بقلم زكية لعروسي, باريس
في لحظة خرجت من تخوم الرواية أكثر مما خرجت من صناديق الاقتراع، اعتلى بالي باكايوكو عرش بلدية لابلين، لا بوصفه مجرد فائز في مواجهة سياسية مع كريم بوعمران، بل كرمز لتحوّل أعمق في روح المدينة التي طالما وصفت بأنها هامش العاصمة ومرآتها المكسورة في آن معا: سان دوني.
لم يكن هذا الفوز مجرد رقم في سجل الديمقراطية المحلية؛ بل هو انزياح في مركز الثقل الرمزي. المدن، كما قال ابن خلدون، «تشبه أهلها في أخلاقهم وعوائدهم»، وكأن سان دوني، بكل تناقضاتها، قد اختارت أخيرا من يجسّد ملامحها لا من يراقبها من عل. فالرجل الذي خرج من صلب الواقع الاجتماعي ذاته، بدا كأنه ابن الحارات التي تعرف ضيق المداخل واتساع الأحلام، ابن الشقق التي تضيق بسكانها لكنها تتسع لأمل لا ينطفئ.
سياسيا، يمكن قراءة هذا التحول باعتباره تعبيرا عن تعب تاريخي من تمثيلات لم تعد تُقنع. فحين تتضخم المسافة بين المنتخب والمنتخبين، تصبح الانتخابات لحظة تصحيح وجودي، لا مجرد تناوب إداري. لقد انتصر نموذج «القرب» على نموذج «الخبرة البعيدة»، وانتصر الإحساس على التقنية، والملموس على المجرد.

فالأمر يتجاوز الأشخاص إلى سؤال أقدم: من يحق له أن يتكلم باسم المدينة؟ أفلاطون كان يرى أن الحكم يجب أن يكون للفلاسفة، لكن سان دوني تبدو وكأنها تعيد صياغة المقولة: الحكم لمن عاش الفلسفة اليومية للفقر، للازدحام، للنجاة. هنا، يصبح «العارف» ليس من قرأ الكتب، بل من قرأ الجدران المتشققة، ومن فهم لغة المصاعد المعطلة والقطارات المتأخرة.
سان دوني ليست مجرد جغرافيا؛ إنها حالة. مدينة تهدي الفقراء فرصة البقاء على مقربة من باريس دون أن تكون باريس. مداخلها الضيقة ليست فقط معمارا، بل استعارة عن طرق الحياة المحدودة التي يجبر سكانها على سلوكها. ومع ذلك، فهي تمنحهم ما لا تمنحه الأحياء البورجوازية: القدرة على الاستمرار. إنها، بلغة بودريار، «محاكاة للمدينة الكبرى»، لكنها محاكاة أكثر صدقا من الأصل.
ففي زمن صار فيه العيش في باريس حلما شبه مستحيل، تتحول سان دوني إلى ملاذ شبه واقعي، أو ربما إلى «يوتوبيا معكوسة» – حيث لا تتحقق الأحلام، لكنها لا تموت أيضا. هنا، يصبح الارتفاع في الأسعار ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل بنية شعورية تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. وكأن السكان يعيشون داخل رواية، حيث تتجاور القسوة مع الجمال، والانكسار مع الرقص – كما فعل باياكوكو في لحظة انتصاره.
ذلك الرقص لم يكن احتفالا فرديا، بل طقسا جماعيا مؤجلا. كأن المدينة كلها كانت ترقص من خلاله، تُعلن أنها لم تعد موضوعا للسياسات، بل فاعلا فيها. وأنها، رغم كل شيء، لا تزال قادرة على إنتاج المعنى. فلا يمكن فهم هذا الحدث دون العودة إلى حكمة التراث: «كما تكونون يُولّى عليكم». وسان دوني، بهذا المعنى، لم تختر فقط عمدة، بل اختارت أن ترى نفسها في مرآته. وربما، للمرة الأولى منذ زمن طويل، أعجبها ما رأت.
📲 Partager sur WhatsApp