بقلم زكية لعروسي، باريس
في السادس عشر من مارس 2026، ومع مرور خمس سنوات كاملة على بداية حملات التطعيم العالمية، أصدرت الوكالة الوطنية لسلامة الدواء (ANSM) في فرنسا بيانًا حاسمًا: بعد تحقيق وطني دام خمس سنوات ورصد أكثر من 160 مليون جرعة، تؤكد الوكالة “مرة جديدة” أن لقاحات mRNA (كوميرناتي من فايزر وسبايكفاكس من موديرنا) آمنة، مع “عدم وجود أي إشارة خطر جديدة” أو ارتفاع في معدلات الوفيات. هذا الخبر، الذي صدر من كالة فرانس برس، يحمل في طياته ثقل سنوات من الجدل العالمي. لكن السؤال الأعمق الذي يطرح نفسه اليوم: بعد كل هذا الوقت، وبعد كل هذه البيانات، هل يمكن لتقرير واحد أن يمحو الصورة الذهنية السلبية التي تكونت لدى شريحة واسعة من الناس؟ وهل سيزيح هذا الخبر من عقول البعض الاعتقاد بأن “نتائج اللقاح السيئة فاقت إيجابياته”؟
1- ماذا يقول العلم؟ إغلاق ملف “المجهول”
الدلالة الأهم في هذا التقرير ليست في كونه يؤكد السلامة، فهذا ما كانت تقوله الدراسات الأولية دائمًا، بل في كونه يمثل “إغلاقًا لمرحلة استثنائية”. لقد انتهت “المراقبة المعززة” التي كانت سارية منذ حالة الطوارئ الصحية. هذا يعني أن اللقاحات انتقلت من دائرة “الجديد” و”المُختبر باستمرار” إلى دائرة “الراسخ” و”المعروف”. التحليل الدقيق لـ 21 حالة “مارك” لكوميرناتي و5 حالات لسبايكفاكس، والتي شملت أمراضا خطيرة ومعقدة مثل التصلب الجانبي الضموري (SLA) ومتلازمة التعب المزمن، أظهر عدم وجود علاقة سببية مع اللقاح. هذا هو جوهر علم الوبائيات: مع تراكم الجرعات ومرور الوقت، يصبح التمييز بين ما هو “عرضي” (يحدث بشكل طبيعي في السكان) وما هو “سببيه” (ناتج عن التدخل الطبي) أكثر وضوحا.
2- المعركة بين “الإحصاء” و”التجربة الفردية”
رغم قوة هذا التقرير، إلا أن التحدي الأكبر يبقى نفسيًا واجتماعيًا. فالمتشككون في اللقاحات لا يبنون موقفهم على غياب الدراسات، بل على ثنائية “التجربة الشخصية مقابل الإحصاء”. خلال الجائحة، كان من السهل نسبيا ربط أي وعكة صحية باللقاح الذي تلقيته قبل أسابيع. على وسائل التواصل الاجتماعي، انتشرت آلاف الشهادات المؤثرة لأشخاص عانوا من أعراض جانبية نادرة أو من أمراض ظهرت “بعد” التطعيم. هذه الشهادات تخلق “تحيزا معرفيا” (Availability Bias) يجعل المعلومة السلبية متاحة في الذهن بسهولة أكبر. الخبر الصادر عن ANSM يحاول مواجهة هذا التحيز بالمنطق العلمي: “نعم، هذه الحالات موجودة، وقد درسناها واحدة بواحدة. وخلُصنا إلى أن نسب حدوثها لا تتجاوز النسبة الطبيعية في المجتمع، وبالتالي لا يمكن إلقاء اللوم على اللقاح”. ولكن هل يكفي هذا؟ غالبا لا. فالذي كان مقتنعا بأن اللقاح سبب مرضا معينا سيجد صعوبة بالغة في تقبل فكرة أن العلم يقول إن حالته كانت لتحدث حتى لو لم تأخذ اللقاح.
