إيبولا: حرب الطبيعة الكبرى ضد الإنسان؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كل مرة يظنّ الإنسان أنّه أحكم إغلاق الباب على الوباء، ينفتح باب آخر من ظلال الأرض، كأنّ الأمراض صارت ذرية سوداء تتناسل من خوف البشر وخطاياهم. وكما كانت تقول أمي خيرة، وهي تنفث الحكمة المغربية من بين أصابعها المعجونة برائحة الخبز والحناء: “ما نْجيو نْغلقو باب حتى يْتحل باب.” مثل يبدو بسيطًا، لكنه يشبه نبوءة عجوز رأت العالم قبل أن يفقد توازنه. ها هي الجمهورية الديمقراطية للكونغو تعود إلى واجهة الرعب مع وباء إيبولا الجديد، وكأنّ القارة السمراء تحمل فوق كتفيها لعنة الطاعون الأبدي. أرقام الموت تتصاعد، والفيروس المسمّى “بونديبوجيو” يزحف مثل ذئب غير مرئي بين القرى والغابات والحدود، فيما العالم يراقب من خلف الشاشات، كأنّ الموت حين يكون إفريقيًا يصبح خبرًا عابرًا لا أكثر.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كم مات؟ بل: لماذا كثرت الأوبئة حتى صار الإنسان ينام على إنذار صحي ويستيقظ على متحوّر جديد؟ لقد كان القدماء أكثر حكمة منا. العرب قالوا قديما: “إذا فسد الهواء فسد البدن.” أما الإغريق، فقد رأى إيبّوكرات أن المرض ليس غضب الآلهة فقط، بل اختلال العلاقة بين الإنسان والطبيعة. كانوا يفهمون ما نكاد نحن ننساه اليوم: أن الأرض ليست خادمة للإنسان، بل أمٌّ إن أُهينت انتقمت. لننظر, قارئي العزيز, كيف صار العالم. الغابات تقطع كما تذبح القصائد.
الأنهار تسمّم. الهواء صار مقبرة متنقلة للدخان والمعادن الثقيلة. الحيوانات البرية تُطارد حتى آخر أوكارها، فتنتقل الفيروسات من أجسادها المرتعبة إلى المدن المكتظة بالبشر. كأن الإنسان، وهو يوسّع حضارته الإسمنتية، كان يحفر قبره البيولوجي بيده.

لقد صار الكوكب مثل بيت مغربي قديم اختلّت فيه البركة. كانت أمي خيرة تقول: “الدار اللي يكثر فيها الوسخ كيدخل ليها المرض بلا تحية وبلا سْلاَمْ.” واليوم، الوسخ لم يعد في البيوت فقط، بل في الهواء والسياسة والاقتصاد والجشع الإنساني. إيبولا ليس مجرد فيروس. إنه رسالة سوداء مكتوبة بحبر الدم. رسالة تقول إنّ الطبيعة بدأت تفقد صبرها. في الأساطير اليونانية، كان الطاعون يظهر حين يختلّ ميزان العدالة بين البشر والآلهة. وفي التراث العربي، كانت الأوبئة تُشبه “جنودا خفية” لا يراها أحد حتى تطرق الأبواب ليلا. واليوم، يبدو العلم نفسه مرتبكا أمام هذا التوالد المرعب للأمراض: كورونا، ماربورغ، جدري القردة، إيبولا، وفيروسات جديدة تولد كل شهر كأن المختبر الحقيقي صار هو الأرض كلها.

يا لهذا العصر. صرنا نخاف المصافحة، والسعال، والاقتراب، وحتى الهواء. الإنسان الذي وصل إلى المريخ، ما زال يرتجف أمام كائن مجهري لا يُرى. وربما المأساة الأعظم ليست في الفيروس نفسه، بل في هشاشة الروح البشرية. لقد تحوّل العالم إلى ماكينة هائلة تركض بلا قلب. السرعة أكلت التأمل. والربح أكل الرحمة. والتكنولوجيا جعلتنا متصلين بكل شيء إلا بالطبيعة. أمي خيرة لم تكن تعرف معنى “الاحتباس الحراري” ولا “الطفرات الفيروسية”، لكنها كانت تقول جملة تختصر تقارير العلماء كلها: “الإنسان ملي كيخرج على قانون الدنيا، الدنيا كتخرج عليه.” وهل خرج الإنسان على قانون الدنيا أكثر من الآن؟ قتل الغابات، لوّث البحر، حوّل الحيوان إلى سلعة، والغذاء إلى سمٍّ ملوّن، ثم تساءل بدهشة: لماذا كثرت الأمراض؟

إنّ الأوبئة ليست حوادث منفصلة، بل مرآة كونية لخلل أعمق. كل فيروس جديد يشبه جرسا يقرع في آخر الليل ليوقظ البشرية من غفلتها. لكن يبدو أن العالم صار بارعًا في إطفاء الأجراس بدل الإصغاء إليها. ورغم كل هذا السواد، تبقى الحكمة الشعبية أكثر صدقا من نشرات الأخبار. حين كانت أمي خيرة ترفع يديها إلى السماء وتقول: “اللهم احفظنا من اللي ما تشوفو العين وما يداويه الطبيب” كانت تختصر خوف الإنسان الأبدي من المجهول. الخوف اليوم ليس من إيبولا وحده، بل من عالمٍ صار يلد الأوبئة كما تلد الغيوم العواصف. وإذا استمر الإنسان في حربه ضد الطبيعة، فقد يأتي يوم يصبح فيه المرض هو الحالة الطبيعية، وتصبح العافية استثناء نادرا مثل قصيدة جميلة في زمن صاخب وضبابي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *