقة التي ينبغي للعقل أن يقيم فيها، بعيدا عن إغراء تحويل المأساة إلى حكاية مكتملة لمجرد أن النهاية تبدو جميلة.
الأكثر إثارة للتأمل أن دانيال لم يكن محاصرا بالجدران، بل بالفراغ الذي تركه داخله. كان المطار مفتوحا على العالم كله، ومع ذلك لم يكن يملك طريقا إلى بيته. طائرات تقلع نحو ستوكهولم وباريس وبرلين، وأناس يودعون بعضهم بعضا، وآخرون يعانقون أحباءهم، فيما ظل هو يشاهد حركة العالم كما يشاهد غريب مسرحية لا يتذكر أنه كان أحد أبطالها. لقد ذكرت قصته بفيلم «المحطة» لستيفن سبيلبرغ، لكن الواقع هنا أكثر تعقيدا من السينما. فبطل الفيلم كان يعرف من أين جاء، بينما كان دانيال يفتقد حتى القدرة على رواية حكايته. لم تكن المشكلة في الحدود السياسية، بل في الحدود الغامضة داخل الدماغ، حيث يمكن للإنسان أن يفقد وطنه من دون أن يغادر المكان.
وحين بدأت وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية تداول صوره، تحولت ملامحه إلى رسالة عابرة للحدود. تحركت السلطات المحلية في نابولي، وتدخلت الخدمات الاجتماعية بالتنسيق مع السفارة والقنصلية السويديتين. وبعد فترة من رفض المساعدة، قبل دانيال الانتقال إلى مركز استقبال يوفر له الإقامة والرعاية اللازمة. كانت أسرته قد انقطعت عنها أخباره منذ شهر غشت. ثم حدث ما يشبه المعجزة الصغيرة، لا بمعناها الغيبي، بل بمعناها الإنساني: عثروا على عائلته، وأجريت مكالمة هاتفية بينه وبين والده. سأله الأب: «دانيال، هل أنت؟» فأجابه: «نعم يا أبي، أنا». تأملة, قارئي العزيز, هذه الجملة القصيرة. لم تحتج إلى خطاب فلسفي، ولا إلى وثيقة رسمية، ولا إلى استعراض طويل للماضي. صوت الأب شق المسافة التي عجزت عنها الخرائط. وربما كان ذلك الصوت أول نافذة فتحت في جدار النسيان.
في الخامس من نوفمبر، غادر دانيال نابولي متجها إلى روما بالحافلة، حيث التقى والده، ثم استقلا الطائرة معا إلى السويد. عاد الشاب إلى أسرته بعد أشهر من الغياب، بمساعدة موظفين وعاملين ومسؤولين لم يتعاملوا معه باعتباره مشكلة ينبغي التخلص منها، بل إنسانا ينبغي استعادته. لكن النهاية السعيدة لا ينبغي أن تخدر أسئلتنا. كم من إنسان يمر أمامنا كل يوم وقد فقد شيئا لا تراه العين؟ كم من شخص يسير في الشوارع وفي داخله مطار مهجور، تتوقف فيه الرحلات ولا يعرف أحد كيف يعيد إليه وجهته؟ وكم من إنسان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى شخص يتوقف قليلا ليسأله عن اسمه، ثم ينتظر الإجابة؟
إن الحضارة على ألا تترك إنسانا يسقط بين مقعدين في صالة انتظار، ثم تمضي من حوله كأن شيئا لم يحدث. لقد عاد دانيال إلى السويد، لكن قصته تركت نابولي تحمل سؤالا أثقل من حقائب المسافرين: إذا كان الإنسان يستطيع أن ينسى العالم كله، فمن الذي يتذكره حينئذ؟ ربما كانت الإجابة الأكثر إنسانية هي أن الإنسان لا ينجو بذاكرته وحدها، بل بذاكرة الآخرين عنه. نحن لا نكون أبناء أنفسنا فقط، بل أبناء الأصوات التي تنادينا، والوجوه التي تبحث عنا، والأيدي التي ترفض أن تتركنا غرباء على رصيف الحياة. لم يكن دانيال يبحث عن طائرة تعيده إلى السويد بقدر ما كان يحتاج إلى صوت يعيده إلى نفسه. وحين قال له أبوه: «هل أنت؟»، أجاب العالم، ولو للحظة، من خلال فم شاب نجا من ضياع لا تعرف المطارات كيف ترسم له خريطة.