3- هل تحسم المعركة لصالح الإيجابية؟
من ناحية موضوعية، يمكن القول إن هذا التقرير يمثل نقطة تحول كبرى. فهو يضيف وزنا هائلا إلى كفة “الفوائد الإيجابية” للأسباب التالية: · تأكيد دراسات الوفيات: التقرير يشير بوضوح إلى دراسة Epi-Phare المنشورة في JAMA Network Open التي تؤكد أن اللقاحات لم تسبب زيادة في الوفيات في فرنسا. هذا يدحض مباشرة أكثر الادعاعات تطرفًا حول “الإبادة الجماعية” أو “القتل الجماعي” عبر اللقاحات. الرد على نظرية “التجربة البشرية”: طالما ردد المشككون أننا “حقل تجارب”. الآن، وبعد 5 سنوات، يمكن القول إن التجربة انتهت بنجاح من حيث السلامة. لقد تمت مراقبة هؤلاء “المتطوعين” (أي عامة الناس) بأدق مما تمت مراقبة أي دواء آخر في التاريخ.
4- الجمود الإدراكي: لماذا قد لا يتزحزح البعض؟
بالنسبة لعلم النفس، فإن تغيير القناعات الراسخة يتطلب أكثر من مجرد تقرير. الأشخاص الذين تبنوا موقفا مناهضا للقاحات غالبا ما يكونون قد بنوا حوله هوية اجتماعية. هم جزء من “مجموعة المقاومين” أو “الذين اكتشفوا الحقيقة المزعومة”. هذا الخبر الجديد سيواجه بثلاث طرق من قبل هذه الفئة:
– التكذيب المباشر: اعتبار التقرير “مفبركا” أو أن المؤسسات الصحية لا تزال تكذب.
– تحريك الأهداف (Moving the Goalposts): التحول من نقد “السلامة” إلى نقد “الفعالية” أو “الآثار طويلة المدى غير المعروفة” (رغم أن 5 سنوات هي أطول من مدة دراسة معظم الأدوية).
– التجاهل: ببساطة، تجاهل الخبر لأنه لا يخدم السردية التي يؤمنون بها. الخلاصة: انتصار للعلم، لكن ليس بالضرورة نهاية للجدل. الخبر الذي صدر يمثل إنجازا علميا وتنظيميا كبيرا. إنه دليل على أن نظام اليقظة الدوائية يعمل. لقد تم تطعيم المليارات، ورُصدت الحالات، ودُرست، ووُثّق، وفي النهاية صدر الحكم: الفوائد تفوق المخاطر بشكل ساحق، ولا يوجد دليل على مخاطر جديدة أو مميتة.
أما بالنسبة لإزاحة هذا الخبر للشكوك من عقول البعض، فالنتيجة ستكون منقسمة:
– .سيؤثر على “المترددين”: الأشخاص الذين كانوا في حالة ترقب أو قلق غير مبرمج، هؤلاء قد تطمئن قلوبهم بهذا التقرير
– لن يؤثر على “المقتنعين بالرفض”: أولئك الذين جعلوا من رفض اللقاح عقيدة
– لن يغير تقرير رسمي من قناعاتهم، بل سيعتبرونه دليلا إضافيا على “المؤامرة”
لا تُربح معركة السرديات التاريخية بتقرير واحد، بل بتراكم الأدلة. وهذا التقرير هو حجر زاوية جديد ورئيسي في بناء الإرث العلمي للجائحة، الذي يؤكد أن البشرية واجهت أزمة صحية غير مسبوقة بأداة علمية آمنة وفعالة، رغم الضجيج الذي رافقها.
📲 Partager sur WhatsApp
على الرغم من الضجيح، الحقيقة العلمية لا ترتفع. لقد واكب عملية مكافحة الجاءحة لغط كبير إلى درجة ساد الشك حتى في عمل المختبرات، ليمسي البشر وكأنه ضحية مؤامرة. غير أن الديل العلمي والمختبري هو الفيصل.