الشيء

Dounia El Amal Ismail

بقلم: الكاتبة والباحثة الفلسطينية دنيا الأمل إسماعيل


بعينين مفتوحتين تحملقان في السماء، أستلقي في العتمة التي تحيط بالخيام من كل جانب. أسمع صوت البحر يهدر، والريح تصرصر على امتداد الشوف، وهي تهز خيمتي وخيام النازحين من جواري. الجميع تقريبا نائمون، سوى بعض الأصوات المتناثرة هنا وهناك. أم تعيد هدهدة طفلها الرضيع لينام. ربما ألقمته ثديها فلم يجد فيه ما يشبع روحه وجسده، فعبر عن إستيائه بطريقته. أصوات كلاب تنبح في وصلات متقطعة، بصوت هزيل يخالف ما وقر في مسامعنا.

يشتد صوت الريح ويشتد إهتزاز الخيمة، يمنة ويسرة. تتأرجح فوق أوجاعنا وفي دمنا، فنسندها بأجسادنا وأوعيتنا، لعلها لا تقع فوق رؤوسنا التي إحتلتها أصوات الزنانات وطائرات الكواد كابتر التي رافقت مسيرة نزوحنا من مكان إلى آخر.

كانت خيمتنا تقع عند شاطئ البحر، قريبة جدا منه. أحيانا لا نفرق بين هدير البحر وهدير الطائرات فوقنا. لكن بمرور الوقت أوهمنا أنفسنا بأن ما نسمعه هو صوت البحر، يحرس ليلنا من ليالي الطائرات المميتة. كلام نستعين به للصبر على المكاره التي ألمت بحالنا وأحوالنا.

يشتد إهتزاز الخيمة، فتجلس أرواحنا على أرجوحة الوقت والانتظار. إنتظار شيء ما، يقول لنا إن ما نعيشه أو نحلم به مجرد كابوس طويل سينتهي، وأننا سنعود إلى سيرتنا الأولى، بلا حرب، بلا موت، بلا إنتظار للحياة. لكن شيئا من ذلك لا يحدث. لا يحدث مطلقا. بل تزداد أيامنا مرارة وقسوة وألما. يزداد عدد النازحين والشهداء والبيوت المدمرة. يشتد الجوع والعطش ويفقد الأمل، ويكبر الانتظار حتى يتحول إلى وحش يلتهم الروح والجسد والعمر.

لم يصح أحد من نومه. لقد إعتاد الجميع هنا على المخاطر حتى صارت أليفة من فرط التعايش معها. لم يعد يرهبهم شيء، لكن هذا الشيء حين يحدث يمزق نياط القلوب، ويتحول كل واحد منهم إلى قطعة ثلج تذوب سريعا مع حرارة مشاعرهم المستيقظة توّا من كهوف النسيان والألم، ثم إلى حوض من الدموع والآهات.

وحيدة أنا. أناجي وحدتي وأحزاني. أفكر فيما أنتهينا إليه، وكأننا في فيلم سينمائي محكم السيناريو والإخراج، ونحن الممثلون الجدد، لا ندرك ما يجري خلف الكواليس.

أبنائي نائمون. أنظر إلى وجوههم وأكاد أبكي، لكنني لا أفعل. لعل أحدهم مستيقظ، يوهمني أنه نائم كي لا يقلقني أو يثقل كاهلي بمزيد من الأعباء النفسية. لا أعرف من يسند من، يا قطعا من روحي تنام في جواري وفي قلبي.

دخلت مياه البحر إلى الخيمة. هممت لوضع حد لتجاوزها، كما تعلمت من الحرب وفنونها. أحضرت جوارب الرمل المجهزة مسبقا، تلك الجوارب التي رتقتها مرارا خلال أيام الشتاء الفائتة، لنتمكن من إستخدامها في ظل إنعدام البدائل. فالأسواق فارغة، والمال عزيز، والأمل في الحياة غائب. ها هي اليوم تنفعنا مجددا رغم ثقوبها الكثيرة، لكنها على أية حال أفضل من الثقوب التي تنخر عقول الساسة.

وضعت جواربي وجوارب العيال المملوءة برمل البحر كخط دفاع أمامي، أحمي به عالمي الصغير داخل الخيمة.

لا تزال الريح تعصف بعنف. لا أعرف هل تعصف في الخارج أم في داخلي. كل شيء يبدو لي متأرجحا في العتمة، مرة إلى أعلى ومرة إلى أسفل، مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال. الريح ماضية في زعزعة إستقرار السكون، سكون الخيمة وسكون القلب. ولا أحد يبالي بنا في هذا العالم الخارجي، كأن أصوات الكون كلها قد خمدت، سوى هذه الريح وتلك الطائرة اللعينة التي تتمخطر على قماشة السماء، وعينها تبتسم لأوجاعنا وقهرنا الذي ينمو بين الريح ورمال الخيمة.

تزعق الأصوات في داخلي، لكنني لا أصرخ. تطلق شفتاي زفيرا مكتوما، لا يغير من هذا الواقع شيئا. أحاول النهوض. أشعر بإرهاق شديد وتيبس في مفاصلي، أسمع طقطقتها كأنها طرق في جدار الجسد. أتجاوز الألم وأمشي نحو البحر، محفوفة بالعتمة والهواجس. تجللني السماء ورياحها، فيما طائرة الكواد كابتر الوطيئة تندهش من إمرأة خمسينية، تفرط في جرأتها، بينما رجال الخيمة نائمون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *