هانتا: أكثر من سبعين جرذا سقطوا في المصائد

بقلم زكية لعروسي, باريس

في أقصى التخوم التي ينتهي عندها العالم وتبدأ أسطورة الجليد، هناك… في «أوشوايا»، المدينة التي تبدو كأنها معلّقة بين أنفاس المحيط وصمت القطب، خرج العلماء لمطاردة أشباح صغيرة بأسنان حادة وعيون تلمع مثل خرزات سوداء في قلب العتمة. لم تكن مطاردة عادية، بل رحلة إلى المصدر الأول للخوف؛ إلى الكائن الذي قد يكون حمل الموت خلسة على متن سفينة سياحية عبرت البحار كأنها نعش أبيض فاخر.

تحت سماء رمادية ثقيلة، وبين غابات تتشابك فيها الأشجار كأصابع عجوز تتلو تعاويذ قديمة، انتشر علماء الأحياء في «أرض النار» مرتدين أقنعة وقفازات، كما لو أنهم يدخلون طقسا جنائزيا لا مهمة علمية. كانوا يرفعون الأقفاص المعدنية بحذر شديد، وكأن كل جرذ بداخلها يخفي لعنة قادمة من أعماق الأرض الباردة. أكثر من سبعين جرذا سقطوا في المصائد. سبعون قلبا صغيرا ينبض باحتمال الكارثة. سبعون احتمالا لأن يكون هذا الكائن الرمادي الهزيل هو رسول الوباء الذي تسلل إلى أجساد ركاب سفينة «هونديوس» بصمت يشبه همس الموتى.

لكن القصة أعمق من مجرد فيروس. إنها مواجهة أزلية بين الإنسان ووهم سيطرته على الطبيعة. فكلما اعتقد البشر أنهم أخضعوا الكوكب بالعلم والسفن والتكنولوجيا، خرجت من أطراف العالم مخلوقات صغيرة لتذكرهم بأن الحضارة ليست سوى طبقة رقيقة فوق فوضى بدائية هائلة. الهنتافيروس ليس مجرد مرض؛ إنه استعارة مرعبة عن هشاشة الإنسان الحديث.

فيروس يولد في رئة جرذ مجهول وسط الرياح القطبية، ثم يعبر إلى سفينة سياحية مليئة بالكاميرات والترف والخرائط الرقمية، ليكشف أن العالم المعاصر – رغم ذكائه الصناعي وأقماره الصناعية – لا يزال عاجزا أمام ذرة بيولوجية تتنفس في الظلام. المشهد في «أرض النار» يبدو كأنه مقتطع من رواية كافكا كتبها في ليلة جليدية: علماء يطاردون جرذانا في آخر الأرض، وسياح يبحثون عن المغامرة فيجدون أنفسهم داخل حكاية وباء، وكوكب يرسل إشارات غامضة بأنه تعب من غرور البشر. إنه ليس خبرا صحيا فقط… إنّه مرآة فلسفية لوحشة العصر الحديث.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *